اللبن المر – قصة قصيرة (مستوحاة من أحداث حقيقية)

د أميمة منير جادو

الوقت ثقيل جدا.
كانت تحاول أن تُرضع صغيرها منذ أكثر من ساعة.
كلما وضعته على صدرها، فتح فمه الصغير، والتقم حلمةً لم يعد يخرج منها شيء، ثم أخذ يصرخ.
صرخةً طويلةً، متقطعة، جائعة.
هزّته في حضنها….بدّلت له وضعه.
قامت ومشت به في الغرفة.
جلست…قامت..عادت إلى السرير.
وضعت أصابعها المرتجفة على صدرها وضغطت برفق، كأنها تستجدي جسدها:
«أعطِه شيئًا… أي شيء.»
لكن صدرها كان جافًّا…جافًّا كقلب البيت.
انحنت على طفلها وقبّلته، وقالت وهي تحاول أن تخفي بكاءها:
— سامحني يا صغيري.
لم تكن تعرف لماذا اعتذرت إليه؟
هو الذي كان ينبغي أن يعتذر له الجميع.
كان طفلًا لم يعرف من الدنيا شيئًا بعد، ومع ذلك كان قد تعلّم الجوع قبل أن يتعلم الكلام.
بكى٠٠٠وبكت معه.
وفي الغرفة المجاورة كان أبوه مستيقظًا.
لم يأتِ؛ و لم يسأل؛ ولم يقل حتى: «ما به الطفل؟»
كان الهاتف في يده، والضوء الأزرق المنبعث من شاشته يضيء نصف وجهه.
أما النصف الآخر، فلم تكن تعرف أين ذهب.
منذ عام كامل، كان زوجها يعيش معها في الشقة نفسها، لكنه لم يعد زوجها إلا في بطاقة الزواج.
غرفة له؛ وغرفة لها.
طعام له؛ وطعام لها.
صمت له؛ وصمت لها.
حتى الليل، الذي كان يفترض أن يجمع بين زوجين تحت سقف واحد، صار يمرّ فوق البيت باردًا، طويلًا، لا يترك وراءه إلا صوت أنفاس متقطعة من غرفة، وصوت بكاء مكتوم من غرفة أخرى.
في الليلة الأولى من الهجر، ظلت مستيقظة حتى الفجر.
كانت تنتظر أن يفتح الباب؛ أن يدخل؛ أن يقول أي شيء.
حتى لو كان غاضبًا؛ حتى لو تشاجرا.
كانت تفضّل خصامًا له صوت على هذا الصمت الذي يشبه الموت.
وحين طال الليل، قامت من فراشها، وقفت أمام باب غرفته، ورفعت يدها لتطرق؛ لكنها ترددت قليلا ؛ ثم طرقت أخيرًا.
-لم يجب.
طرقت مرة ثانية؛ فجاءها صوته من الداخل:
— ماذا تريدين؟
قالت:
— أريد أن نتكلم.
— ليس بيني وبينك كلام.
— ولكننا زوجان.
ساد صمت قصير.
ثم قال:
— أنا قرفان منك.
عادت إلى غرفتها؛ أغلقت الباب؛. وجلست على الأرض.
لم تبكِ في البداية.
كانت الكلمة أكبر من البكاء.
ظلت تحدق في الفراغ، تتكرر الكلمة في رأسها رغما عنها :
«قرفان منك.»
ثم جاءت دموعها دفعة واحدة، كأن شيئًا في داخلها قد انكسر ولم يعد هناك ما يمنع الماء من الخروج.

في الأيام التالية، حاولت كل شيء.
تحدثت إليه بالحسنى؛ اعتذرت عما لا تفهمه ؛ سألته عن الخطأ الذي ارتكبته في حقه دونما تدري ؛ بكت…غضبت….صرخت.
ثم عادت فاعتذرت عن صراخها.
كانت تضع الطعام أمامه، ثم تقف بعيدًا تراقبه.
وحين لا يأكل معها، كانت تأكل وحدها.
في البداية كانت تطهو ما يحبه.
