لندن: مجيد السيد موسى الهماشي
احتفى سبعة وعشرون ألف عراقي بدخول شركة آبل إلى السوق العراقية رسميًا.
لليلة واحدة، بدا مول العراق وكأنه مول دبي. هواتف تلمع، أطفال يلتقطون الصور، وخدمة Apple Pay تعمل أخيرًا في العراق. شعرنا للحظة أننا طبيعيون.
وكان يجب أن نشعر بالغضب.
لا من شركة آبل، بل مما أثبتته لنا.
أثبتت آبل أنه عندما يضع العراق معيارًا للأداء، تأتيه مهرولة أكبر شركة في العالم.
وأثبتت أننا طوال خمسة عشر عامًا كنا ندفع ثمن خطأ فادح… وإهمال جسيم.
كنا ندفع ثمن الورق، لا ثمن النور.
اسمها: عقود الخدمة. TSC. كلمتان أبقتانا في الظلام.
عقود الخدمة تعني أننا ندفع للشركات النفطية الأجنبية عن كل برميل نفط يستخرجونه، لكننا رفضنا، وما زلنا نرفض، أن ندفع لهم فلسًا واحدًا عن الغاز المصاحب. وتجميعه وتكريره يكلف مليار دولار إضافي، لا تسمح عقود الخدمة بتعويضهم عن تلك الكلف الباهظة، فيحرقونه لتوفير المليار. نحن من نعطيهم عود الثقاب ليحرقوا ثرواتنا.
دعني أترجمها إلى لغة المراجعين في دوائر الدولة العراقية.
تذهب إلى دائرة الجنسية، وتقول للمعقّب: “حبيبي، سأدفع لك عشرة آلاف دينار عن كل كتاب رسمي تطبعه، وكل ختم تختمه. أما إذا أنجزت المعاملة فعلًا وأعطيتني البطاقة الموحدة، فلن أدفع لك قرشًا واحدًا.”
ماذا سيفعل هذا المعقّب العبقري؟
سيطبع ألف كتاب في اليوم. سيختم حتى تتخدر يداه. وسيصبح طول ملفك بارتفاع برج بغداد!
ولن تستلم بطاقتك الوطنية أبدًا.
هذا بالضبط ما فعلناه بقطاع الغاز.
من ينتج ملفات أكثر، ندفع له أكثر. لا حديث عن الإنتاج الحقيقي.
قلنا للشركات العملاقة: احفروا الآبار واستخرجوا النفط، واكتبوا لنا تقارير جميلة، منمقة، تبدأ بمعاليكم وتختتم بجنابكم، مليئة بالإطراء المرهف كل شهر، وسندفع لكم أجور استخراج النفط الخام فقط.
أما أنت، أيها المواطن، فالغاز الذي يشغّل ثلاجتك ومكيّفك وجهاز تنفس ابنتك؟
فلا، هذا ليس في الكتاب. هذا لا ندفع عنه فلسًا واحدًا لكم.
فماذا فعلت الشركات؟
طبعوا الكتب، وأحرقوا الغاز.
لم يشهد العراق جريمة بهذا الحجم منذ أحرق هولاكو كتب بغداد عام 1258.
2.8 مليار دولار سنويًا يحترق في سماء كركوك والبصرة وواسط وميسان. نور الغاز العراقي الساطع يرتفع لعنان السماء، لدرجة أن وكالة ناسا تراه من الفضاء!
ثم نأخذ الـ2.8 مليار دولار التي أحرقناها، ونضيف عليها 4 مليارات أخرى، ونسلمها لتاجر ورث الحرفة عن أجداده على طريق الحرير، يبيعنا كهرباء مصنوعة من غازنا. إنه ذكي، ونحن الحمقى.
ندفع ثمن غازنا مرتين: مرة لنحرقه، ومرة لنشتريه.
6.8 مليار دولار. تذهب هباءً، ثمنًا للورق المطبوع.
كسرنا هذه اللعنة مرتين فقط. وفي المرتين، انتصر العراق.
المرة الأولى: عام 2012 مع شركتي شِل وميتسوبيشي.
حين قال رجل ما في وزارة النفط: كفى. نؤسس شركة غاز البصرة BGC. ونكتب جملة واحدة في العقد تخص الكهرباء: لن ندفع لكم مقابل الورق. سندفع لكم مقابل كل قدم مكعب من الغاز يضيء بيوت العراقيين.
بين ليلة وضحاها، تغيّر كل شيء. توقفت شركة شِل عن طباعة الكتب والمراسلات، وبدأت بالبناء. أنفقت 17 مليار دولار من أموالها، وليس من أموالنا، وبنت أنابيب ومحطات. انخفض الحرق بنسبة 86%. ارتفع الغاز من الصفر إلى مليار قدم مكعب يوميًا. غاز حقيقي، لناس حقيقيين.
لا قانون جديد. جملة واحدة فقط: “الدفع مقابل الأداء.”
المرة الثانية: الشهر الماضي. لقد أتت شركة آبل.
نفس القصة، في بناية أخرى. وضعت الحكومة معيارًا واضحًا للاقتصاد الرقمي. لا مزيد من الورق. حقق المعيار، قدّم خدمة حقيقية، وستحميك الدولة العراقية وتدفع لك.
قرأت آبل صفحة واحدة من المعايير، لا ألف كتاب من البيروقراطية. قالت آبل: نعم، سنحققها. ثم وقّعت، وجاءت.
احتفى 27 ألف عراقي لأننا دفعنا لشركة جاءت لتعمل، لا لتطبع الكتب لتبرر وظائف الطوابير غير المنتجة.
غاز البصرة وآبل هما القصة نفسها، بفارق عشر سنوات:
ضع معيارًا للإنتاج، يأتيك العملاق.
ادفع مقابل الورق، ينطفئ النور.
نعم، شبكة توزيع الكهرباء متهالكة. أسلاك من الثمانينيات تسرّب الطاقة، والآن عدنا لزمن الصهاريج؛ ننقل النفط من حقل إلى ميناء، ومن محافظة إلى أخرى، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، وكأننا في عام 1980، وننقله إلى بانياس وكأننا في عام 1920، ونحرق الغاز كأننا في عام 1950، ثم نتحدث عن التحول الطاقي.
نشتري خرطومًا جديدًا ونحن نهدر الماء في الرمال؟
أوقفوا الهدر وستجدون الـ4 مليارات دولار لشراء الخرطوم الجديد.
والمفارقة القاتلة: نحن نحرق غازًا بـ4 مليارات دولار في سماء العراق، ثم نحتفل بوصول طائرة من نيويورك تحمل لنا “نصف مليار” دولار من نفس عائدات نفطنا.
نحرق الثروة لنستجديها نقدًا من واشنطن لدفع الرواتب.
الخرطوم ليس مثقوبًا فقط، بل يصب في خزان غيرنا.
الأمر يحتاج كلمتين. ليس قانونًا. ليس لجنة. كلمتين على ورقة من مكتب رئيس الوزراء، نفس المكتب الذي جاء بشركة آبل:
كفى عقود خدمة للغاز.
ادفعوا مقابل العداد الذي يدور في بيتي، لا مقابل الكتاب الذي ينام في أدراج مكاتبكم.
لا نحتاج المزيد من الموظفين الذين ينتجون ملفات. نحتاج بناة ينتجون غازًا.
27 ألفًا احتفوا بشركة آبل لأنها ستشحن هواتفهم.
46 مليونًا سيحتفون يوم ندفن عقود الخدمة لقطاع الغاز، لأنها ستشحن وطنهم.
• خبير شؤون الطاقة والاقتصاد – لندن