نادية جدوع
العراق في المرحلة المقبلة أمام فرصة لإعادة بناء منظومة علاقاته الأمنية والدبلوماسية على أساس المصالح الوطنية، بحيث يكون التعاون الدولي رافدًا لقدرات الدولة، لا بديلًا عنها. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات يوم السيادة: أن تنتقل الدولة من سؤال من يحمي العراق؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: كيف يحمي العراق نفسه، وكيف يبني شراكاته بما يعزز أمنه ومصالحه؟
ذاكرة الشهداء… الوجه الإنساني للسيادة
ومن اللافت أن التوجيه الحكومي للاحتفال بيوم السيادة يتضمن وقفة في المؤسسات الحكومية والعامة لاستذكار الشهداء وضحايا العراق. وهذا البعد يمنح المناسبة مضمونًا إنسانيًا ووطنيًا. فالسيادة ليست مجرد مفهوم قانوني أو عنوان سياسي؛ وراءها تضحيات عراقية هائلة.
كل مدينة عانت الإرهاب، وكل عائلة فقدت عزيزًا، وكل جندي وقف في ساحات المواجهة، وكل مدني دفع ثمن سنوات العنف، يمثل جزءًا من الذاكرة التي صنعت الطريق إلى هذه اللحظة. ولهذا فإن الاحتفاء بالسيادة لا يكتمل بالرموز وحدها، وإنما بإعلاء قيمة الإنسان العراقي، وحماية مستقبله، وترسيخ دولة القانون، وتحويل تضحيات الماضي إلى دولة أكثر استقرارًا وقدرة على البناء.
السيادة الاقتصادية… الوجه الآخر للقرار الوطني
لا يمكن بناء سيادة سياسية مستقرة من دون قاعدة اقتصادية قوية. فالقرار الوطني يحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويل الدولة، وتنويع مصادر الدخل، واستثمار الموارد، وتطوير البنية التحتية، وخلق فرص العمل، وتعزيز القطاع الخاص، والانفتاح على الاستثمار الدولي وفق المصالح العراقية. ولهذا فإن يوم السيادة يمكن أن يكون أيضًا مناسبة لإعادة طرح سؤال الاقتصاد:
هل يستطيع العراق أن يحول موقعه الجغرافي وثرواته وطاقاته البشرية إلى نفوذ اقتصادي؟ وهل يستطيع أن يتحول من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على مورد واحد إلى اقتصاد متعدد الأدوات؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستكون جزءًا من المعنى الحقيقي للسيادة خلال السنوات المقبلة.
بغداد… عاصمة القرار لا ساحة الصراع
المعادلة الأهم في المرحلة الجديدة أن يبقى العراق بعيدًا عن تحويل أراضيه إلى منصة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية. وقد أكد الزيدي في تصريحاته أن العراق يسعى إلى بناء عراق «حر مكتمل السيادة»، وأن حماية البلاد وثرواتها ومستقبل أجيالها مسؤولية مشتركة بين أبنائه. هذه الرؤية، إذا ما ترجمت إلى سياسات ومؤسسات، تعني أن بغداد يمكن أن تؤدي دورًا مختلفًا في الإقليم: دولة تتحدث مع الجميع، ولا تكون ساحةً للجميع.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الموقع العراقي. فالقوة لا تعني أن تكون الدولة في مواجهة الآخرين، بل أن تكون قادرة على إدارة علاقاتها مع الآخرين من موقع المصالح الوطنية.
يوم السيادة… بداية لا خاتمة
في الأول من تشرين الأول، لن تكون المسألة مجرد شارة على الصدر أو وقفة في مؤسسة أو احتفال في محافظة، رغم أهمية هذه الرموز في بناء الذاكرة الوطنية؛ فالتوجيه الحكومي شمل بالفعل هذه المظاهر والفعاليات الرسمية والشعبية. لكن القيمة الأعمق للمناسبة تبدأ بعد انتهاء الاحتفال. تبدأ عندما يصبح القرار الأمني أكثر رسوخًا.
وعندما تصبح الحدود أكثر حماية. وعندما يكون القانون فوق الجميع. وعندما تكون الدولة هي المرجعية الجامعة. وعندما تتحول الثروة إلى تنمية. وعندما تصبح الدبلوماسية العراقية أكثر حضورًا وتأثيرًا. وعندما يستطيع العراق أن ينسج علاقات دولية واسعة من دون أن يفقد بوصلته الوطنية. هناك فقط يصبح يوم السيادة مشروع دولة، لا مجرد تاريخ في التقويم.
العراق يكتب فصلًا جديدًا
إن إعلان «يوم السيادة العراقي» يمثل، في دلالته السياسية، محاولة لتثبيت لحظة وطنية جديدة في الوعي العراقي: لحظة الانتقال من مرحلة ارتبط فيها الأمن العراقي بمهمة عسكرية دولية، إلى مرحلة تتحمل فيها الدولة العراقية مسؤولية أكبر عن أمنها وقرارها وعلاقاتها ومصالحها. لكن التاريخ لا يصنعه الإعلان وحده. التاريخ تصنعه القدرة على تحويل الإعلان إلى مؤسسات، والسيادة إلى ممارسة، والقرار إلى سياسة، والقوة إلى دولة.
ولهذا فإن يوم السيادة ليس يومًا ينتهي بانتهاء الاحتفال؛ بل يوم يبدأ فيه العراق بكتابة فصل جديد من مفهوم الدولة. فحين تكون بغداد قادرة على حماية قرارها، وإدارة علاقاتها، وصيانة مصالحها، وبناء اقتصادها، وتوحيد مؤسساتها، يصبح معنى السيادة أكثر عمقًا من مجرد غياب القوات الأجنبية.
إنها عندها تصبح استقلالًا في القرار، وقوةً في الدولة، وحضورًا في الإقليم، ومكانةً في العالم. ويومها… لا يكون العراق قد احتفل بالسيادة فحسب، بل يكون قد بدأ فعليًا في صناعة زمنها.