ثم صارت تطهو ما يكفي للأطفال.
ثم وصلت إلى مرحلة تطهو فيها لنفسها شيئًا سريعًا، وتأكل واقفة في المطبخ.
لم تكن المشكلة في الطعام.
كان الطعام مجرد ستارة يتخفى وراءها شيء أكبر.
كان يريد أن يعاقبها.
ولم تكن تعرف متى سينتهي العقاب…قال لها ذات يوم:
— أنتِ خادمة.
نظرت إليه.
قال:
— اجلسي في البيت مثل الكرسي.
كانت الكلمة أشد عليها من الضرب.
فالكرسي لا يبكي.
والكرسي لا يحتاج إلى كلمة طيبة.
والكرسي لا ينتظر أن يمد أحدهم يده إليه حين يسقط.
—–
مرّ شهر ؛ ثم شهر آخر ؛ ثم ثالث.
وكانت كلما استيقظت صباحًا تقول لنفسها:
«ربما يتغير اليوم.»
ثم يأتي المساء، ولا يتغير شيء.
ومع مرور الوقت، لم تعد تنتظر…. وبدأت تتعلم كيف تعيش من دون زوج… ليس لأنها أرادت ذلك.
بل لأن الإنسان يتعلم أحيانًا التعايش مع ما لا يستطيع تغييره…
كانت تنام إلى جوار طفلها…تستيقظ معه….تطعمه…تنظفه.
تذاكر للأكبر…تطبخ…تنظف….تعمل.
ثم تضع رأسها على الوسادة في الليل، فتكتشف أنها لم تتحدث طوال اليوم مع شخص بالغ حديثًا حقيقيًّا.
كانت محاطة بالبشر، ومع ذلك وحيدة.
وحيدة إلى الحد الذي يجعلها تتمنى أحيانًا أن يمسك أحدهم يدها فقط….لا أكثر….يدًا على يد…
وكلمة: «لقد تعبتِ.»
لم تخبر أهلها.
كانت تخاف من السؤال الذي سيأتي بعد الحكاية:
«وماذا فعلتِ أنتِ؟»
فكانت تخفي كل شيء…سبعة أشهر كاملة.
سبعة أشهر وهي ترتدي وجهًا عاديًّا أمام الناس، وتخلع وجهها حين تغلق باب غرفتها.
حتى جاء اليوم الذي لم تستطع فيه أن تحمل نفسها أكثر.
ذهبت إلى أهلها.
وحين رآها أبوها، لم تسأله شيئًا….فقط قالت:
— أنا تعبت.
وكانت تلك الجملة كافية….خرج كل ما أخفته سبعة أشهر.
وحين علم أهله، تدخّلوا…كثرت الوعود….قالوا لها:
«سيفتح صفحة جديدة.»
وصدقت…ليس لأنها ساذجة.
بل لأن المرأة حين تتعب لا تبحث عن المستحيل؛ تبحث عن باب صغير تستطيع أن تدخل منه إلى يوم عادي.
عادت… وفي اليوم نفسه قال لها:
— لا تظني أنني كنت سأذهب لأعيدك.
نظرت إليه.
— لماذا أعدتني إذن؟
قال:
— من أجل الأولاد.
فهمت…الأطفال هم الذين أعادوه إليها.
أما هي، فلم يُعدها أحد.
حملت بعد ذلك.
كان الحمل ثقيلًا.
وفي الشهور الأخيرة، كانت تتمنى أحيانًا أن تجد رأسًا تضع عليه رأسها…لكنها لم تجد.
وحين جاء يوم الولادة، كان موجودًا.
جسدًا….فقط.
لم يكن غائبًا عن المكان، لكنه كان غائبًا عنها.
وفي تلك اللحظة أدركت أن الغياب ليس أن يسافر الرجل بعيدًا.
قد يكون أن يجلس بجوارك ولا يراك.
ثم ماتت أمه.
وحين رأته منكسرًا، نسيت كل ما فعله بها.
قالت: «الموت أكبر من خلافاتنا.»
