25 أيلول… يوم قال شعب كوردستان كلمته

الشيخ دلشاد محمد أحمد النقشبندي

ليست كلُّ التواريخ أرقاماً على صفحات التقويم؛ فبعض التواريخ تتحول إلى ذاكرةٍ وطنية، وبعض الأيام تبقى شاهدةً على لحظةٍ فارقةٍ في مسيرة الشعوب. ومن بين هذه الأيام يظل 25 أيلول 2017 حاضراً في الذاكرة السياسية والوطنية لكوردستان، باعتباره اليوم الذي وقف فيه ملايين المواطنين أمام صناديق الاقتراع ليعبّروا عن رؤيتهم لمستقبلهم.
كان المشهد أكبر من صندوق اقتراع؛ كان تعبيراً عن إرادة شعبية في قضية مصيرية. وفي ذلك اليوم، دخل شعب كوردستان تجربة سياسية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة، وطرح أمام مواطنيه سؤال الاستقلال بصورة مباشرة، في خطوة قاد مسارها السياسي آنذاك الرئيس مسعود البارزاني، الذي كان من أبرز الداعين إلى إجراء الاستفتاء والدافعين باتجاهه.
لم يكن الخامس والعشرون من أيلول مجرد يومٍ انتخابي؛ فقد جاء بعد عقود من الصراعات والاضطرابات والتضحيات التي عاشها الشعب الكوردي، وبعد صفحات مؤلمة من التاريخ، من الأنفال والقصف والتهجير والقتل الجماعي، وهي أحداث بقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية للكورد، وأثرت في رؤيتهم لمسألة تقرير المستقبل السياسي.
وعندما فُتحت صناديق الاقتراع، لم تكن النتيجة مجرد رقم عابر. فقد شارك 3,305,925 ناخباً، وبلغ عدد الأصوات الصحيحة 3,085,935 صوتاً، صوّت منها 2,861,471 لصالح خيار الاستقلال، بنسبة 92.73%، مقابل 7.27% صوّتوا بـ«لا».
وهكذا أصبحت نتيجة الاستفتاء رقماً موثقاً في السجل الانتخابي، وشهادة على حجم التأييد الذي حظي به خيار الاستقلال بين المشاركين في التصويت.
لكن قوة 25 أيلول لا تكمن في الأرقام وحدها؛ بل في رمزيته السياسية والوطنية. فقد أظهر الاستفتاء أن قضية مستقبل كوردستان لم تكن مجرد شعار يُرفع في المناسبات، وإنما قضية طُرحت على المواطن ليعبّر عن رأيه فيها عبر ورقة الاقتراع.
وهنا يبرز اسم مسعود البارزاني في تلك المرحلة بوصفه الشخصية السياسية التي قادت مشروع الاستفتاء ودافعت عنه في الداخل والخارج. وتوثق دراسة أكاديمية اعتمدت على عشرات الخطب والمقابلات والتصريحات أن البارزاني كان القوة الدافعة الرئيسية وراء الاستفتاء، وأنه جعل قضية تقرير المصير محوراً أساسياً في خطابه السياسي آنذاك.
لقد كان 25 أيلول بالنسبة إلى مؤيديه لحظةً للتعبير عن إرادة الاستقلال، وبالنسبة إلى خصومه لحظةً أثارت اعتراضات سياسية وقانونية واسعة؛ ولذلك فإن قراءة هذا الحدث التاريخي تقتضي وضعه في سياقه الكامل، بعيداً عن الاختزال أو التبسيط.
فالاستفتاء لم يؤدِّ بصورة تلقائية إلى قيام دولة مستقلة، كما أن نتيجته لم تُنهِ الخلافات السياسية والقانونية القائمة آنذاك. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن ملايين المواطنين شاركوا في العملية، وأن الأغلبية الساحقة من الأصوات الصحيحة اختارت «نعم» عندما طُرح عليها سؤال الاستقلال.
واليوم، بعد مرور تسع سنوات، تبقى ذكرى 25 أيلول مناسبة لاستحضار التضحيات التي قدّمها أبناء كوردستان، وللتذكير بأن الشعوب لا تبني مستقبلها بالانقسام والصراع الداخلي، وإنما بالحوار والوحدة والوعي السياسي واحترام إرادة المواطنين.
إن أعظم ما يمكن أن تتعلمه الأجيال من ذلك اليوم هو أن وحدة الصف الكوردستاني هي الثروة التي لا يجوز التفريط بها، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة تهدم ما بناه الآباء والأجداد، وأن قوة كوردستان تكمن في شعبها، وفي مؤسساتها، وفي قدرتها على حماية السلام والتعايش واحترام التنوع.
25 أيلول سيبقى يوماً في ذاكرة كوردستان؛ يوم وقف المواطن أمام صندوق الاقتراع، وحوّل ما يحمله في قلبه من تطلعات إلى صوتٍ مكتوب على ورقة.
وقد تختلف القراءات السياسية لذلك اليوم، وقد تتباين المواقف من نتائجه ومساره، لكن التاريخ يسجل أن شعب كوردستان خاض في 25 أيلول 2017 تجربة سياسية كبيرة، عبّر فيها ملايين المواطنين عن موقفهم من سؤال الاستقلال.
وستبقى هذه الصفحة من التاريخ مسؤوليةً أمام الأجيال القادمة: أن تحفظ الذاكرة، وتصون التضحيات، وتحمي الوحدة، وتبني المستقبل بالحكمة والسلام، وأن تجعل من إرادة الشعب أساساً لأي مشروع وطني قادم.
25 أيلول… ذكرى إرادةٍ شعبية، وصفحةٌ من تاريخ كوردستان، ويومٌ بقي اسمه حاضراً في ذاكرة شعبٍ لا ينسى تضحياته ولا يتخلى عن حلمه بمستقبلٍ أكثر أمناً وكرامةً واستقراراً.

قد يعجبك ايضا
∧