حين يتحول غذاء العراقي إلى سوقٍ للغش

نبيل عبد الأمير الربيعي

لم يعد الغش في المواد الغذائية مجرد مخالفة تجارية يمكن التعامل معها بإجراء إداري عابر، بل أصبح، حين يتعلق بغذاء الإنسان وصحته، اعتداءً على حق أساسي من حقوق المواطن، وانتهاكاً للأمانة المهنية والأخلاقية. ومن أخطر صور هذا الغش ما يُثار بين حين وآخر بشأن مصادر اللحوم التي تصل إلى موائد العراقيين، وطريقة ذبحها وخزنها وتسويقها، وما إذا كانت مطابقة للشروط الصحية والقانونية أم لا.
فاللحوم مادة غذائية سريعة التأثر بالفساد والتلوث، وأي تهاون في فحصها أو حفظها أو نقلها قد يحولها من غذاء إلى مصدر للخطر. وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تُباع لحوم مجهولة المصدر على أنها محلية، أو تقدم لحوم مستوردة على أنها عراقية، أو تستخدم عمليات الفرم والتتبيل والخلط لإخفاء طبيعة المادة الأصلية أو آثار فسادها.
وهنا لا يتعلق الأمر بخلاف على السعر أو المنشأ فحسب، وإنما بحق المواطن في أن يعرف ماذا يأكل، ومن أين جاءت المادة الغذائية التي يدفع ثمنها، وهل خضعت للفحص البيطري والصحي قبل وصولها إلى مائدته؟
لقد كان وجود الرقابة البيطرية على عمليات الذبح، وفحص الحيوانات واللحوم، ووضع الأختام الرسمية التي تثبت صلاحية الذبيحة للاستهلاك، يمثل إحدى حلقات الحماية الأساسية للمستهلك. وقد يختلف الناس في تقييم أداء المؤسسات في مراحل تاريخية مختلفة، لكن المبدأ نفسه لا خلاف عليه: اللحوم التي تصل إلى المواطن ينبغي أن تكون خاضعة لفحص رسمي يمكن التحقق منه وتتبع مصدرها.
أما أن تتحول بعض الأسواق أو المطاعم أو محال القصابة إلى حلقات مغلقة لا يعرف المستهلك فيها مصدر اللحم ولا طريقة ذبحه ولا ظروف نقله وخزنه، فذلك يفتح الباب أمام التلاعب والغش، ويمنح ضعاف النفوس فرصة لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب صحة الناس.
والأخطر من ذلك أن ارتفاع سعر الوجبة أو شهرة المطعم لا يمثلان بالضرورة ضماناً لجودة المادة المستخدمة فيها. فالمستهلك يدفع أحياناً ثمن الاسم والمكان، وهو يعتقد أنه يحصل على مادة غذائية ذات نوعية عالية، بينما لا يستطيع في الواقع التأكد من مصدر اللحم الذي وُضع أمامه.
ومن هنا تأتي مسؤولية الدولة، لا بوصفها جهة رقابية فقط، وإنما باعتبارها الحارس الأول لسلامة الغذاء. فالمطلوب ليس حملات تفتيش موسمية تظهر بعد انتشار شائعة أو وقوع حادثة، ثم تختفي، وإنما منظومة رقابة مستمرة تبدأ من الحيوان قبل الذبح، وتمتد إلى المجزرة، ثم النقل والتخزين والأسواق والمطاعم، وصولًا إلى الطبق الذي يقدم للمستهلك.
كما أن مواجهة الغش لا ينبغي أن تقتصر على مصادرة اللحوم وإغلاق المحال المخالفة، بل تحتاج إلى نظام تتبع واضح يتيح معرفة مصدر كل شحنة لحوم، ومكان ذبحها، والجهة التي فحصتها، وظروف نقلها وخزنها. وينبغي أن تكون البيانات الأساسية المتعلقة بالمنشأ والفحص متاحة للجهات الرقابية وقابلة للتحقق، بما يقلل مساحة التلاعب ويجعل المسؤولية محددة.
