محمد علي الحيدري
تنعقد اجتماعات الأمم المتحدة كلما اشتعلت حرب، وتُلقى الخطب، وتُصاغ بيانات القلق، ثم يعود الناس إلى صور المدن المدمرة والنازحين. ليس في هذا المشهد ما يدعو إلى السخرية من المنظمة، بل ما يدعو إلى سؤال أكثر إزعاجاً: كيف صار العالم يمتلك منابر كثيرة للكلام، وقليلاً من القدرة على حماية الإنسان؟
لم تُنشأ الأمم المتحدة لتكون حكومة للعالم. قامت على تسوية بين الدول، وفي قلب تلك التسوية امتيازات مُنحت للقوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. غير أن ما بدا يومها ثمناً لضمان مشاركة الأقوياء تحول، في أزمات كثيرة، إلى وسيلة تمنع المجتمع الدولي من التصرف حين تتعارض العدالة مع حسابات النفوذ. حق النقض لا يُسقط قراراً فحسب؛ إنه يبلغ الضحايا، أحياناً، أن مصيرهم أقل وزناً من تحالف سياسي أو مصلحة استراتيجية.
ومع ذلك، من السهل أن نحمّل المنظمة وحدها مسؤولية إخفاق لم تصنعه وحدها. فالأمم المتحدة ليست قوة مستقلة تقف فوق الدول، بل مرآة لعلاقات القوة بينها. حين يعجز مجلس الأمن عن وقف حرب، فإن السؤال ينبغي أن يوجَّه أيضاً إلى الحكومات التي تطالب بالقانون الدولي في قضية، وتبحث عن استثناءات له في قضية أخرى. الانتقائية هنا ليست خللاً لغوياً في البيانات، بل ضربة لمصداقية النظام كله.
الأشد خطراً أن يعتاد العالم هذا التناقض. تصير الجلسة الطارئة بديلاً عن الفعل، وتصير المطالبة بضبط النفس صيغة جاهزة تُقال للضحية ولمن يملك السلاح بالقدر نفسه. هكذا تفقد الكلمات معناها، ويبحث الناس عن أمنهم خارج المؤسسات التي وُعدوا بأنها أُنشئت لحمايتهم. ومن هذه الفجوة بين الوعد والواقع تنمو المرارة، وتتراجع الثقة بفكرة التعاون الدولي ذاتها.
وللدول المتوسطة والصغيرة مسؤولية أيضاً. فهي كثيراً ما تنتقد احتكار القرار، ثم تنقسم عند أول اختبار إقليمي، أو تفضّل حماية حليف على حماية مبدأ. لا يولد نظام دولي أكثر إنصافاً من تعديل مادة في الميثاق وحده؛ بل من استعداد الحكومات لأن تقبل على نفسها القواعد التي تريد تطبيقها على خصومها. وإلا تغيرت أسماء المعطلين وبقي التعطيل نفسه.
لا تعني الجرأة في نقد الأمم المتحدة الدعوة إلى هدمها. ففي عالم بلا إطار مشترك، لن يصبح الضعفاء أكثر قدرة على انتزاع حقوقهم. المطلوب إصلاح يجعل تعطيل القرار مكلفاً سياسياً، ويمنح الجمعية العامة دوراً أوسع عند شلل مجلس الأمن، ويُلزم الدول الكبرى بتفسير مواقفها أمام الرأي العام بوضوح، مع حماية عمل المؤسسات الإنسانية والقضائية من المساومات السياسية.
قد لا ينهي الإصلاح الحروب، لكنه يضع حداً لفكرة أن القانون يُستدعى حين يلائم الأقوياء ويُعلّق حين يحرجهم. قيمة الأمم المتحدة لا تُقاس بعدد الخطب التي تستضيفها، بل بقدرتها على ألا تترك الإنسان وحيداً عندما يصبح الكلام آخر ما يحتاج إليه.