د. نوري جاسم
في ذكرى مولد الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني، قدّس الله سرّه، لا نستعيد ذكرى رجلٍ من رجال التاريخ فحسب، بل نستحضر سيرة إمامٍ تحوّل حضوره إلى مدرسةٍ روحية وأخلاقية ظلّت حاضرة في وجدان المسلمين، وامتد أثرها عبر القرون من بغداد إلى آفاق واسعة من العالم الإسلامي. ولم يكن الإمام عبد القادر الجيلاني عالمًا في العلم الظاهر فحسب، وإنما عُرف كذلك بالتربية والسلوك وتهذيب النفس، فكان يؤكد أن حقيقة الطريق إلى الله لا تنفصل عن صدق الإيمان، وحسن الخلق، ومجاهدة النفس، وإصلاح الإنسان من داخله. ومن هنا بقيت كلماته ومواعظه حيّة؛ لأنها خاطبت الإنسان في جوهره، قبل أن تخاطبه في مظاهر حياته.
إن المدرسة القادرية، بما حملته من تراث في العلم والتزكية والسلوك، أصبحت امتدادًا لمدرسة روحية عريقة تقوم على الجمع بين الشريعة والحقيقة، وبين العلم والعمل، وبين العبادة والأخلاق. ولذلك لم يكن التصوف عند الإمام الجيلاني عزلةً عن الحياة، وإنما كان طريقًا لإصلاح الإنسان وإعادة بناء علاقته بالله وبالناس. ومن هذا الامتداد الروحي يمكن قراءة حضور الطريقة العلية القادرية الكسنزانية بوصفها امتدادًا حيًا للمدرسة القادرية، تحمل في مسارها الروحي معاني المحبة والسلام والتزكية، وتؤكد أن التصوف الحقيقي ليس مجرد موروث تاريخي، بل تربية متجددة تستمد جذورها من السلسلة الروحية القادرية، وتخاطب الإنسان في زمانه وحاجاته. وهنا تتجلى قيمة الإمام عبد القادر الجيلاني في الوعي الروحي المعاصر؛ فالأئمة والأولياء لا يُقاس حضورهم ببقاء أسمائهم في الكتب وحدها، وإنما بما تتركه سيرتهم من أثر في النفوس، وما تستمر به قيمهم من حياة في سلوك أتباعهم ومحبيهم.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه أسباب التوتر والانقسام، تبدو العودة إلى جوهر الرسالة الروحية ضرورةً إنسانية؛ رسالةٍ تقوم على تزكية النفس، واحترام الإنسان، ونشر المحبة، ومقاومة الكراهية، وربط العلم بالأخلاق، والعبادة بالرحمة.
ولذلك فإن الاحتفال بمولد الإمام عبد القادر الجيلاني ليس احتفالًا بالماضي وحده، وإنما هو استحضارٌ لقيمٍ ما زالت قادرة على أن تمنح الحاضر معنىً أعمق: أن يكون الإنسان أكثر صفاءً مع ربه، وأكثر رحمةً مع خلقه، وأكثر صدقًا مع نفسه. ولقد مضت قرون على رحيل الإمام عبد القادر الجيلاني، لكن بعض الأرواح لا يغيب أثرها بالرحيل؛ تبقى سيرتها في القلوب، وتبقى مدارسها في النفوس، ويبقى نورها ممتدًا ما دام هناك من يطلب العلم، ويجاهد النفس، ويسلك طريق المحبة والسلام. وفي مولده، نستذكر الإمام لا بوصفه صفحةً من صفحات التاريخ، بل بوصفه رمزًا لمدرسةٍ روحية ما زالت تنبض بالحياة، وتواصل حضورها في القلوب، من القادرية إلى امتداداتها الروحية المعاصرة، وفي مقدمتها الطريقة العلية القادرية الكسنزانية.
وجعل ذكره باعثًا على الخير والمحبة والسلام، وجعل سيرته طريقًا إلى تزكية النفوس وإصلاح الإنسان. وفي مولدٌه يتجدد الذكر، ويظل الإمام حاضرًا في القلوب. تحت رايات الطريقة العلية القادرية الكسنزانية. وحامل مشعل نورها واسرارها العلم الهمام السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني قدست اسراره. حيث يعم نورها اجواء المعمورة. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..