الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
في الخامس والعشرين من أيلول عام 2017، شهد إقليم كوردستان العراق استفتاءً حول الاستقلال، في خطوة سياسية أثارت نقاشاً واسعاً داخل العراق وإقليم كوردستان، كما استقطبت اهتماماً إقليمياً ودولياً. وجاء الاستفتاء بعد سنوات من التوترات السياسية والدستورية بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، وفي ظل خلافات متراكمة بشأن الصلاحيات والموارد والمناطق المتنازع عليها.
وبحسب النتائج الرسمية المنشورة، شارك أكثر من ثلاثة ملايين ناخب، وصوّت 92.73% منهم بـ«نعم» على سؤال الاستقلال، مقابل 7.27% صوّتوا بـ«لا». غير أن هذه النتيجة لم تؤدِّ، من الناحية القانونية والسياسية، إلى قيام دولة مستقلة، إذ كان تنفيذها يتطلب مساراً تفاوضياً مع بغداد، فضلاً عن قبول إقليمي ودولي لم يكن متوافراً آنذاك.
الاستفتاء.. بين التعبير الشعبي والنتيجة القانونية
يرى مؤيدو الاستفتاء أنه مثّل تعبيراً ديمقراطياً عن تطلعات شريحة واسعة من سكان إقليم كوردستان، وأن التصويت بـ«نعم» عكس تراكمات تاريخية وسياسية، من بينها تجارب القمع السابقة، والخلافات المستمرة مع الحكومة الاتحادية، والرغبة في ضمان مستقبل سياسي أكثر استقلالاً واستقراراً.
كما يرى المؤيدون أن الاستفتاء لم يكن بالضرورة إعلاناً فورياً للاستقلال، بل وسيلة للحصول على تفويض شعبي يتيح بدء مفاوضات مع بغداد والمجتمع الدولي حول مستقبل العلاقة بين الإقليم والعراق. ومن هذا المنظور، كان الهدف المعلن هو تحويل المطالب السياسية إلى مسار تفاوضي يستند إلى نتيجة انتخابية واضحة.
في المقابل، رأى المعارضون أن إجراء الاستفتاء من طرف واحد لم يكن منسجماً مع الإطار الدستوري العراقي، وأنه جرى في وقت كانت فيه الخلافات بين بغداد وأربيل في ذروتها، ما جعل الخطوة أقرب إلى التصعيد السياسي منها إلى بداية تفاوض متفق عليه.
كما اعتبر المعارضون أن الاستفتاء لم يحدد بصورة كافية آليات الانتقال من النتيجة السياسية إلى الاستقلال الفعلي، ولم يوضح طبيعة العلاقة المستقبلية مع العراق، ولا وضع المناطق المتنازع عليها، ولا القضايا المتعلقة بالحدود والموارد والديون وحقوق السكان والمكونات المختلفة.
وبذلك، يمكن القول إن الاستفتاء نجح في إظهار حجم التأييد الشعبي لفكرة الاستقلال بين المشاركين في التصويت، لكنه لم يحسم الأسئلة القانونية والسياسية المعقدة التي تترتب على هذه الخطوة.
الدستور العراقي.. بين الفيدرالية ووحدة الدولة
ينص الدستور العراقي في المادة الأولى على أن العراق «دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة»، كما يقر في المادة 117 بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً.
ويعني ذلك أن العلاقة بين بغداد وأربيل تقوم، من حيث المبدأ، على أساس اتحادي دستوري، وليست علاقة إدارية بين حكومة مركزية ووحدات تابعة لها. وقد منح الدستور الإقليم صلاحيات واسعة، لكنه أبقى العراق دولة واحدة ذات سيادة، ولم يتضمن نصاً صريحاً يمنح أي إقليم حق إعلان الاستقلال بصورة منفردة.
ويستند معارضو الاستفتاء إلى هذا الجانب الدستوري، معتبرين أن أي تغيير في شكل الدولة أو حدودها يحتاج إلى توافق وطني وإجراءات دستورية واضحة، ولا يمكن أن يتم بقرار أحادي من أحد مكونات الدولة.
