استمعوا لنصائح الكبار… صوت التحذير قبل 15 عاماً.. الرئيس مسعود بارزاني والعراق بعد الانسحاب.

د. أيوب گلالي

لم يعد خروج القوات الأمريكية من العراق حديثًا عن احتمال بعيد، فالموعد المعلن لإكمال الانسحاب هو الثلاثون من أيلول 2026، ولم يعد يفصلنا عنه سوى أيام قليلة، وقد بدأت عملية الانسحاب من المواقع التي بقيت فيها القوات الأمريكية وقوات التحالف، ولا سيما في إقليم كوردستان.
لكن المسألة الأهم ليست في موعد مغادرة آخر جندي أمريكي، وإنما في اليوم التالي لذلك.
العراق يدخل هذه المرحلة في وقت لا تبدو فيه المنطقة مستقرة، ولا تبدو الملفات الداخلية العراقية محسومة أيضًا، ولهذا فإن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تطور عسكري، بل باعتباره انتقالًا في معادلة أمنية وسياسية استمرت بأشكال مختلفة لأكثر من عقدين.
وهنا تعود إلى الواجهة مواقف قديمة للرئيس مسعود بارزاني، قبل خمسة عشر عامًا، وتحديدًا في عام 2011، كانت بغداد وواشنطن تناقشان مستقبل الوجود الأمريكي في العراق، وفي ذلك الوقت لم يكن موقف الرئيس مسعود بارزاني قائمًا على التمسك بالوجود العسكري الأمريكي لذاته، بقدر ما كان مرتبطًا بسؤال آخر هل أصبح العراق قادرًا فعلًا على حماية أمنه وحدوده، ومنع عودة الصراع الداخلي والتدخلات الخارجية؟
في السادس من أيلول 2011، حذر الرئيس مسعود بارزاني من أن الانسحاب الأمريكي في ظل الظروف القائمة قد يفتح الباب أمام حرب داخلية وزيادة التدخل الخارجي والمشكلات الطائفية، كما تحدث عن الحاجة إلى استمرار التعاون مع الولايات المتحدة في مجال تدريب القوات العراقية وتأهيلها.
وكان جوهر موقفه في ذلك الوقت أن شكل العلاقة يمكن أن يتغير، لكن استمرار التعاون الأمني والعسكري مع واشنطن يبقى مهمًا للعراق، أي إن القضية لم تكن بالنسبة إليه مجرد وجود قوات أمريكية من عدمه، وإنما قدرة الدولة العراقية على سد أي فراغ يمكن أن ينتج عن الانسحاب.
ما حدث بعد ذلك يجعل العودة إلى تلك المواقف أمرًا يستحق التوقف عنده، فبعد ثلاث سنوات فقط، سقطت الموصل في حزيران 2014، وتمكن تنظيم داعش من السيطرة على مساحات واسعة من العراق، ما دفع الولايات المتحدة إلى العودة عسكريا إلى البلاد ضمن التحالف الدولي لمحاربة التنظيم، بناء على طلب الحكومة العراقية، وكان انهيار القوات العراقية في مواجهة داعش نتيجة عوامل متعددة، من بينها مشكلات مؤسساتية وسياسية وأمنية عميقة.
اليوم، وبعد مرور سنوات تعود بعض الأسئلة القديمة إلى الواجهة، وإن كانت الظروف مختلفة،
من سيملأ الفراغ الذي قد يتركه الانسحاب؟ وهل تستطيع المؤسسات الأمنية العراقية التعامل مع جميع التحديات من دون الدعم الأمريكي المباشر؟ وكيف ستتعامل الدولة مع ملف السلاح خارج مؤسساتها؟
هذه الأسئلة ليست افتراضية بالكامل، فقد أصبح ملف سلاح الفصائل المسلحة واحدًا من أكثر الملفات حساسية بالتزامن مع موعد الانسحاب، وفي المقابل أظهرت تقارير حديثة أن عددًا من الفصائل المسلحة القوية لا يزال يرفض التخلي عن سلاحه.