وقفت إلى جواره… وقفت إلى جوار أبيه…وقفت مع إخوته.
كانت تطهو الطعام، وتصعد به وتهبط.
وكان بيت أبيه مفتوحًا طوال النهار.
أطفال أخواته يأتون…يجوعون…يأكلون…يلعبون.
ثم يتركون خلفهم الأطباق والفوضى.
وكانت هي تبدأ من جديد.
تطبخ في بيتها…وتحمل الطعام إلى الأسفل.
ثم تعود لتغسل….وتحمل طفلها الرضيع…وتعمل…وتطهو.
وتنفق من راتبها ومالها الخاص.
وفي نهاية اليوم كانت تشعر أن جسدها لم يعد ملكها.
صار مجرد أداة للعمل.
وفي بعض الليالي كانت تجلس أمام طبقها، وتنظر إلى الطعام طويلًا.
كانت جائعة…جائعة جدًا…لكنها لا تأكل.
كانت تعرف أن عليها أن توفر ما يكفي للصباح.
وفي الصباح كانت تطهو قدرًا جديدًا.
قالت له ذات يوم:
— المال لا يكفينا.
أجاب دون أن يرفع عينيه:
— عيشي على قدّك.
كادت تضحك.
أي «قدّ»؟
قدّ المرأة التي تطهو لطفليها؟
أم قدّ الأطفال الذين يأتون كل يوم؟
أم قدّ البيت الذي صار بيتين؟
قالت:
— أنا أعيش على قدّي. لكنني لم أعد أطهو لبيتنا وحده.
قال:
— لا تمنّي عليّ.
لم تكن تمنّ عليه…كانت تطلب أن يراها…فقط.
أن يلاحظ أنها امرأة لها جسد يتعب…ولها معدة تجوع…ولها قلب ينهار.
وفي أحد الأيام، بعد أن انتهت من إعداد الطعام، جلست على الأرض…كان ظهرها يؤلمها.
رضيعها يبكي.
والطفل الآخر يطلب شيئًا.
وقدور الطعام تحتاج إلى غسل.
نظرت إلى يديها.
كانت رائحة البصل والثوم والطعام عالقة فيهما.
تذكرت أنها منذ الصباح لم تأكل…
قامت.
أعطت الطعام للأطفال…ثم دخلت غرفتها…وأغلقت الباب.
وبكت.
بكت بصمت حتى شعرت أن رأسها سيفقد توازنه.
لم تكن تريد الطلاق في تلك اللحظة.
كانت تريد زوجًا…زوجًا فقط…رجلًا يقول لها:
«تعالي، ارتاحي.»
رجلًا يحمل طفلًا من ذراعيها.
رجلًا يسألها: «هل أكلتِ؟»
رجلًا يشعر أنها زوجته وليست خادمة مجانية في بيت العائلة…لكنها لم تجد الرجل.
ثم جاء الرضيع.
ومعه بدأت النهاية الحقيقية.
كان يبكي كثيرًا….وكانت تحاول إرضاعه.
وفي الأيام الأولى لم تلاحظ شيئًا.
ثم قلّ اللبن…ثم قلّ أكثر.
حتى جاء ذلك الصباح الذي حملت فيه طفلها وظلت تحاول إرضاعه، بينما هو يصرخ من الجوع.
عندها فهمت.
لم يجفّ صدرها وحده.
لقد جفّ فيها شيء منذ زمن.
في المساء قالت لزوجها:
— طلّقني.
رفع عينيه إليها.
— اتركي الأولاد.
— لن أتركهم.
— إذن لن أطلقك.
— أنت لا تحبني.
— ومن قال إنني أحبك؟
نظرت إليه.
كانت هذه المرة هادئة.
قالت:
— وأنا لم أعد أطلب حبك.
ثم سكتت قليلًا.
— أطلب فقط أن تتركني أعيش.
اقترب منها وقال:
— إذا خرجتِ بالأولاد سأقتلك.
شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
لم يكن التهديد هذه المرة كلمة عابرة.
كان شيئًا أثقل.
شيئًا جعلها تنظر إلى طفليها، ثم إلى الباب.
