مهند الصالح
ما من شك أن السيادة لا تأتي من فراغ ولا يمكن أن تستقيم من دون قوة تساندها وتحميها وتقف خلفها في الكبيرة والصغيرة وتمنح الدولة القدرة على فرض قرارها وحماية مصالحها. فحين تضعف القوة التي تستند إليها السيادة تتعرض الدولة للاهتزاز ويصبح قرارها عرضة للتأثير والتدخل وقد تتحول السيادة من حقيقة تمارسها الدولة إلى مجرد شعار يُرفع في المناسبات.
ولهذا فإن الذين ينادون بالسيادة لا بد أن يدركوا أن السيادة تحتاج إلى مقومات حقيقية تحميها. والقوة هنا لا تعني القوة العسكرية وحدها بل تشمل قوة الدولة ومؤسساتها ووحدة قرارها السياسي واقتصادها وقدرتها على حماية حدودها ومصالحها، إضافة إلى امتلاكها قرارًا وطنيًا مستقلًا لا يخضع للإملاءات أو الضغوط الخارجية والداخلية.
ومن هنا نجد أن القوى والجهات التي تبحث عن حماية سيادتها تميل في كثير من الأحيان إلى بناء التحالفات أو توحيد الصفوف لأن القوة المنفردة قد لا تكون كافية في مواجهة التحديات. وقد يكون التحالف وسيلة لتعزيز القدرة على حماية القرار كما قد يكون توحيد المواقف بين القوى الوطنية طريقًا لبناء قوة قادرة على الدفاع عن سيادة الدولة ومصالحها.
وفي ظل الأحداث الجارية في عراقنا، والتحديات التي تواجه الحكومة في سبيل استعادة قدرة الدولة على التحكم بقراراتها المصيرية تبرز مسألة السيادة باعتبارها قضية تتجاوز الخلافات السياسية اليومية. فالدولة التي تريد أن تكون صاحبة قرارها تحتاج إلى مؤسسات قوية وإلى حصر القرار المصيري بمؤسساتها الدستورية وإلى توافق وطني يضع مصلحة العراق فوق مصالح القوى والجهات المختلفة.
وفي المقابل فإن الفوضى السياسية والأمنية والاقتصادية تخلق بيئة تسمح بتعدد مراكز النفوذ، وتفتح المجال أمام جهات مختلفة للتأثير في القرار العام. وعندما تتعدد مراكز القرار، يصبح من الصعب بناء سياسة وطنية واضحة ومستقرة وقد تجد بعض الجهات المستفيدة من استمرار حالة الفوضى مصلحة في إعاقة أي محاولة لترسيخ قرار الدولة وتعزيز مؤسساتها.
لذلك فإن معركة السيادة الحقيقية لا ينبغي أن تُختزل في رفع الشعارات أو في تسجيل المواقف السياسية وإنما في بناء دولة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. فكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر قوة وتماسكًا وكلما كان القانون هو المرجع تضاءلت مساحة التدخل في القرار الوطني.
إن السيادة ليست مجرد كلمة تُقال بل مسؤولية تحتاج إلى قوة تحميها، ومؤسسات تصونها وإرادة سياسية تؤمن بها، وشعب يلتف حول دولة تمثل مصالحه. والعراق، بما يمتلكه من إمكانات وثقل وتاريخ يحتاج إلى أن تتحول السيادة من عنوان للخلاف السياسي إلى مشروع وطني جامع تكون فيه مصلحة الدولة فوق كل نفوذ ويكون القرار العراقي نابعًا من مؤسسات العراق وإرادة أبنائه.
فالدولة التي لا تملك قرارها لا تستطيع أن تحمي مصالحها والدولة التي تحمي قرارها بقوة مؤسساتها وقانونها ووحدة إرادتها تستطيع أن تجعل من السيادة واقعًا راسخًا لا مجرد شعار قابل للاهتزاز.