ومن هنا فإن الاختبار الذي يواجه الدولة العراقية بعد الانسحاب لن يكون اختبارًا عسكريًا فقط، سيكون اختبارًا سياسيًا أيضًا ، هل تستطيع مؤسسات الدولة إدارة تعدد مراكز القوة، وفرض القانون، والحفاظ على قرار أمني وطني موحد، من دون أن تتحول الخلافات السياسية إلى أزمات أمنية؟
أما إقليم كوردستان، فله حساباته الخاصة في هذه المرحلة، فالانسحاب يأتي في ظل استمرار تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما كانت منظومات الدفاع الجوي الأمريكية جزءًا من المعادلة الأمنية في الإقليم، فالتقارير الرسمية والبيانات الصادرة عن مؤسسات الإقليم تشير إلى أن إجمالي الهجمات التي استهدفت الإقليم قد تجاوز نحو ألف هجمة، وقد أثيرت بالفعل مخاوف من الفجوة التي قد تنشأ بعد سحب هذه القدرات، وتشير تقارير حديثة إلى أن بغداد تعمل على توفير منظومات دفاع جوي جديدة من مصادر متعددة، مع التأكيد على أن حماية الأجواء العراقية تشمل إقليم كوردستان أيضًا.
وهنا تصبح مسؤولية بغداد تجاه أربيل أكثر وضوحًا.
إذا كان العراق ينتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها السيادة الكاملة، فإن السيادة لا تعني فقط خروج القوات الأجنبية، السيادة تعني أيضًا أن تكون الدولة قادرة على حماية أجوائها وحدودها ومدنها ومواطنيها، وأن تكون لديها مؤسسات أمنية وعسكرية تعمل وفق قرار وطني واضح.
وكوردستان ليست خارج هذه المعادلة، فهي إقليم دستوري ضمن الدولة العراقية، وأمنها جزء من الأمن الوطني العراقي، وأي مسالة أمنية وبالاخص في المناطق الحدودية لن يبقى بالضرورة مشكلة محلية، بل يمكن أن تكون لها انعكاسات أوسع على العراق والمنطقة.
من هنا تبرز أهمية العودة إلى دعوة الرئيس مسعود بارزاني للحوار بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، والعمل على معالجة الملفات العالقة بدل تركها تتراكم إلى أن تتحول إلى أزمات.
العراق بعد الانسحاب يحتاج إلى تفاهم داخلي أكثر مما يحتاج إلى خطابات انتصار.
فعبارة «خرج الأمريكيون وانتهت المشكلة» لا تكفي لتفسير المرحلة المقبلة، فالولايات المتحدة لم تكن تؤدي دورًا عسكريًا فقط، كان لها أدوار في التدريب والمعلومات والدعم الأمني والدفاعي، ومع انتهاء الوجود العسكري، تنتقل مسؤوليات أكبر إلى المؤسسات العراقية نفسها، وهنا ستظهر قدرة الدولة الحقيقية، ليس في قدرتها على الاحتفال بخروج القوات الأجنبية، وإنما في قدرتها على حماية مواطنيها، وضبط السلاح، وحل الخلافات السياسية، ومنع الأزمات الداخلية من التحول إلى أزمات أمنية، ولهذا تبدو نصيحة الرئيس مسعود بارزاني القديمة أكثر ارتباطًا بالحاضر مما قد يبدو للوهلة الأولى، فكان ينظر منذ سنوات، إلى عراق ما بعد 2003 باعتباره دولة لم تُحسم فيها مجموعة من القضايا الأساسية، طبيعة الشراكة السياسية، العلاقة بين المركز والإقليم، المناطق المتنازع عليها، ملف السلاح، التوازن بين المكونات، وحدود التدخلات الخارجية.
وبعض هذه الملفات لا يزال حاضرًا حتى اليوم، فالمادة 140 من الدستور العراقي لم تُنفذ بصورة كاملة، كما أن العلاقة بين بغداد وأربيل ما زالت تشهد خلافات متكررة حول عدد من الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.