في تلك الليلة لم تنم.
جلس طفلها الأكبر إلى جوارها.
كان نائمًا، واضعًا رأسه على فخذها.
والرضيع في حضنها…ظلت تنظر إليهما….ثم إلى زوجها.
كان مستلقيًا في الغرفة الأخرى….هادئًا….كأن شيئًا لم يحدث….فكرت:
كيف يستطيع أب أن ينام، وطفله جائع؟
كيف يستطيع زوج أن يرى زوجته تنهار ولا تمتد يده؟
كيف يتحول البيت إلى مكان تخاف فيه المرأة من الرجل الذي يفترض أن يحميها؟
ثم تذكرت بيت أهلها.
كل أسبوع كانت تذهب إليهم.
وحين تصل، كانت تشعر أن روحًا خفية تنفخ فيها الحياة من جديد…تضحك…تتكلم…تخرج.
تنام دون أن تسمع الصمت نفسه.
ثم يحين موعد العودة.
وفي الطريق إلى القرية كانت تشعر أن صدرها يضيق شيئًا فشيئًا…كانت تعرف ما ينتظرها.
المطبخ…الأطفال….الأطباق…الغرفة الباردة…الرجل الذي يسكن معها ولا يراها..
والليل الطويل…البارد.
في الصباح، استيقظ الرضيع باكيًا.
حملته….حاولت إرضاعه مجددا …لم يخرج شيء.
رفع وجهه الصغير إليها، وواصل البكاء.
وضعت إصبعها على فمه.
ثم ضمته إلى صدرها.
وقالت:
— لا تبكِ يا حبيبي.
لكن صوتها كان يرتجف؛ لم يكن في البيت أحد يسمعها.
أو ربما كان الجميع يسمع؛ لكن أحدًا لم يعد يرى.
رفعت عينيها إلى المرآة.
رأت امرأة شاحبة، بعينين غائرتين، وشعر منكوش، وملابس لا تعرف متى ارتدتها.
حدقت فيها طويلًا؛ ثم سألتها في سرها:
«أين ذهبتِ؟»
لم تجب المرأة.
فقد كانت تقف أمامها منذ زمن، لكن أحدًا لم يسألها هذا السؤال.

وضعت طفلها في فراشه؛ ثم دلفت إلى المطبخ.
كان هناك قدر كبير من الطعام ينتظرها.
طعام يكفي بيتًا كاملًا؛ وقفت أمامه.
وضعت يدها على حافة القدر؛ وفجأة شعرت أنها لا تستطيع أن تبدأ.
لأول مرة منذ سنوات، لم تطع المطبخ.
لم تطع الزوج…لم تطع أهل الزوج…لم تطع الأطفال.
فقط وقفت…وبكت.
ثم سمعت من الغرفة صوت طفلها…ركضت إليه.
حملته…وضمته.
وكان جائعًا.
فقالت وهي تبكي:
— لن أتركك.
لم تكن تعرف كيف ستخرج..ولا متى…ولا إلى أين.
كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط: أنها أم.
وأن هذا الطفل لا يحتاج إلى أمٍّ تموت واقفةً في المطبخ.
يحتاج إلى أمٍّ تبقى حيّة.
وخارج النافذة كانت القرية تستيقظ كأن شيئًا لم يحدث.
بيوت تفتح أبوابها.
نساء يبدأن إعداد الإفطار.
أطفال يركضون في الأزقة.
ورجال يذهبون إلى أعمالهم.
وكان في واحد من تلك البيوت طفل جائع، وأمٌّ جفّ حليبها من كثرة البكاء، وأبٌ ينام في الغرفة المجاورة.
بيتٌ واحد.
لكن المأساة لم تكن واحدة.
كانت هناك بيوت أخرى كثيرة.
أبوابها مغلقة.
وخلف كل باب امرأة تقول في سرها:
«أنا أيضًا تعبت.»
ثم تضع يدها على فمها حتى لا يسمعها أحد.
——-
تمت بحمد الله

قد يعجبك ايضا