إبراهيم اليوسف
غدا صباحُ اليوم الذي أُعلن فيه رحيل الفنانة الكردية كلستان طاهر”1974-2026″، المعروفة فنياً باسم “كلستان طاهر/ سوباري”، صباحاً جد أليم بالنسبة إلى أسرتها، وذويها، ومتابعي فنها: غنائياً ومسرحياً، فقد حمل معه خبراً صادماً لمن عرفها عن قرب أو تابع مسيرتها الفنية الطويلة، إذ رحلت وهي لاتزال في أوج عطائها الإبداعي، تجمع بين الغناء والتمثيل، متنقلة بموهبتها بين خشبات مسارح كردية وكردستانية وعربية وأوروبية، بلغتها الأم، فحسب، إلى جانب الألمانية، بعد رحلة بدأت في سن مبكرة مع الغناء والفلكلور الكردي، قبل أن تتخذ تجربتها الفنية المستقلة ملامحها الأوضح منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.
بدأ اتصال كلستان بالفن وهي لاتزال طفلة، في حدود العاشرة أو الثانية عشرة من عمرها، حين انضمت عن طريق شقيقها شكري طاهر إلى فرقة “شورش” في تل تمر والحسكة، خلال الفترة الممتدة بين عامي 1982 و1984، وكانت مشاركتها آنذاك في الغناء والدبكات الفلكلورية الكردية، من دون أن تكون قد دخلت عالم المسرح بعد. وفي عام 1989 انضمت إلى فرقة “روناهي” في الدرباسية، وواصلت معها الغناء والمشاركة في الدبكات الفلكلورية حتى عام 1992. وكانت تلك السنوات المبكرة بمثابة تدريب طويل على الوقوف أمام الجمهور، وكسر جدار الخوف الذي يلازم بدايات كل موهوب في مثل هذا الموقف، ومن ثم حمل الأغنية الكردية في مرحلة زمنية صعبة، كان فيها محض التعبير العلني عن اللغة والثقافة الكرديتين محاطاً بكثير من القيود والمحاذير.
نشأت كلستان في بيئة عائلية تعنى بالفن والموسيقى، وعرفت أسرتها أكثر من اسم من أفرادها ارتبط بالغناء والفن، ومن بينهم شقيقها رمضان نجم أومري ووالدها نجم أومري شقيقته حسينة. شقيقها شكري طاهر وشقيقتها مزكين طاهر، فيما كانت عمتها حسينة- شقيقة والدها- صاحبة صوت جميل، أخذت عنها كلستان الكثير من الأغنيات والمواويل الفلكلورية الكردية. ولعل هذه الصلة المبكرة بالموروث الشفهي، بما يحمله من أصوات البيوت والقرى والذاكرة الشعبية، ظلت حاضرة في تجربتها وفي ذلك الخيط الذي كان يصل صوتها ببيئتها الأولى.
وفي آذار 1993 انتقلت إلى- قامشلي- بعد زواجها من الفنان والكاتب والمخرج المسرحي عادل إسماعيل، لتبدأ منذ تلك المرحلة مسيرتها الفنية المستقلة بصورة أكثر وضوحاً، وليبدأ معها أيضاً فصل جديد هو المسرح. كانت “هيكابي”، ليوربيدس ومن إخراج عادل إسماعيل، أول مسرحية تشارك فيها، ثم شاركت بالعمل نفسه في المهرجان الأول للمسرح الكردي في سوريا عام 1994، ونالت جائزة أفضل ممثلة مناصفة مع شقيقتها مدربة “الصولفيج” والفنانة مزكين طاهر التي شاركتها التمثيل في المسرحية- آنذاك- نفسها. وفي العام ذاته صدر ألبومها الغنائي الأول “جتو”، وكأن عام 1994 كان إعلاناً عن مرحلة جديدة في تجربتها، على الخشبة وفي الأغنية معاً.
وكان لافتاً أن تبدأ واحدة من أبرز محطاتها المسرحية بجائزة، وأن تظل الخشبة ترافقها بعد ذلك عقوداً. ففي عام 2024 قدمت مونودراما “نسرين”، للكاتب المسرحي أحمد إسماعيل، وشاركت بها في مهرجان “سقز” والمهرجان التاسع عشر للمسرح الكردي، وحصلت على جائزة تقديرية في التمثيل النسائي، ثم استمرت عروض العمل خلال عام 2025 في عدد من المهرجانات الدولية. كان المسرح بالنسبة إليها فناً ظلت تعود إليه حتى آخر سنوات حياتها، وكأن الخشبة التي استقبلتها في “هيكابي” بقيت مفتوحة أمامها إلى “نسرين”.
