مظفر مجيد مزوري
تستحضر ذكرى استفتاء إقليم كوردستان لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، أصلت لمرحلة ناضجة من ممارسة الخيار المباشر والتعبير الديمقراطي عن تطلعات شعب عاش عقوداً طويلة في مواجهة سياسات الإلغاء والتغيير الديمغرافي. ولم يكن الاستفتاء التاريخي المنظم في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر مجرد ممارسة سياسية عابرة، بل شكل وثيقة قانونية وأخلاقية وضع من خلالها الشعب الكوردستاني قضية حقوقه المشروعة أمام المجتمع الدولي، مؤكداً وضعيته الأصولية في موقع الحق، والمطالبة المنصفة بالحريات الأساسية وضمانات المستقبل.
وتستند هذه الشرعية المكتسبة إلى منظومة متكاملة من الأسانيد القانونية والدستورية؛ حيث تتضافر أحكام القانون الدولي العام والمعاهدات والمواثيق الأممية، إلى جانب نصوص الدستور العراقي الدائم لعام 2005، لتأكيد الممارسة الشرعية لهذا الحق، وذلك وفق النقاط المحددة التالية:
أولاً: الأسانيد والمواثيق الدولية والمعاهدات الأممية
• القواعد الآمرة في ميثاق الأمم المتحدة: يُعدّ حق تقرير المصير مبدأً أممياً آمراً، حيث تنص المادة الأولى (الفقرة الثانية) والمادة الخامسة والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة صراحةً على احترام مبدأ تسوية الحقوق المتبادلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها بشكل حر وديمقراطي.
• العهدان الدوليان لعام 1966: أكدت المادة الأولى المشتركة بين “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” و”العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” على أن “جميع الشعوب لها الحق في تقرير مصيرها، ولها استناداً إلى هذا الحق أن تحدد حريتها ووضعها السياسي”.
• قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (2625 لعام 1970): أقرّ الإعلان الخاص بمبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول، بأن لكل شعب الحق في استطلاع إرادته السياسية وتحديد وضعه القانوني دون إكراه أو تدخل خارجي.
• السوابق والفقه القضائي المحكمي (محكمة العدل الدولية 2010): استند الإقليم إلى الرأي الاستشاري التاريخي الصادر عن محكمة العدل الدولية (ICJ) بشأن كوسوفو، والذي انتهى إلى أن تنظيم الاستفتاءات أو إعلانات الاستقلال لا ينتهك قواعد القانون الدولي العام، لعدم وجود حظر دولي يمنع المكونات والشعوب من التعبير عن تطلعاتها السياسية عبر الاقتراع.
• حق تقرير المصير العلاجي (Remedial Self-Determination): يقر الفقه القانوني الدولي بحق المجتمعات والمكونات في ممارسة تقرير المصير العلاجي كوسيلة أخيرة لحماية وجودها عند تعرضها للاضطهاد التاريخي الممنهج (كالأنفال والإبادة الجماعية) أو عند نكث وثائق التأسيس والشراكة الاتحادية.
ثانياً: المرتكزات والدفوع الدستورية (الدستور العراقي لعام 2005)
• ديباجة الدستور (شرطية الالتزام بالدستور لحفظ وحدة العراق): استند الإقليم إلى النص الصريح الوارد في ديباجة الدستور العراقي والذي يربط وحدة البلاد بالالتزام بالدستور: “إن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق حريته وسسيادته ويحفظ للشعب كرامته ويزيل آثار سياسات العهد البائد”؛ مما يعني أن خرق البنود الجوهرية للدستور يخلّ بالركن التأسيسي للاتحاد الاختياري.
• المادة (140) وتعطيل تطبيقها: نص الدستور على آلية ذات ثلاث مراحل (التطبيع، الإحصاء، ثم الاستفتاء) لحسم إدارة المناطق المقتطعة والتاريخية بحلول نهاية عام 2007؛ وشكل تعطيل تنفيذ هذه المادة الممتد لسنوات خرقاً دستورياً متواصلاً دفع الإقليم للعودة إلى الشعب لتحديد مصيره.
• المادتان (110) و(121) والتجاوز على السلطات الحصرية والمالية: يكفل الدستور حظر تجاوز السلطة الاتحادية على الاختصاصات الحصرية للإقليم، وينص في المادة 121 على تخصيص حصة عادلة من الإيرادات الاتحادية وإدارة الموارد؛ وحين تسبب استمرار استقطاع المستحقات المالية وتهميش البيشمركة (المعترف بها دستورياً كحرس للإقليم) في تعطيل معادلة الشراكة، بات حق العودة للسيادة الشعبية سبيلاً دستورياً مشروعاً.
