محمد علي محيي الدين
نصير كامل الجادرجي، سياسي ومحامٍ عراقي، ولد في بغداد سنة 1933، ونشأ في بيت ارتبط اسمه بتاريخ الحركة الديمقراطية العراقية، فهو نجل السياسي المعروف كامل الجادرجي، أحد أبرز دعاة النهج الديمقراطي في العهد الملكي وصاحب التجربة السياسية التي أسهمت في ترسيخ فكرة المعارضة الوطنية والعمل البرلماني. وقد كان لهذا الإرث العائلي أثر واضح في تكوين شخصية نصير، الذي لم يكتف بأن يكون شاهداً على تجربة والده، بل تحول مع مرور الزمن إلى أحد رواة مرحلة سياسية كاملة من تاريخ العراق الحديث.
أكمل نصير دراسته الأولى في بغداد، ثم تخرج في كلية الحقوق سنة 1962، واتجه إلى المحاماة، غير أن مكتبه لم يبق مجرد مكان لممارسة المهنة، فقد تحول إلى ملتقى للسياسيين والديمقراطيين والمثقفين ومحبي الرأي الحر، وإلى مساحة للنقاش حول قضايا العراق ومستقبله. وكان اهتمامه بالشأن العام قد بدأ مبكراً، إذ اقترب من والده وهو في الخامسة عشرة من عمره، وشهد عن قرب جانباً من الحياة السياسية التي عاشها كامل الجادرجي، الأمر الذي جعله يحمل ذاكرة شخصية عن أحداث وتحولات لم تكن متاحة لكثير من أبناء جيله.
انخرط نصير في النشاط الديمقراطي، ومال في شبابه إلى اليسار، وشارك في الحركة الطلابية العربية وعدد من المنظمات التي رفعت شعارات التحرر الوطني. كما كان عضواً في الهيئة المؤسسة للجنة العراقية للتضامن الآسيوي الأفريقي برئاسة محمد حديد، إلى جانب شخصيات سياسية معروفة مثل صديق شنشل وخدوري خدوري وروز خدوري. وقد جعلته مواقفه عرضة للملاحقة والاعتقال والسجن في مراحل مختلفة، ولا سيما خلال العهد الملكي، لكنه خرج من تلك التجارب أكثر تمسكاً بما كان يراه حقاً أصيلاً في الإنسان، وهو الحرية. ولذلك ارتبطت به عبارته التي ظل يرددها: «إني خلقت حراً»، وهي عبارة تختصر جانباً كبيراً من شخصيته وموقفه من السياسة والحياة.

ولم يكن انتماؤه السياسي منفصلاً عن تجربة والده، لكنه لم يكن مجرد وريث لاسمه أيضاً. فقد مارس العمل السياسي من موقعه الخاص، وعاش التحولات العراقية الكبرى، من وثبة كانون الثاني 1948 وانتفاضة 1952 وانتخابات 1954 إلى انتفاضة 1956 وثورة 14 تموز 1958 وما أعقبها من صراعات وانقلابات. وكان شديد الاهتمام بتوثيق تجربة والده، فجمع أوراقه ووثائقه ومذكراته، وأشرف على إصدار مذكرات كامل الجادرجي سنة 1970، ثم نشر أوراقه السياسية سنة 1971، مساهماً بذلك في حفظ جانب مهم من الذاكرة السياسية العراقية.
وتولى نصير لاحقاً الأمانة العامة للحزب الوطني الديمقراطي، الحزب الذي أسسه والده، وحاول الحفاظ على حضوره في الحياة السياسية العراقية، خصوصاً بعد عودة الحزب إلى النشاط العلني عقب عام 2003. ولم تكن مهمته سهلة، فقد كان عليه أن يحمل إرث حزب عريق في ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية شديدة الاضطراب، حتى إنه، مثل والده، تحمل أعباء مالية للحفاظ على استمرار الحزب ونشاطه.
وكان عام 2003 نقطة تحول جديدة في حياته، إذ اختير عضواً في مجلس الحكم العراقي الذي تشكل بعد سقوط النظام السابق، ثم أصبح عضواً في الجمعية الوطنية الانتقالية التي استمرت حتى نهاية 2005. وخلال هذه المرحلة دخل نصير الجادرجي في صلب النقاشات المتعلقة ببناء الدولة العراقية الجديدة، وكان معروفاً بمواقفه النقدية تجاه بعض الإجراءات التي رافقت مرحلة الاحتلال والإدارة المدنية، وبخاصة ما تعلق بحل الجيش وتقاعد العسكريين السابقين وبعض الممارسات التي أثارت اعتراضه.
وفي مذكراته التي صدرت سنة 2017، عاد الجادرجي إلى تلك المرحلة وإلى مراحل أقدم منها، مستعيداً الأحداث لا بوصفه مؤرخاً يقف خارجها، وإنما بوصفه شاهداً عاش بعضها وسمع بعضها الآخر من والده ومعاصريه. ولهذا اكتسبت المذكرات قيمة تتجاوز السيرة الشخصية؛ فهي تقدم قراءة وطنية ديمقراطية لتاريخ العراق خلال عقود طويلة، وتضع أمام القارئ شهادات عن شخصيات وأحداث ظلت موضع نقاش وجدل.
