نوزت الدهوكي
لم تكن الموصل بالنسبة للأستاذ الدكتور عبد الفتاح البوتاني مجرد مدينة تقع على بُعد خمسة وسبعين كيلومتراً جنوب مدينتنا دهوك ، بل كانت خريطة العمر ومستقر الروح .. هناك في أزقتها العريقة نشأ وتلقى علومه ، وعلى مقاعد جامعتها خطى خطواته الأولى نحو التخصص في تاريخ العراق الحديث ، متوجاً مسيرته بشهادتي الماجستير والدكتوراه ، وفيها بدأ حياته الوظيفية وتأهل وأسس أسرته ، قبل أن تضطره ظروف التسعينيات واضطراباتها لمغادرتها والسكن في دهوك ، متفيئاً بذكراها التي لم تغادر وجدانه يوماً .
وكان الدكتور البوتاني أثير الروح وأقرب الأصدقاء إليّ ، كنا لا نفترق إلا في ساعات الدوام الرسمي أو حين يأوي كل منا إلى بيته مع إطلالة المساء .. تقاسمنا الأيام والسهرات ونزهات الرفاق ، وسافرنا معاً إلى دول وبلدان عديدة عبر العالم ، ننسج تحت سماواتها أجمل الأوقات التي تثبت في الذاكرة ولا تمحوها الأيام .
ولأن عشقه للموصل كان طقساً مقدساً ، فقد كان يتردد عليها بين الحين والآخر للتزود بأحدث ما تجلبه مكتباتها من كتب التاريخ ومذكرات الساسة والرحالة والمستشرقين ، فقد كانت تلك الكتب شغله الشاغل وهو المؤرخ المتخصص ، وكان يستلذ في كل زيارة بالتجوال في أسواقها العتيقة ليجتر الذكريات من أحجارها ، وفي تلك الرحلات ، كان يصر دائماً على أن أكون رفيقه ، برفقة أصفياء آخرين من الأصدقاء .. نركب في سيارته الفارهة ونقطع الطريق الممتد وأصوات ضحكاتنا وأحاديثنا الأدبية تملأ الفضاء .
وقبل عام تقريباً ، أنطلقنا في إحدى تلك الرحلات الأثيرة .. كان معنا هذه المرة ، الأخ والصديق خالد توفيق الآميدي ، والأستاذ الشاعر مصطفى الأتروشي ، وكعادتنا ، طفنا بمكتبات الموصل ونقبنا بين رفوفها حتى أقتنينا ما طاب لنا من نفائس الكتب ، ثم أتجهت خطواتنا نحو أسواقها العريقة الضاربة في القِدم : سوق باب السراي ، وسوق العتمة ، وسوق السماكين .
كنا نوثق تلك اللحظات بإلتقاط صور تذكارية عبر هواتفنا المحمولة ، لتظل شاهداً على صفاء الأوقات .
وحين وصلنا إلى منطقة “باب الجسر العتيق” القريبة من سوق باب السراي ، تملكنا الشوق لتخليد ذاكرتنا في صورة واحدة تجمعنا نحن الأربعة .. أخذنا نلتفت يميناً وشمالاً بحثاً عن عابر سبيل ينقذ هذه اللحظة ، وفجأة أقبل علينا شاب في مقتبل العشرينيات .. رَمَقَنا بإبتسامة دافئة وقال : ( يبدو أنكم تودون إلتقاط صورة تجمعكم أنتم الأربعة ؟ ) ، فأجبناه بلهفة الرفاق : ( أي والله نعم .. ويا حبذا لو تُقدم لنا هذه الخدمة مع جزيل الشكر ! ) .
تأملنا الشاب بُرهة ، ولَمحَ في سيماء وجوهنا وقار السنين وآثار الشيخوخة والكِبر ، فقال ببديهة عفوية : ( بكل سرور ! .. سألتقط لكم أجمل وأروع صورة ، فيقيناً بعد عامٍ سينقص منكم واحداً ! ) .
أنطلقت ضحكاتنا من أعماق قلوبنا ، وشاركه جميعنا تلك الدعابة اللطيفة ، فقد كنا نعلم أنها سُنَة الحياة ، وأننا جميعاً مسنون ومتقاعدون ، ولم نَرَ في كلامه سوى دعابة عابرة من ابن هذه المدينة الطيب .. ألتقط الشاب الصورة ببراعة ، فشكرناه بحرارة ، ومضى كلٌّ في سبيله حاملاً مع ضحكتنا التي بقيت ترن في جنبات باب الجسر العتيق .
توالت رحلاتنا بعد ذلك اليوم إلى الموصل .. كنا نكرر الزيارة كل أسبوعين أو ثلاثة .. نطوف بالبرنامج ذاته .. نقتفي أثر الكتب ، ونستعيد الأحاديث ذاتها على الطريق الممتد بين دهوك والموصل .. لم نكن ندرك أن تلك الصورة ودعابة الشاب العابر كانت ترسم مظلة النهاية لأجمل الفصول .
لم تمضِ سنة كاملة على تلك الرحلة حتى خطف القدر صديق الروح وتوأم الأيام .. رحل الأستاذ الدكتور عبد الفتاح البوتاني ، وترَكنا نتحسس بقايا خطواته في شوارع الموصل وأروقة مكتباتها .. رَحَلَ ليترك في قلوبنا غصة ، وفي ذاكرتنا صورة تذكارية عند باب الجسر العتيق ، أضحت شاهدة على صدقِ نبوءةٍ قيلت على سبيل المزاح ، وعلى رحيل عاشقٍ غادر دُنيانا ، وظل أسمه منقوشاً في تاريخ الموصل وفي قلوب أحبته إلى الأبد .