• المادة (5) (السيادة للشعب): أصل الدستور العراقي في مادته الخامسة لأن “السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وصاحب الحق في ممارستها”؛ وهو ما جعل الاستفتاء ممارسة لأرقى أنواع السيادة المباشرة للمواطنين في تقرير مسارهم السياسي.
ومع ذلك، لم تسعَ تجربة الإقليم إلى القطيعة بقدر ما كرست نفسها كنموذج استقرار ونضج حضاري في أوقات الأزمات الحادة؛ حيث كشفت التحديات الأمنية إبان المواجهة الشاملة ضد تنظيم “داعش” الإرهابي عن الدور المحوري لقوات البيشمركة كحائط صد دفاعي عن القيم الإنسانية، ومظلة آمنة لاحتضان مئات الآلاف من النازحين والمهجرين من مختلف القوميات والأديان. لقد عكس هذا السلوك الحضاري أن الإقليم يتصرف ككيان مسؤول يمتلك القدرة القانونية والأخلاقية على إدارة مجتمعه وتوفير الحماية لسكانه وقاصديه.
وهكذا يتجلى الاستفتاء في عمقه كرسالة السلام والمطالبة الحضارية بالحقوق التي عطلها التاريخ وموازين القوى. فقد آثر إقليم كوردستان النهج الديمقراطي كبديل حضاري للنزاعات المسلحة، وتأكيداً على حقه الأصيل في بناء مستقبل آمن لأجياله يضمن عدم تكرار الفاجعة الإنسانية والمآسي التاريخية كجرائم الأنفال والقصف الكيميائي.
تستحضر الخاتمة التحليلية لاستفتاء استقلال إقليم كوردستان قراءة قانونية وسياسية معمقة، تعكس موقف الإقليم وشرعيته المكتسبة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
شكل الاستفتاء إنجازاً محلياً ودستورياً غير مسبوق، إذ عبرت نتائج الاقتراع عن تفويض شعبي تاريخي تجاوزت فيه نسبة التأييد 92%، مما منح قيادة الإقليم سنداً ديمقراطياً غير قابل للإلغاء. وقد استند الإقليم في هذه الخطوة إلى نصوص الدستور العراقي لعام 2005، الذي قام على مبدأ “الاتحاد الاختياري” المشروط بالالتزام الشامل بالبنود الدستورية. وحين تقاعست السلطات الاتحادية عن تنفيذ المادة (140) المعنية بالمناطق المقتطعة وانتكت مبادئ الشراكة المالية والأمنية، أصبح العودة إلى ممارسة السيادة الشعبية المباشرة خياراً دستورياً أصلت له المادة (5) التي تقر بأن الشعب هو مصدر السلطات وصاحب الحق في تحديد مساره.
وعلى الصعيد الدولي، يستند موقف الإقليم إلى أسانيد قانونية صلبة ومستقرة في القانون الدولي العام؛ إذ لم ينتهك تنظيم الاستفتاء أي حظر أممي، وهو ما ينسجم مع الرأي الاستشاري التاريخي لمحكمة العدل الدولية بشأن كوسوفو لعام 2010، والذي أقر بأن التعبير عن الإرادة السياسية لا يخالف قواعد القانون الدولي. كما يُعزز الموقف الكوردستاني تطبيق مبدأ “حق تقرير المصير العلاجي”، الذي يمنح الشعوب حق ممارسة خيارها المستقل عند التعرض للاضطهاد الممنهج والتغيير الديمغرافي والإبادة الجماعية، وهو ما تكفله روح ميثاق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان لعام 1966.
أما على المستوى الإقليمي والجيوسياسي، فقد كشفت الأحداث أن الاستفتاء لم يكن مجرد إجراء سياسي عابر، بل أصل لوثيقة شرعية غير قابلة للسقوط بالتقادم، وفرض واقعاً سياسياً يعزز موقع كوردستان كعنصر محوري لا يمكن تجاوزه في معادلة الاستقرار في الشرق الأوسط. وقدم الإقليم نموذجاً حضارياً مسؤولاً أثبت من خلاله قدرته على إدارة مجتمعه وحماية أراضيه، وهو ما تجلى في الدور البطولي لقوات البيشمركة في دحر الإرهاب واحتضان مئات الآلاف من النازحين والمهجرين من مختلف المكونات.
تؤكد هذه القراءة التحليلية أن استفتاء 2017 يمثل محطة مفصلية كرس فيها شعب كوردستان حقاً تاريخياً وقانونياً ثابتاً، أظهر من خلاله نضج التجربة الديمقراطية والتزامه الخيار السلمي والحوار الحضاري كسبيل أمثل لبناء المستقبل وضمان حقوق الأجيال القادمة.