ولا بد أيضاً من تشديد العقوبات على من يثبت تعمده بيع لحوم فاسدة أو مجهولة المصدر، أو تضليل المستهلك بشأن نوعها أو منشئها. فالغش في الغذاء ليس مخالفة تجارية عادية؛ إنه سلوك يمكن أن يعرّض حياة الناس وصحتهم للخطر، ولذلك ينبغي أن تكون مساءلته متناسبة مع خطورته.
إن المشكلة لا تكمن في اللحوم المستوردة بحد ذاتها، فاستيراد الغذاء أمر طبيعي في كثير من البلدان، وإنما تكمن في غياب الشفافية والغش في المنشأ والمواصفات. فإذا كانت اللحوم المستوردة مطابقة للشروط الصحية والقانونية، فيجب أن تُباع للمواطن بوضوح على أنها مستوردة، لا أن تُخلط بغيرها أو يجري تقديمها على أنها محلية بهدف رفع السعر وتحقيق ربح غير مستحق.
كما أن حماية المستهلك مسؤولية مشتركة. فصاحب المطعم أو القصابة مطالب بالأمانة، والطبيب البيطري مطالب بأداء واجبه المهني، والجهة الرقابية مطالبة بالمتابعة والمحاسبة، والمستهلك من حقه أن يسأل عن المصدر والفحص والسعر والنوعية، وأن يبلغ عن حالات الغش بدل أن تتحول الشكوى إلى حديث عابر في المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجتمع هو أن يصبح الربح معياراً وحيداً، بينما تتراجع قيمة الضمير. وعندما يدخل الجشع إلى مهنة تتصل مباشرة بصحة الإنسان، فإن الخطر لا يعود اقتصاديًا فحسب، بل يصبح أخلاقيًا وإنسانيًا.
الغذاء ليس سلعة عادية؛ إنه حق يمس حياة الإنسان مباشرة. ولذلك فإن حماية مائدة العراقي تبدأ من حماية سلسلة الغذاء كلها، من الحظيرة والمجزرة إلى السوق والمطعم. وما نحتاجه ليس المزيد من البيانات والتطمينات، وإنما رقابة حقيقية، وفحصًا علميًا، وتتبّعًا للمصدر، وشفافية في البيع، ومحاسبة لا تستثني أحداً.
فالمواطن العراقي لا يطلب معروفاً حين يريد أن يعرف ماذا يأكل؛ إنه يطالب بحقه الطبيعي في غذاء آمن، وبحقه في أن تكون الأمانة جزءًا من كل لقمة توضع على مائدته.
ومن زاوية أخرى، تبرز قضية اللحوم المحرّمة شرعاً، وهي مسألة لا يمكن فصلها عن حق المستهلك في المعرفة والاختيار. فالمواطن الذي يحرص على الالتزام بأحكام دينه من حقه أن يطمئن إلى أن اللحم الذي يشتريه أو يتناوله قد جرى ذبحه وفق الضوابط الشرعية، وأن مصدره ونوعه معلومان بوضوح. وتزداد خطورة الأمر عندما تخفى طبيعة اللحوم أو تفرم وتخلط بالتوابل وغيرها بحيث يتعذر على المستهلك التعرف إلى حقيقتها. إن تقديم لحم محرم على أنه لحم حلال لا يمثل غشاً تجارياً فحسب، بل يشكل أيضاً اعتداءً على قناعة دينية وخيار شخصي للمستهلك؛ ولذلك ينبغي أن تكون الجهات المختصة أكثر صرامة في التحقق من نوع اللحوم ومصدرها وطريقة ذبحها، وأن تلزم المطاعم ومحال بيع اللحوم بالإفصاح الواضح والدقيق عن طبيعة ما تقدمه.

قد يعجبك ايضا