الألوان الزجاجية في الخزف الحديث جماليات الضوء والسطح

د. نيبال عبد الكريم نعمان

لم تعد الألوان الزجاجية في الخزف الحديث طبقة نهائية تضاف إلى العمل بعد اكتمال شكله، بل صارت لغة بصرية قائمة بذاتها، تساهم في بناء المعنى مثلما يساهم الطين والكتلة والفراغ. فالسطح المزجج يلتقط الضوء ويعيد توزيعه، ويغيّر إحساس المتلقي بالعمل كلما تغير موضع النظر أو قوة الإنارة أو الخلفية المحيطة به. ولهذا ينظر الخزاف المعاصر إلى اللون الزجاجي بوصفه مساحة حية لا سطحاً ساكناً؛ فهو قادر على أن يمنح القطعة هدوءاً أو توتراً، عمقاً أو شفافية، قرباً حسياً أو مسافة تأملية. إن جمال الخزف اليوم لا ينحصر في دقة الصنع، بل في العلاقة التي تنشأ بين العين والضوء والسطح، حيث تتحول القطعة إلى تجربة بصرية تتبدل ولا تُستهلك من النظرة الأولى.
تنبع خصوصية التزجيج من أنه يجمع بين العلم والحس الفني. فكل لون هو نتيجة تفاعل دقيق بين مكونات الطلاء ودرجة الحرق ومدة بقائه في الفرن وطبيعة الجو داخله. وقد تبدو الوصفة متشابهة على الورق، لكنها تعطي نتائج مختلفة حين تتغير سماكة الطلاء أو نوع الطين أو توزيع الحرارة. هنا تتدخل خبرة الفنان لا بوصفها تكراراً لعملية فنية، بل بوصفها قدرة على قراءة المادة قبل أن تكشف عن نفسها. الخزاف لا يفرض اللون على العمل فرضاً كاملاً؛ إنه يدخل في حوار مع احتمالاته، ويتعلم كيف يستثمر التحول الذي يحدث في النار. ومن هذه المسافة بين السيطرة والمفاجأة تتولد قيمة فنية تجعل كل قطعة ذات شخصية مستقلة، حتى لو خرجت من المجموعة نفسها.
في الخزف المعاصر أصبح الضوء عنصراً مكملاً للون الزجاجي. فالأسطح اللامعة تعكس المحيط وتستدعي حضور المكان داخل القطعة، فيما تمتص الأسطح المطفأة الضوء وتمنح اللون هدوءاً وعمقاً أقرب إلى التأمل. وقد تجمع القطعة الواحدة بين اللمعان والخشونة، أو بين منطقة شفافة وأخرى كثيفة، فينشأ تضاد بصري يجعل المتلقي يتحرك حولها بدلاً من أن يكتفي بمشاهدتها من واجهة واحدة. هذه الحركة ليست تفصيلاً عارضاً، إذ إن الخزف الحديث لا يريد من المشاهد أن يقرأ شكلاً ثابتاً، بل أن يكتشف تغيراته الصغيرة. لذلك تحوّل المعرض والإضاءة وطريقة العرض إلى أجزاء مؤثرة في اكتمال التجربة الفنية.
وتظهر الحداثة في الخزف أيضاً من خلال تجاوز الألوان المألوفة. فبعد أن ارتبطت التزجيجات التقليدية بألوان الطبيعة والمواد المحلية، صار الفنان المعاصر أكثر ميلاً إلى التجريب في التدرجات، وإلى إدخال الألوان المعدنية والرمادية والداكنة، أو إلى استخدام الأبيض بوصفه لوناً ذا طاقة وليس فراغاً لونياً. كما اتسع حضور الأزرق العميق والأخضر المؤكسد والنحاسي المتحول وألوان الدخان، لا لأنها تملك قيمة زخرفية فقط، بل لأنها قادرة على بناء مزاج فكري للعمل. فاللون البارد يمكن أن يعبر عن العزلة والصفاء، واللون المتوهج قد يلمح إلى الحركة أو التحول، أما التباين بينهما فيمنح القطعة توتراً يشبه توتر الحياة المعاصرة بين السرعة والحاجة إلى السكون.
لا يعني هذا التحول قطيعة مع الذاكرة الخزفية. ففي التجارب العراقية والعربية، تستمر أصداء الزرقة الرافدينية والبريق الإسلامي واللون الترابي في الحضور، لكنها لا تعود دائماً في صورة نقل مباشر للزخارف القديمة. إن الفنان الحديث يستلهمها بوصفها ذاكرة لونية وحسية، ثم يعيد صياغتها في تكوين جديد. وقد تظهر هذه الذاكرة في تدرج أزرق يذكر بالماء والآجر، أو في لمعان نحاسي يستدعي القباب والأسواق القديمة، أو في سطح متشقق يستحضر أثر الزمن على الجدران. وبهذا المعنى يصبح التراث مصدراً للتجديد، لا خزانة مغلقة للتكرار، ويغدو اللون الزجاجي جسراً بين تاريخ المكان وأسئلة الحاضر.
ومن أهم سمات الخزف الحديث أن السطح لم يعد مطالباً بأن يكون أملس ومثالياً. فالشقوق الدقيقة، والتموجات، وآثار الفرشاة، وانسياب اللون غير المنتظم، كلها يمكن أن تتحول إلى عناصر جمالية مقصودة. هذه العلامات تمنح العمل صدقه المادي؛ فهي تذكّر بأن القطعة مرت بيد الفنان وبحرارة الفرن وبمراحل من التجربة قد لا تتكرر. في ثقافة تميل إلى السطوح المصقولة والمتشابهة التي تنتجها الآلات، يقدم الخزف سطحاً يحمل أثر اللمس والخطأ الجميل. لذلك فإن التزجيج المعاصر لا يخفي المادة بالضرورة، بل يكشفها من خلال طبقة شفافة أو منكسرة تسمح للطين أن يظل حاضراً تحت اللون.