وبين مسرحيتي” هيكابي” و”نسرين” امتدت رحلة مسرحية طويلة، من “ميديا” عام 1995 إلى “الكهف” عام 1997، و”افعل شيئاً يا ميت” عام 1998، و”إمبراطورية الظلام” عام 2000، ثم “صرخة من مدينة الحب” التي عُرضت في ألمانيا وبلجيكا عام 2002، و”انهيار المملكة” عام 2007، وصولاً إلى مشاركتها مع فرقة مسرحية ألمانية في “Die Nachbarn” عام 2017، ثم مشاركتها عام 2024 في مهرجان كركوك الدولي ل- مسرح الشارع- عبر مسرحية “صرخة صامتة”. كانت المسافات تتغير والبلدان تتغير واللغات من حولها تتغير، فيما بقي المسرح واحداً من بيوتها التي عادت إليها حتى آخر سنوات حياتها.
وبموازاة المسرح، خطت كلستان لنفسها مساراً غنائياً خاصاً، مستندة إلى تلك البدايات المبكرة وإلى مخزون من الأغنيات والمواويل الفلكلورية الكردية، ثم أخذت تجربتها الغنائية المستقلة شكلها الأوضح بعد زواجها، بدءاً من ألبومها الأول “جتو” عام 1994، لتتوالى بعد ذلك أعمالها وألبوماتها وأغنياتها وحفلاتها داخل سوريا وخارجها. وهكذا ظل الغناء وجهاً آخر من تجربتها، ينتقل بها من الكلمة المغناة إلى الشخصية المسرحية، ومن ذاكرة الفلكلور إلى الخشبة الحديثة.
كانت كلستان طاهر تتقن الكردية، لغتها الأم، إلى جانب العربية والألمانية، وهو ما منح تجربتها قدرة على العيش في أكثر من فضاء ثقافي، من دون أن تفقد صلتها الأولى بأهلها وثقافتها، رغم أنها أدت أدوارها باللغة الأم في بدايات تجربتها، كي تضيف إليها فيما بعد اللغة الألمانية، أيضاً.
وللحقيقة، فإنه لم يكن التواصل بيني وبين كلستان الفنانة القديرة إلا في حدوده العادية، إلا أننا التقينا مراراً في ندوات وأمسيات أدبية وثقافية أقامها الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا أو جهات ثقافية أخرى، كما شاركت في أكثر من نشاط للاتحاد، ولذلك بقيت صورتها لدي مرتبطة، إلى جانب الفن، باهتمام واضح بأهلها الكرد وبمن كانت ظروفهم تقودهم إلى الغربة.
وقد روى لي الفنان والمصور مسعود أوصمان “بافي سميار” كيف وقفت وزوجها إلى جانبه عندما لجأ إلى ألمانيا عام 2015، وروى لي ابني آراس كيف أن كلستان وعادل دعياه وعدداً من الشباب والأصدقاء إلى بيتهما بعيد وصول شباب التنسيقيات الكرد إلى أوروبا عام 2013، بعدما ضاق بهم مسقط رأسهم لأسباب يعرفها أبناء تلك المرحلة جيداً. وحين جئنا نحن أيضاً إلى ألمانيا، كانت كلستان ورفيق دربها عادل من الذين زارونا، كما ذكرني عادل بتفاصيل ذلك اللقاء، كما فعلت بعض الأسر المقربة التي عرفناها، لتغدو تلك الزيارة واحدة من التفاصيل الإنسانية الصغيرة ذات الدلالات والمعاني الكبيرة التي تميز من يمتلكون الشهامة تجاه أهلهم ومعارفهم وكل من عمل من أجل سواه.
