الوطن الذي كان في جيبي

راقية مهدي

في جيبي
مفتاحٌ قديم

لا أعرف
أيَّ بابٍ كان ينتظرني

وفي جيب معطفي
حفنةُ تراب

كلما نفضتُها
عادت إلى يدي

وعلى إصبعي
خيطٌ أخضر

قالت أمي
لا تقطعيه

فبعض الأشياء
إذا انقطعت
تظلُّ تشدُّنا إليها

كبرتُ

وكان المفتاح
يكبر معي

كلما غادرتُ مدينة
أخفيته أكثر

وكلما عدتُ
كان رنينه
أثقل

في مساءٍ بعيد

سألني الطريق

إلى أين

لم أجب

وضعتُ يدي
في جيبي

تحسستُ التراب

كان دافئًا

كأن يدًا
تركتها فيه
لتدلني

ومشيت

كان النهر
يظهر ثم يختفي

وكان النخيل
كلما ابتعدتُ عنه
صار أقرب

حتى وصلتُ
إلى بابٍ خشبي

لم يكن له جدار

أدخلتُ المفتاح

دار

وانفتح شيءٌ
في داخلي

لم أجد بيتًا

وجدتُ طفلة
تركض نحوي

في يدها
رغيفٌ ساخن

توقفت أمامي

وقالت

تأخرتِ

نظرتُ إلى عينيها

كانتا تعرفانني

أمسكت يدي

وقالت

تعالي

أمك تنتظر
عند النهر

التفتُّ

لم يكن أحد

سوى الماء

وبعض النخيل

ورائحة خبز
تأتي من بعيد

ومنذ ذلك اليوم

كلما ابتعدتُ
كان المفتاح
أثقل

وكلما ظننتُ
أنني نجوت

سمعتُ
رنين الباب

حتى فهمتُ أخيرًا

أنني لم أكن
أحمل مفتاحًا

كنتُ أحمل
بلدًا كاملًا
في جيبي

ولم أعرف اسمه

إلا حين
فتحتُ قلبي

كان العراق

قد يعجبك ايضا
∧