لهذا فإن الاستماع إلى النصائح السابقة لا يعني العودة إلى الماضي، وإنما الاستفادة من تجربة الماضي.
وفي السياسة، قد تكون المشكلة الأكبر أن ندرك قيمة التحذير بعد وقوع الحدث.
العراق أمام فرصة لإعادة صياغة علاقته مع الولايات المتحدة على أساس مختلف، تعاون أمني، وتدريب، وتبادل معلومات، وشراكة اقتصادية وسياسية، من دون الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي دائم داخل البلاد، وهذا في جوهره قريب من الفكرة التي عبّر عنها بارزاني قبل سنوات، عندما تحدث عن إمكانية انتقال العلاقة من وجود عسكري مباشر إلى التدريب والتجهيز والمساعدة.
لكن نجاح المرحلة المقبلة لن تحدده واشنطن وحدها، العراق هو المعني الأول بإدارة هذه المرحلة، فلا الولايات المتحدة تستطيع بناء الدولة العراقية نيابة عن العراقيين، ولا تستطيع أي دولة إقليمية أن تحل محل مؤسسات الدولة العراقية، كما أن بغداد لن تستطيع الحفاظ على استقرار البلاد إذا بقيت الملفات الداخلية الأساسية معلقة.
وفي المقابل، يحتاج إقليم كوردستان إلى تعزيز التنسيق مع بغداد، وترتيب البيت الداخلي، ورفع قدرته على حماية أمنه، مع المحافظة على علاقاته الدولية والإقليمية ضمن الإطار الدستوري للعراق.
ربما لهذا تحديدًا يصبح عنوان المقال أكثر من مجرد عبارة «استمعوا لنصائح الكبار»
فالنصيحة السياسية لا تفقد قيمتها لمجرد مرور الزمن، أحيانًا تكشف الأحداث اللاحقة ما كان التحذير يحاول لفت الانتباه إليه قبل سنوات.
في عام 2011 كان السؤال: ماذا سيحدث للعراق بعد الانسحاب الأمريكي؟ واليوم، في عام 2026، يعود السؤال نفسه بصيغة جديدة.
العالم تغير، والمنطقة أصبحت أكثر تعقيدًا، وأدوات التهديد لم تعد كما كانت، لكن جوهر السؤال لم يتغير كثيرًا: هل خرجت أمريكا؟
ربما هذا هو السؤال الأقل أهمية، السؤال الأهم هو:
هل أصبح العراق مستعدًا فعلًا لليوم التالي؟
فهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للسيادة، وهنا أيضًا يظهر مدى قوة الدولة وقدرتها على حماية نفسها وإدارة خلافاتها وصناعة مستقبلها بقرار وطني.

المحافظة على علاقاته الدولية والإقليمية ضمن الإطار الدستوري للعراق.
ربما لهذا تحديدًا يصبح عنوان المقال أكثر من مجرد عبارة «استمعوا لنصائح الكبار»
فالنصيحة السياسية لا تفقد قيمتها لمجرد مرور الزمن، أحيانًا تكشف الأحداث اللاحقة ما كان التحذير يحاول لفت الانتباه إليه قبل سنوات.
في عام 2011 كان السؤال: ماذا سيحدث للعراق بعد الانسحاب الأمريكي؟ واليوم، في عام 2026، يعود السؤال نفسه بصيغة جديدة.
العالم تغير، والمنطقة أصبحت أكثر تعقيدًا، وأدوات التهديد لم تعد كما كانت، لكن جوهر السؤال لم يتغير كثيرًا: هل خرجت أمريكا؟
ربما هذا هو السؤال الأقل أهمية، السؤال الأهم هو:
هل أصبح العراق مستعدًا فعلًا لليوم التالي؟
فهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للسيادة، وهنا أيضًا يظهر مدى قوة الدولة وقدرتها على حماية نفسها وإدارة خلافاتها وصناعة مستقبلها بقرار وطني.

قد يعجبك ايضا
∧