وأتذكر كذلك حفلاً أقامته كلستان بمشاركة عدد من الفنانين الكرد في أوروبا، وخصص ريعه للشهداء المحمدين وأسر الجرحى، وقد اختارتني مع آخرين لأكون ضمن اللجنة إلى جانب الشاعر الراحل فرهاد عجمو، الذي اعتذر لاحقاً، فكنت مع محمود عثمان وسعود الملا وآخرين من ممثلي أحزاب الحركة الكردية. وعلمت من رفيق دربها عادل أنها كانت من عداد من اقترحوا اسمي آنذاك، ولعلها قالت لي مثل ذلك أثناء زيارتها لنا، بعد ست سنوات من ذلك الحدث الأليم. ولربما تُقرأ هذه التفاصيل على أنها عابرة في سيرة فنانة حافلة، لكنها تقدم في الوقت ذاته بعضاً من ملامح شخصيتها، عبر ذلك الخيط الذي كان يصل الفن لديها بالشأن العام وبالناس.
لقد كانت كلستان، في جانب آخر من حياتها، نموذجاً لامرأة استطاعت أن تعمل إلى جانب زوجها الفنان عادل إسماعيل سنوات طويلة، من دون أن تذوب تجربتها في تجربته، فكان لكل منهما حضوره، فيما التقيا في أعمال كثيرة صنعها الاثنان معاً. وحدثني ولدي أيهم أكثر من مرة عن نجلها دايكو الذي يعمل معه، لتظل الروابط الإنسانية تتقاطع، جيلاً بعد جيل، خارج الخشبة وخارج قاعات الندوات.
يوم أمس الأربعاء، كنا في ” بوخوم” نرافق كلستان في رحلتها الأخيرة ونواري جسدها التراب في أرض الغربة، وسط رهبة وأسى المشهد حيث وجع أفراد أسرتها نجلها. ابنتيها، إخوتها وأخواتها وأصدقاء ومحبي الأسرة. العائلة، لقد كان الحزن أكبر من أن تختصره كلمات العزاء المعتادة. ثمة ألم جم في أن يودع الإنسان شخصاً حمل معه ذاكرة المكان الأول ثم يترك جسده في أرض بعيدة عنه، لكن كلستان كانت قد صنعت خلال سنوات غربتها مكاناً آخر لحياتها وفنها، وتركت في مسقط رأسها وعموم كردستان وأوروبا أصداء أصوات متدرجة الطبقات وصوراً وخشبات ووجوهاً ستظل تتذكرها.
و لايمكن لنا-هنا- أن ننسى شهر أيلول. أيلول الذي كان له معها موعدان متباعدان، جمعا على نحو موجع أول السيرة وآخرها، ففي أيلول ولدت كلستان، بحسب بطاقتها الشخصية، وفي أيلول أيضاً رحلت، وبين أيلول الولادة وأيلول الغياب امتدت حياة حافلة بالغناء والمسرح، وبكل تلك الوجوه والأمكنة التي تركت فيها شيئاً من صوتها وحضورها.
وأنا أستعيد مسيرتها اليوم، يصعب عليّ أن أتعامل معها من منطلق محض سيرة انتهت. فقبل عامين فقط كانت تقف على خشبة المسرح، وفي العام الماضي كانت “نسرين” وهو اسم يطلة النص المسرحي المونودرامي الذي ألفه أحمد إسماعيل، لاتزال تسافر بها بين المهرجانات. كانت موهبة لاتزال قادرة على أن تعطي الكثير، وصوتاً جمع الغناء بالمسرح، وامرأة حملت لغتها الكردية- لغة مسرحياتها، وثقافتها معها من الدرباسية وقامشلي والحسكة وسري كانيي/ رأس العين ودمشق إلى مدن كردستانية وعربية وأوروبية.
ربما لهذا كان خبر رحيلها صادماً إلى هذا الحد. لأننا لم نكن أمام فنانة ابتعدت منذ زمن عن الخشبة واكتملت صفحات سيرتها بهدوء، بل أمام فنانة كانت لاتزال تواصل ملء مدونتها الإبداعية والحياتية، كما أن الأشد إيلاماً هو أن هذه الصفحة الأخيرة جاءت مبكرة جداً.
وداعاً كلستان طاهر…….!
لا تسدلي الستارة، لا يزال الجمهور ينتظر!
ستبقى الأماكن التي مررت بها تتذكرك: الأغنية التي حملت صوتك، والخشبة التي حملت خطواتك، والبيت الذي فتحته لغريب، والصديق الذي وقفت إلى جانبه، والجمهور الذي صفق لك، وتلك الأرض البعيدة التي احتضنت جسدك أخيراً، فيما بقي شيء منك موزعاً بين كل تلك الأمكنة التي أحببتها وعشت فيها وغنيت ومثلت من أجل أهلها.