ويسي سعيد ويسي
يُعدّ يوم 25 أيلول/سبتمبر 2017 يوماً تاريخياً في مسيرة شعب كوردستان؛ ففي ذلك اليوم، عبّر شعب كوردستان بمختلف مكوناته القومية والدينية والمذهبية والسياسية، وبأسلوب ديمقراطي وسلمي، عن إرادته الحرة، من خلال مشاركته في الاستفتاء العام الذي أُجري في الإقليم بقيادة الرئيس مسعود بارزاني. وستظل تلك العملية محطة بارزة ووثيقة حية ومشرقة في تاريخ شعبنا، وواحدة من الصفحات المهمة في مسيرته النضالية.
وبذلك، سُجّلت مفخرة تاريخية أخرى في صفحات النضال والكفاح التي خاضها شعب كوردستان على مدى عقود، دفاعاً عن حقوقه القومية والسياسية والإنسانية، وسعياً إلى ترسيخ إرادته وتحديد مستقبله.
ولا شك في أن الحديث عن توقيت إجراء الاستفتاء أثار، ولا يزال يثير، الكثير من النقاشات والآراء المختلفة. ومن الضروري، في هذا السياق، التوقف عند هذه المسألة بصورة موضوعية، والتمييز بين أصل فكرة الاستفتاء وبين الظروف السياسية التي أحاطت بإجرائه.
فمن وجهة نظر مؤيدي الاستفتاء، فإن تقرير المصير والاستفتاء يمثلان حقاً من الحقوق السياسية، وأحد الأساليب الديمقراطية المعاصرة للتعبير عن الإرادة الشعبية وتجديد الهوية القومية وترسيخها. ومن هنا، فإن الاستفتاء، وفق هذا الطرح، لم يكن سبباً في المشكلات القائمة بين أربيل وبغداد، وإنما جاء نتيجة تراكمات سياسية ودستورية واقتصادية وأمنية دفعت شعب كوردستان إلى المطالبة بالتعبير عن إرادته عبر صناديق الاقتراع.
ويرى هذا الطرح أن تلك الأسباب لم تختفِ بصورة كاملة، بل إن عدداً من الإشكالات التي رافقت العلاقة بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية ما زالت حاضرة، وفي مقدمتها الخلافات المتعلقة بتطبيق بعض مواد الدستور، وقضايا الصلاحيات والموارد المالية والحقوق الوظيفية.
كما أن بناء دولة عراقية قائمة على أسس الشراكة الحقيقية والتوازن والتوافق ظل هدفاً أساسياً في مرحلة ما بعد عام 2003. غير أن استمرار الخلافات السياسية بين مختلف الأطراف والمكونات يعكس، بحسب هذا الرأي، الحاجة إلى معالجة هذه الملفات بروح الدستور وبما يضمن حقوق جميع العراقيين ومكوناتهم.
ومن أبرز القضايا التي ما زالت تثير الجدل مسألة الرواتب والاستحقاقات المالية لموظفي إقليم كوردستان، وهي قضية تمس حياة مئات الآلاف من المواطنين وعائلاتهم. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: أليس من حق موظفي الإقليم الحصول على رواتبهم ومستحقاتهم المالية بصورة منتظمة، أسوة ببقية موظفي الدولة العراقية، وفق الأطر الدستورية والقانونية؟
إن معالجة هذه الملفات بعيداً عن التسييس والخلافات السياسية من شأنها أن تسهم في تعزيز الثقة بين بغداد وأربيل، وترسيخ مفهوم الشراكة الحقيقية، بما يخدم مصالح المواطنين ويعزز استقرار العراق.
وبالنسبة إلى مؤيدي الاستفتاء، فإن ما أقدم عليه شعب كوردستان في 25 أيلول/سبتمبر 2017 يمثل تعبيراً تاريخياً عن إرادته السياسية، ومحطة مهمة في مسيرته. فقد شارك أكثر من ثلاثة ملايين مواطن في عملية التصويت، وجاءت النتيجة مؤيدة لخيار الاستقلال، الأمر الذي منح الاستفتاء مكانة خاصة في الذاكرة السياسية لشعب كوردستان.
وعلى الرغم من التطورات السياسية التي أعقبت الاستفتاء، وما رافقها من إجراءات وخلافات وتحديات، فإن أنصاره يرون أنه سيظل رمزاً لإرادة شعب كوردستان وتطلعه إلى تقرير مصيره، ومحطة تاريخية لا يمكن محوها من الذاكرة الجماعية.
إن الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر ليس مجرد تاريخ عابر، بل يمثل، في نظر مؤيدي الاستفتاء، يوماً عبّر فيه شعب كوردستان عن إرادته بصورة سلمية وديمقراطية. وستبقى دلالاته السياسية والتاريخية موضع نقاش ودراسة، فيما يبقى مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على معالجة الخلافات بالحوار، والاحتكام إلى الدستور، واحترام حقوق المواطنين.
وفي النهاية، تبقى إرادة الشعوب وتطلعاتها إلى مستقبل أفضل حاضرة في مسيرة التاريخ، ويبقى الخامس والعشرون من أيلول/سبتمبر 2017 محطة بارزة في تاريخ شعب كوردستان، يستذكرها مؤيدو الاستفتاء باعتزاز، آملين أن تثمر التحديات والتضحيات عن مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لشعب كوردستان، في ظل قيادة الرئيس مسعود بارزاني.