أما مؤيدو الاستفتاء، فيرون أن غياب النص الصريح على حق الانفصال لا يلغي حق الشعوب في التعبير عن إرادتها السياسية، خصوصاً عندما تكون العلاقة الاتحادية قد واجهت أزمات متكررة، ويؤكدون أن التصويت كان خطوة سياسية تمهيدية لا إعلاناً قانونياً نافذاً.
وفي 20 تشرين الثاني 2017، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها بشأن الاستفتاء، واعتبرت أن إجراءه والغرض الذي أُجري من أجله لا يستندان إلى مرجعية دستورية، وقضت بإلغاء نتائجه وآثاره. وقد أكدت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق مضمون القرار ودعت إلى احترامه.
ومن الناحية القانونية داخل العراق، أصبح هذا القرار المرجعية الأساسية في التعامل مع نتائج الاستفتاء، بصرف النظر عن استمرار الجدل السياسي والتاريخي حول دوافعه وآثاره.
كركوك وخانقين والمناطق المتنازع عليها
شكّلت المناطق المتنازع عليها، وفي مقدمتها كركوك وخانقين، أحد أكثر جوانب الاستفتاء حساسية.
فالمادة 140 من الدستور نصت على استكمال التطبيع والإحصاء ثم إجراء استفتاء في كركوك والمناطق المتنازع عليها لتحديد إرادة سكانها. ويرى مؤيدو مشاركة هذه المناطق في استفتاء 25 أيلول أن سكانها جزء من الواقع السياسي والاجتماعي لإقليم كوردستان، وأن تجاهل إرادتهم أو فصلهم عن بقية الإقليم لا يعالج جذور المشكلة.
في المقابل، يرى المعارضون أن وضع هذه المناطق لم يكن قد حُسم دستورياً، وأن إجراء استفتاء عام يشملها قبل استكمال مراحل المادة 140 قد يؤدي إلى فرض أمر واقع على سكانها، ولا سيما في ظل تعدد مكوناتها القومية والدينية والسياسية.
وتكشف هذه المسألة أن الخلاف لم يكن متعلقاً فقط بمبدأ الاستقلال، بل شمل أيضاً سؤالاً أساسياً حول الجهة التي تملك حق تحديد مستقبل المناطق المتنازع عليها، والآلية التي تضمن مشاركة جميع سكانها بصورة عادلة وآمنة.
لذلك، فإن أي معالجة مستقبلية لهذا الملف تحتاج إلى تطبيق النصوص الدستورية، وضمان حقوق جميع المكونات، والاتفاق على إجراءات شفافة تتيح للسكان التعبير عن إرادتهم بعيداً عن الضغوط السياسية أو الأمنية.
هل انتهى أثر استفتاء 25 أيلول؟
من الناحية القانونية العراقية، أُلغيت النتائج والآثار المترتبة على الاستفتاء بقرار المحكمة الاتحادية العليا. كما أن التطورات التي أعقبت الاستفتاء، ولا سيما استعادة القوات الاتحادية السيطرة على كركوك ومناطق أخرى، أظهرت محدودية قدرة الإقليم على تحويل النتيجة الانتخابية إلى واقع سياسي مستقل.
ويرى منتقدو الاستفتاء أن هذه النتائج تؤكد أن الخطوة لم تكن مدعومة بما يكفي من الناحية السياسية والإقليمية والدولية، وأن توقيتها ساهم في إضعاف موقف الإقليم التفاوضي بدلاً من تعزيزه.
أما مؤيدوه، فيرون أن عدم تحقق الاستقلال لا يعني فشل التعبير الشعبي الذي مثّله الاستفتاء، وأن النتيجة بقيت مؤشراً سياسياً مهماً على استمرار التطلع إلى تقرير المصير. كما يعتبرون أن الظروف التي أحاطت بالاستفتاء، بما فيها الرفض الإقليمي والدولي، حالت دون اختبار المسار التفاوضي الذي كان يمكن أن يعقب التصويت.
