محمد جواد الطريحي.. رحلة عالمٍ صاغته اللغة وخدمته المعرفة

محمد علي محيي الدين

حين تتعانق الأصالة مع العلم، ويلتقي الإرث العريق بالاجتهاد المعاصر، تتشكل شخصيات علمية تترك آثارها الواضحة في الفكر والثقافة والتعليم. ومن هذه الشخصيات الأستاذ الدكتور محمد جواد الطريحي، الذي يمثل نموذجاً للعالم الجامعي والباحث الموسوعي الذي جمع بين عمق الانتماء الحضاري واتساع الرؤية الأكاديمية، فكان اسمه حاضراً في ميادين اللغة العربية والدراسات الإسلامية والتعليم العالي والثقافة العراقية لعقود متواصلة.

Screenshot

وُلد الأستاذ الدكتور محمد جواد محمد سعيد عمران سعيد يوسف أحمد سيف الدين محمود الشيخ أحمد علي أحمد الشيخ طريح الطريحي في مدينة كربلاء عام 1951، في أسرة عرفت بالعلم والفضل وارتبط تاريخها بسلسلة من العلماء والأدباء والوجهاء. وتعتز الأسرة بانتمائها إلى ذرية الصحابي الجليل الشهيد حبيب بن مظاهر الأسدي، صاحب المواقف الخالدة في واقعة الطف، وهو انتماء ظل يمثل بعداً روحياً وثقافياً في تكوين شخصيته ومسيرته الفكرية.
في أزقة كربلاء ومدارسها تفتحت مواهبه الأولى، فأنهى دراسته الابتدائية في مدرسة السبط، ثم واصل تعليمه المتوسط والإعدادي في مدارس المدينة، حيث برزت ميوله المبكرة نحو اللغة العربية وعلومها، وأظهر اهتماماً خاصاً بالقراءة والبحث ومتابعة التراث العربي والإسلامي. وقد كان لهذه المرحلة أثر بالغ في توجيه اهتماماته العلمية نحو دراسة اللغة بوصفها وعاء الحضارة ومرآة الفكر الإنساني.
التحق بالجامعة المستنصرية، إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية في العراق، ونال منها شهادة البكالوريوس عام 1975، ثم واصل رحلته العلمية بإصرار الباحث الذي لا يكتفي بما أنجزه، فحصل على درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها عام 1987 عن رسالته الموسومة بـ«الاحتجاج العقلي في النحو العربي»، وهي دراسة كشفت عن اهتمامه المبكر بالعلاقة بين العقل والنص في التراث النحوي العربي. ولم تمض سنوات طويلة حتى توج مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة الدكتوراه عام 1994 من الجامعة المستنصرية أيضاً عن أطروحته «ظاهرة الزيادة على الجملة العربية»، التي تناول فيها واحدة من القضايا الدقيقة في بنية اللغة العربية وأسرار تركيبها.
ومنذ بدايات عمله الجامعي، عرف الطريحي أستاذاً متميزاً وباحثاً جاداً وإدارياً ناجحاً، فتنقل بين مواقع علمية متعددة حتى تبوأ مناصب أكاديمية رفيعة، كان من أبرزها عمادة كلية العلوم الإسلامية في جامعة بغداد. وفي هذه المؤسسة العريقة أسهم في تطوير المناهج العلمية وتعزيز البحث الأكاديمي، وسعى إلى ترسيخ التكامل بين الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية الحديثة، إيماناً منه بأن المعرفة الحقيقية لا تعرف الحواجز بين التخصصات.
وقد امتدت مسؤولياته لتشمل مواقع مؤثرة في رسم السياسات التعليمية والأكاديمية في العراق، فتولى رئاسة عمداء كليات العلوم الإسلامية في الجامعات العراقية، وترأس لجان تطوير المناهج وتحديثها، وأسهم في تحسين جودة التعليم الإلكتروني في مرحلة شهد فيها التعليم تحولات كبيرة فرضتها متغيرات العصر. كما كان رئيساً للجنة الخبراء في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وعضواً في اللجنة الدائمة لسلامة اللغة العربية التابعة للأمانة العامة لمجلس الوزراء، وهو موقع يعكس الثقة العلمية التي حظي بها في مجال اللغة العربية وقضاياها المعاصرة.
