شقاوات كركوك قديماً

ياسين الحديدي

طلب مني أخي وصديقي الدكتور حسين أبو سعود، المغترب في لندن، أن أكتب عن شقاوات كركوك قديماً، وهو الذي ترعرع في مدينة كركوك، ولا سيما في منطقتي القورية وجرت ميدان، ودرس في مدارسها، ويحمل في ذاكرته الكثير من الذكريات الجميلة عن طفولته وشبابه.

وصل الدكتور حسين إلى كركوك بعد مغادرته النجف الأشرف بسبب ظروف عمل والده، واختارت عائلته كركوك مستقراً لها. ومنذ ذلك الوقت ارتبط بها ارتباطاً عاطفياً عميقاً، فظل يحمل لها الحب والعشق والحنين حتى بعد اغترابه. وقد كتب عنها كثيراً، وهو الكاتب والمؤرخ والأستاذ الذي ما زال يحن إلى مرابعها، ويتذكر تجواله في أزقتها، ولا سيما سوق القورية، والسينمات والمساجد، وشخصياتها البارزة.

وليس لي إلا أن أحييه وأشاركه بعضاً من غربته التي امتدت به سنوات طويلة، وأن أستعيد معه جانباً من تاريخ هذه المدينة وشخصياتها التي بقيت حاضرة في ذاكرة أهلها.

وأشير هنا إلى أن المصادر المتعلقة بهذا الموضوع قليلة جداً، إلا أن بعض أبناء كركوك الأوفياء والمهتمين بتاريخ مدينتهم تابعوا الموضوع، واستطاعوا الحصول على بعض المعلومات من أحفاد أولئك الأشخاص، ومن بينهم الدكتور إبراهيم، رحمه الله، في كتابه «بانوراما التاريخ»، فضلاً عن بعض الإخوة والمهتمين الذين نشروا معلومات وصوراً في صفحات التواصل الاجتماعي.

ظاهرة الشقاوات في العراق

كانت «الشقاوة» ظاهرة اجتماعية عُرفت في العراق، ولا سيما خلال العقود التي تلت الاحتلال البريطاني. وقد ارتبطت صورة الشقاوة، في بعض الروايات الشعبية، بالقوة والغيرة والنخوة والدفاع عن أبناء المحلة، فيما ارتبطت لدى آخرين بأعمال العنف والجريمة وفرض النفوذ.

وكان بعض الشقاوات يرون أنفسهم مدافعين عن مناطقهم وأهلها، ويقفون إلى جانب الضعفاء والفقراء، ويتمسكون بقيم الجيرة والنخوة والرجولة. وفي المقابل، ظهر نوع آخر استُخدمت قوته من قبل بعض أصحاب النفوذ والمصالح، مقابل المال أو الحماية أو فرض السيطرة على الآخرين.

وقد اتخذت السلطات العراقية في سبعينيات القرن الماضي إجراءات قاسية بحق عدد من الشقاوات، بينما استغل بعضهم لاحقاً كواجهات للقوة والنفوذ من قبل جهات سياسية مختلفة، بحسب ما ترويه المصادر والروايات الشعبية.

شقاوات كركوك

كان الشخص الذي يُطلق عليه لقب «شقاوة» يُعرف، في الذاكرة الشعبية، بقابليته على المنازلة واعتماده على قوته الجسدية، وعدم خوفه من الآخرين. وكان يمشي في الشارع بثقة وهيبة، واضعاً سترته على كتفه، ولا يقبل الإهانة أو التحرش من أي شخص.

وكان شقاوات كركوك، وفقاً للروايات المتداولة، يُنظر إلى بعضهم بوصفهم درعاً واقياً للمحلة وأبنائها ونسائها أمام المعتدين والطامعين، ولا سيما أولئك الذين لا يعيرون اهتماماً لحرمة المحلة وصيانة كرامة سكانها.

ويمكن تقسيم الشقاوات، وفقاً للروايات الشعبية، إلى نوعين رئيسيين:

أولاً: شقاوات النخوة

وهم الذين كانوا يسعون إلى نشر الأمن وحماية أبناء المنطقة، ونصرة الضعيف، والوقوف بوجه المعتدين والأشرار. وكانوا يلتزمون بمجموعة من القيم الاجتماعية، مثل احترام الذات والجيرة وأبناء المنطقة.

وكان بعض عامة الناس يطلقون عليهم تسميات شعبية مثل «باوالار» أو «أبو جاسملر».

ثانياً: شقاوات الإجرام

وهم الذين ارتبطوا، بحسب الروايات، ببعض أصحاب الأموال والنفوذ، حيث كان بعض الأغنياء يدفعون لهم المال مقابل الحماية أو تخويف أهل المنطقة وإجبارهم على طاعتهم، ولذلك أُطلق على بعضهم وصف «شقاوات الإجرام».

رجال الليل

وكان هناك أيضاً أشخاص يُعرفون في الذاكرة الشعبية باسم «رجال الليل»، أو كما كان يطلق عليهم في اللهجة المحلية «ﮜه جه آدامي/ إيـﮜيد». وكان بعضهم يرغب في أن يُعرف بلقب «أيـﮜيد» بين أهالي كركوك.

وتروي بعض الروايات أنهم كانوا يشاركون السراق في سرقة البيوت، رغم أن بعضهم كان ميسور الحال، وكان الدافع لدى البعض هو استعراض القوة وإثبات الرجولة والتفاخر بذلك.

وفي المقابل، كان هناك أشخاص لا يُصنَّفون بالضرورة ضمن الشقاوات، لكنهم كانوا معروفين بالغيرة والنخوة والرجولة، والحرص على حرمة البيوت وحماية أبنائها وبناتها، والدفاع عن سمعة منطقتهم وأهل مدينتهم وقوميتهم عند تعرضهم للاعتداء.

أسماء من شقاوات كركوك

ومن الأسماء التي توصلنا إليها، وفقاً للمعلومات والروايات المتداولة:

قد يعجبك ايضا