وتتصل هذه الرؤية بتطور تقنيات الإنتاج. فقد أتاحت الأفران الحديثة ووسائل قياس الحرارة والمواد الجديدة للفنان مجالاً أوسع للتحكم، كما فتحت تقنيات الطباعة الرقمية والتصوير على السطوح الخزفية آفاقاً لدمج النص والصورة والذاكرة الشخصية في العمل. لكن التقنية لا تلغي دور اليد، بل تضعه أمام سؤال جديد: كيف يمكن استخدام الوسيط الحديث من دون فقدان خصوصية المادة؟ القيمة الإبداعية لا تتحقق بمجرد إدخال صورة أو نمط رقمي إلى سطح خزفي، وإنما تتحقق حين يتفاعل ذلك مع شكل القطعة وملمسها وموضوعها. لهذا يبقى النجاح في التوازن بين الدقة التقنية والحس الإنساني، وبين إمكانات الآلة وحساسية الفنان.
كما أسهمت الأسئلة البيئية في تجديد التفكير بالألوان الزجاجية. فالفنان المعاصر أصبح أكثر وعياً بسلامة المواد وبأثرها في البيئة وفي العامل داخل المرسم. ولذلك يتجه كثير من الخزافين إلى استخدام تركيبات أقل ضرراً، وإلى استثمار الرماد الطبيعي والمخلفات المعدنية وبعض المواد المحلية في ابتكار ألوان جديدة. هذا التوجه لا يمثل مجرد استجابة أخلاقية، بل يخلق أيضاً جماليات مختلفة، لأن المادة المحلية تمنح السطح خصائص لا يمكن استنساخها بسهولة. وهنا يتلاقى الفن مع المسؤولية: تصبح القطعة الخزفية نتيجة بحث في الجمال وفي علاقة الإنسان بموارده وبيئته في آن واحد.
وفي الفضاءات العامة تكتسب الألوان الزجاجية وظيفة اجتماعية إضافية. فالجدارية الخزفية أو التكوين الموضوع في ساحة أو مبنى ثقافي لا يُرى كما تُرى القطعة الصغيرة في المعرض، بل يدخل في حوار مباشر مع الناس والعمارة والطقس. اللون اللامع في الخارج قد يستجيب للشمس ويغير وجهه بين الصباح والمساء، والسطح المتدرج قد يخفف صلابة الجدار ويمنحه حضوراً إنسانياً. لهذا تستطيع الأعمال الخزفية أن تعيد تشكيل علاقة المدينة بالفن، وأن تجعل الجمال جزءاً من الحياة اليومية لا امتيازاً محصوراً في قاعات العرض. والخزف هنا يبرهن على قدرته على الجمع بين المنفعة والذاكرة والتعبير المعاصر.
ويكشف الاهتمام المتزايد بالخزف في الورش والمعاهد الفنية عن أهمية تعليم اللون بوصفه ممارسة بحثية لا درساً في الوصفات الجاهزة. فالطالب يحتاج إلى أن يدوّن تجاربه، وأن يقارن بين تأثير درجات الحرق والخامات وسمك الطلاء، وأن يتعلم رؤية النتيجة بعين ناقدة. هذه المنهجية تنقل الخزف من حدود المهارة إلى أفق المعرفة، وتمنح الفنان الناشئ ثقة في التجريب بدل الاعتماد على التقليد. وعندما يفهم الخزاف أسباب التحول اللوني، يستطيع أن يجعل من المفاجأة جزءاً واعياً من لغته الفنية، وأن يحافظ في الوقت نفسه على حرية الاكتشاف.
وتتصل هذه الجماليات أيضاً بسوق التصميم المعاصر، حيث عادت القطع الخزفية اليدوية لتؤدي دوراً واضحاً في البيوت والمقاهي والفنادق والمساحات الثقافية. غير أن قيمتها لا تقوم على كونها سلعة فاخرة فحسب، بل على ما تمنحه من تفرد ودفء في بيئة تميل إلى التماثل الصناعي. فالإناء أو البلاطة أو المصباح الخزفي يستطيع أن يحمل لوناً خاصاً لا يتكرر تماماً، وأن يجعل المستخدم شريكاً في التجربة الجمالية اليومية. وهكذا تتجاوز التزجيجات الحديثة حدود العرض الفني لتدخل في تفاصيل الحياة، محتفظة بقدرتها على الجمع بين الاستخدام والتأمل.
إن جماليات الضوء والسطح في الخزف الحديث تضع المتلقي أمام فن بطيء وعميق في زمن سريع. القطعة لا تقدم معناها كاملاً من اللحظة الأولى؛ فهي تحتاج إلى اقتراب وإلى تأمل في انعكاس اللون وتبدل اللمعان وتفاصيل الملمس. وهذا ما يمنحها قيمة تربوية وجمالية، لأنها تدرب العين على الصبر وعلى اكتشاف الفروق الصغيرة. إن اللون الزجاجي الناجح لا يكون مجرد لون جميل، بل يكون لوناً يحمل فكرة وإيقاعاً وموقفاً من المادة والعالم. ومن هنا يظل الخزف فناً معاصراً بقدر ما يستطيع أن يجدد أدواته من دون أن يفقد علاقته الأولى بالطين والنار واليد الإنسانية.

قد يعجبك ايضا
∧