ولم يقتصر حضوره على العمل الجامعي والإداري، بل كان فاعلاً في الوسط الثقافي والإعلامي، فشغل رئاسة تحرير مجلة الآداب الصادرة عن كلية الآداب في جامعة بغداد، وأسهم من خلالها في دعم حركة البحث العلمي وتشجيع الدراسات الرصينة. كما انتمى إلى اتحاد الأدباء والكتاب، وتولى مهام ثقافية وإعلامية متعددة، منها منصب نائب الأمين العام لمؤسسة الصحفيين والمثقفين، ونائب رئيس تحرير عدد من الصحف والمجلات الثقافية، فضلاً عن عضويته في هيئات استشارية لمجلات علمية محكمة داخل العراق وخارجه.
أما نتاجه العلمي، فيمثل ثروة معرفية متنوعة تكشف عن سعة اهتماماته وتعدد حقول اشتغاله. فقد كتب في اللغة والنحو والصوت والدلالة والقراءات القرآنية والمناهج البحثية والفكر الإسلامي والحضارة العربية، وأصدر مؤلفات أصبحت مراجع مهمة للدارسين والباحثين. ومن بين أعماله البارزة: «الأديان دراسة أبيستيمولوجية»، و«الاستشراق»، و«الاستغناء عن الفاعل بين واقع الاستخدام اللغوي وضوابط الإعراب الشكلية»، و«أسلوب الزيادة بين واقع النص القرآني وآراء العلماء العرب»، و«أصل الحروف العربية بين الموروث الديني والنظرة اللغوية»، و«القراءات القرآنية في ميزان الضوابط النحوية واللغوية»، و«اللغة النجفية دراسة ومعجم»، و«هندسة اللغة في الخطاب الحسيني»، فضلاً عن عشرات الكتب والدراسات الأخرى التي عالجت قضايا لغوية وفكرية وثقافية متنوعة.
وتكشف هذه المؤلفات عن مشروع علمي متكامل يقوم على قراءة التراث قراءة نقدية واعية، مع الحرص على ربطه بقضايا العصر وأسئلته الجديدة. فقد كان الطريحي ينظر إلى اللغة العربية بوصفها كياناً حياً متجدداً، لا مجرد مادة دراسية جامدة، ولذلك سعى إلى استكشاف أسرارها الصوتية والتركيبية والدلالية، وإبراز قدرتها على استيعاب التحولات الفكرية والحضارية.
كما كان له حضور واضح في تحقيق النصوص التراثية وتقديم الدراسات التمهيدية للكتب العلمية والأدبية، حيث كتب مقدمات علمية لعدد من المؤلفات والدراسات المتخصصة، وأسهم في التعريف بجهود الباحثين وتشجيع حركة النشر الأكاديمي. وقد اتسمت هذه المقدمات بعمق الرؤية وسعة الاطلاع، حتى غدت في كثير من الأحيان دراسات مستقلة تضيف قيمة علمية إلى الأعمال التي تصدرت لها.
وفي المجال الصحفي والثقافي، واصل الطريحي أداء رسالته الفكرية من خلال مقالاته المنتظمة وكتاباته النقدية، فكان له عمود ثابت بعنوان «ما ينبغي أن يقال»، تناول فيه قضايا التعليم والثقافة والهوية الوطنية واللغة العربية وشؤون المجتمع. وبعد عام 2003 ازداد حضوره الإعلامي عبر عشرات المقالات المنشورة في الصحف والمجلات العراقية، حيث دعا إلى ترسيخ قيم العلم والمعرفة والإصلاح الثقافي، وأسهم في نشر الوعي الفكري وتشجيع الحوار البناء.
لقد جمع الأستاذ الدكتور محمد جواد الطريحي بين شخصية العالم المتخصص والمثقف الموسوعي والإداري الناجح، فكان حضوره مؤثراً في الجامعة والوزارة والصحافة والبحث العلمي على حد سواء. وتمثل سيرته نموذجاً لجيل من الأكاديميين الذين آمنوا بأن العلم رسالة تتجاوز حدود القاعات الدراسية، وأن اللغة العربية ليست مجرد أداة للتعبير، بل وعاء للهوية وركيزة من ركائز الحضارة.
وعلى امتداد أكثر من نصف قرن من العمل العلمي والثقافي، ظل الطريحي وفياً لمشروعه المعرفي، حاملاً همّ اللغة العربية والدراسات الإسلامية، ومؤمناً بأن نهضة الأمم تبدأ من نهضة الفكر والتعليم. ولهذا بقي اسمه مرتبطاً بالعطاء العلمي الرصين، وبالجهود التي أسهمت في ترسيخ مكانة البحث الأكاديمي وخدمة الثقافة العربية في العراق والعالم العربي.

قد يعجبك ايضا
∧