في أدبيات السلطة: بين الشورى والدكتاتورية.. كيف تُصنع القرارات؟!

حكيم زغير الساعدي

1. نظام الحكم الإسلامي وآلية القرار:
في وجهة النظر الإسلامية في مسألة الحكم، يوجد مبدأ الشورى بغض النظر عن تنصيب الحاكم بالنص أو الشورى؛ حيث يكون الحكم بالشورى (المشاورة وأخذ الآراء). بعد ذلك، يُصدر الحاكم قراراً بخصوص شؤون الحكم وقضايا الناس، وليست بصورة معقدة؛ فإن أهل الشورى لهم باع طويل في اتخاذ القرار الصائب، لا أن القرار يُفرض على أهل الحل والعقد (أهل الشورى). بعد ذلك يُنفّذ هذا القرار وينال رضى الجميع.
2. نظام الحكم الحديث وآليات القرار:
في الأنظمة الحديثة، يتم اتخاذ القرار بمبدأ التصويت برلمانياً، وتوجد هناك سلطة تنفيذية تنفّذ هذا القرار (رئاسة الوزراء). وحينئذٍ يكون القرار نافذاً كقانون، وحتى الدول التي يكون حكمها ملكياً وراثياً، فإنها تتبع الآلية نفسها أو ما يشبه النظام البرلماني (المملكة الدستورية).
3. الحكم الدكتاتوري:
وهو نظام يتبع توجهات شخص واحد يتحكم بمصير شعب أو أمة، ويكون حكمه بالحديد والنار؛ حيث لا ديمقراطية ولا حقوق إنسان، ويعيش الشعب مضطهداً تحت سلطة الدكتاتور. وتكون القوانين معطلة وتطبق حسب المزاج والمصلحة، ويكون القرار بيد القائد أو السلطة الواحدة، ولا يَجرؤ أحد على مخالفته أو الاعتراض عليه. وإذا كان العكس، يكون المصير مجهولاً، ومقياساً للحكم العسكري أو الانقلابي!
4. الحكم العسكري (الانقلابي):
وحكم العسكر هو أشد أشكال الدكتاتورية؛ حيث تقوم مجموعة من العسكر (بانقلاب عسكري) على الحكم للسيطرة عليه. وتكون قوانين هؤلاء الانقلابيين عبارة عن أحكام عرفية (الإعدام بالجملة) لكل من يخالف، أو يرفض، أو يُبدي أي اعتراض مهما كان بسيطاً.
الحكم العسكري دائماً لا يقبل التغيير لصالح الشعب؛ حيث لا انتخابات ولا تغيير ولا دراسة حقيقية، وإنما يبقى البلد دائماً في حروب، ويُقسم إلى قسمين أو ثلاثة أقسام.
لا يجلب الحكم الدكتاتوري لأي بلاد سوى الخراب والدمار والجهل. وإما أن يكون حكماً واحداً دكتاتورياً مستبداً تتهتك فيه كرامة الإنسان، وتكون جميع الصلاحيات واتخاذ القرار بيد من يملك السلطة دون أي اعتبار لوجود مسوغ ثاني.
5. الحكم الرئاسي الوراثي (مملكة على شكل جمهورية):
وهذا الأمر مشهور جداً، خاصة في الدول العربية؛ حيث إذا مات الرئيس، ورثه ابنه ليُنصّب رئيساً خلفاً له، وحتى البرلمانات والقضاء تصبح بيد شخص واحد يمتلك جميع الصلاحيات بدون أي اعتراض. وتكون الديمقراطية صورية جداً؛ حيث لا انتخاب ولا تعبير عن الرأي، والكلُّ يطبل وتزمر للرئيس (كما حدث في العراق في الحقبة المقترمة)!
وأما خدمة الشعب وتقديم الخدمات له، فهي مسائل ثانوية لا أهمية لها مادام الحاكم أو الرئيس أموره تسير وكلمته باقية، وليذهب الجميع إلى الجحيم. وفي ختام هذه القراءة لواقع الأنظمة السياسية، يتبين جلياً أن الفرق الشاسع بين الحكم القائم على الشورى والمؤسسات الدستورية الحقيقية وبين الحكم الفردي المستبد، يكمن في مدى احترام كرامة الإنسان وصون حقوقه؛ فبينما تسعى الأنظمة الرشيدة لخدمة الشعوب وتحقيق طموحاتها عبر آليات واضحة وصنع قرار جماعي، تغرق الأنظمة الدكتاتورية والوراثية والعسكرية في مستنقع تهميش الإنسان وجعل بقاء الحاكم هو الغاية المطلقة، متجاهلة أن بقاء الأمم وازدهارها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعدل والحرية والمشاركة الحقيقية في صنع القرار.

قد يعجبك ايضا
∧