وعليه، فإن تقييم الاستفتاء يختلف باختلاف المعيار المستخدم: فإذا كان المعيار هو تحقيق الاستقلال، فإن النتيجة لم تتحقق. أما إذا كان المعيار هو قياس اتجاهات الرأي العام وإعادة طرح مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل، فقد ترك الاستفتاء أثراً سياسياً وتاريخياً واضحاً.
من صندوق الاقتراع إلى طاولة الحوار
أثبتت تجربة 25 أيلول أن القضايا الوطنية الكبرى لا تُحسم بالتصويت وحده، خصوصاً عندما تتعلق بتغيير حدود الدولة أو نظامها الدستوري أو وضع مناطق متعددة المكونات.
فإلى جانب الإرادة الشعبية، تحتاج مثل هذه القضايا إلى إطار قانوني واضح، وتوافق سياسي داخلي، وترتيبات عملية بشأن الأمن والاقتصاد والموارد والحدود وحقوق السكان، فضلاً عن بيئة إقليمية ودولية تسمح بتنفيذ أي اتفاق.
وقد دعت الأمم المتحدة، بعد قرار المحكمة الاتحادية عام 2017، إلى بدء مفاوضات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان على أساس الدستور لمعالجة القضايا العالقة بين الطرفين.
وتشير هذه الدعوة إلى أن الخلاف بين بغداد وأربيل لا يمكن اختزاله في قضية الاستفتاء وحدها، بل يرتبط بملفات أوسع، مثل توزيع الصلاحيات، والموازنة، والنفط والغاز، والمناطق المتنازع عليها، والحقوق السياسية والإدارية.
ومن ثم، فإن المسؤولية تقع على الطرفين في بناء علاقة اتحادية أكثر وضوحاً واستقراراً، تقوم على الاتفاقات المكتوبة وتطبيق الدستور، بدلاً من إدارة الخلافات عبر الأزمات المتكررة.
25 أيلول.. بين الذاكرة السياسية والقراءة النقدية
بعد سنوات على إجرائه، بقي استفتاء الخامس والعشرين من أيلول 2017 حاضراً في الذاكرة السياسية الكوردية والعراقية. فهو بالنسبة إلى مؤيديه محطة عبّرت عن تطلع شعبي واسع إلى الاستقلال، وبالنسبة إلى معارضيه خطوة أحادية لم تراعِ التعقيدات الدستورية والسياسية التي تحكم مستقبل العراق.
والقراءة المتوازنة للاستفتاء تقتضي الاعتراف بالأمرين معاً: فقد مثّل تعبيراً انتخابياً واضحاً عن رغبة نسبة كبيرة من المشاركين في التصويت، لكنه لم يكن كافياً وحده لإنتاج دولة مستقلة، كما أن إجراءه من دون اتفاق مسبق مع بغداد ومع الأطراف الإقليمية والدولية أدى إلى نتائج سياسية وقانونية حدّت من آثاره العملية.
ويبقى الدرس الأبرز أن الإرادة الشعبية عنصر أساسي في القضايا المصيرية، لكنها تحتاج إلى إطار دستوري وقانوني، وإلى إدارة سياسية قادرة على تحويلها إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ. كما أن وحدة الدولة لا تستقيم من دون احترام حقوق مكوناتها، ولا يمكن للنظام الاتحادي أن ينجح من دون شراكة حقيقية وتوزيع واضح للصلاحيات والموارد.
أما الخامس والعشرون من أيلول، فسيبقى تاريخاً مهماً في مسار القضية الكوردية والعلاقة بين بغداد وأربيل؛ ليس بوصفه نهاية لمسار الاستقلال، ولا بوصفه حدثاً عابراً، بل باعتباره تجربة سياسية كشفت حجم الطموحات الشعبية، وحدود الأدوات المتاحة، وتعقيدات الانتقال من التعبير الانتخابي إلى التغيير القانوني والسياسي .