وقد تناولت جريدة التآخي في مقال جواد الديوان المنشور في 7 أيلول/سبتمبر 2025 بعنوان «ذكريات نصير الجادرجي الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي» جوانب من هذه المذكرات، مشيرة إلى أنها تستعيد سنوات الطفولة والشباب، وتفصل في أحداث وثبة 1948 وانتفاضتي 1952 و1956، وانتخابات 1954 وثورة 1958. ويظهر في هذه الصفحات نصير الشاب الذي كان يرى السياسة من خلال الحماسة والاحتجاج والمشاركة في المظاهرات، قبل أن تتحول التجربة مع الزمن إلى ذاكرة سياسية أكثر هدوءاً وعمقاً.
ومن أكثر ما يميز شهادته أنها لا تكتفي برواية الأحداث العامة، وإنما تتوقف عند التفاصيل الإنسانية التي تكشف طبيعة المجتمع السياسي في كل مرحلة. فهو يقارن، مثلاً، بين سلوك بعض المسؤولين في العهد الملكي وما جاء بعده، مستشهداً بموقف متصرف بغداد عبد الجبار فهمي من أزمة رهن منزل والده كامل الجادرجي، رغم الخلاف السياسي بين الرجلين. ويستخلص من الواقعة دلالة تتجاوز الحادثة ذاتها، مفادها أن الاختلاف السياسي لم يكن دائماً يعني إلغاء الخصم أو تجريده من حقوقه الإنسانية، وهي ملاحظة تحمل في داخلها نقداً للتراجع الذي رآه في أخلاقيات العمل السياسي العراقي خلال العقود اللاحقة.
ويتوقف الجادرجي مطولاً عند ثورة 14 تموز وما تلاها، وعند العلاقة المتوترة بين عبد الكريم قاسم وكامل الجادرجي، كما يقدم رؤيته لأحداث شباط 1963، وما رافقها من عنف وممارسات الحرس القومي. ولا يخفي انحيازه الفكري والسياسي، لكنه في الوقت نفسه يقدم شهادته باعتبارها جزءاً من تجربة عاشها العراق، وهو ما يمنح مذكراته قيمتها بوصفها وثيقة شخصية ذات دلالة سياسية.
أما مرحلة ما بعد 1991، فيختصرها الجادرجي في صفحات تستعيد آثار الحصار الاقتصادي ومعاناة العراقيين وتداعيات المرحلة الأخيرة من حكم حزب البعث، ثم ينتقل إلى أحداث ما بعد 2003، حيث كان عضواً في مجلس الحكم، وشهد بدايات تشكيل النظام السياسي الجديد، والصراعات حول طبيعة الدولة ودستورها وقضايا المرأة والفيدرالية والعلاقات العربية والإقليمية.
ومن الوقائع اللافتة في روايته تنازله عن رئاسة مجلس الحكم لمصلحة محسن عبد الحميد بعد إصرار الأخير على تولي الرئاسة، وهي واقعة رأى فيها الجادرجي دلالة على طبيعة التوازنات السياسية في تلك المرحلة. كما تناول قضية إلغاء القرار 137 المتعلق بالأحوال الشخصية، والذي أثار آنذاك مخاوف واسعة بشأن حقوق المرأة العراقية، فضلاً عن بدايات أعمال العنف والإرهاب واستشهاد ممثل الأمم المتحدة سيرجيو فييرا دي ميلو، ودور الأخضر الإبراهيمي في المرحلة الانتقالية.
ومن المواقف التي تكشف عن شخصيته أيضاً رفضه الذهاب إلى السجن لرؤية صدام حسين بعد إلقاء القبض عليه، مفضلاً الابتعاد عن مشهد التشفي والشماتة. وبغض النظر عن الموقف السياسي من صدام حسين، فإن هذا التصرف ينسجم مع الصورة التي حاول الجادرجي تقديمها عن نفسه طوال حياته: معارضاً سياسياً، لكنه لا يرى في الخصومة مبرراً للتخلي عن القيم الإنسانية.
كما تناولت مذكراته مشاركاته الرسمية، ومنها رئاسته وفداً اقتصادياً إلى بيروت، وترؤسه وفد العراق إلى القمة العربية في تونس، ومواقفه من علم العراق والفيدرالية وقانون إدارة الدولة، فضلاً عن ملاحظاته على التوازنات السياسية المتعلقة برئاسة الجمهورية والتحالفات الانتخابية. وكان نقده لمشاركة الحزب الوطني الديمقراطي في قائمة الائتلاف الوطني العراقي في انتخابات 2010 من الموضوعات التي عالجها بتفصيل، موضحاً خلفيات ذلك القرار وآليات الانضمام إلى القائمة.
وقد حظي نصير الجادرجي بتكريم من وزارة الثقافة تقديراً لدوره في المساهمة بإعادة عدد من لوحات كبار الفنانين التشكيليين العراقيين التي فقدت بعد عام 2003. وأشارت وزارة الثقافة، في مادة منشورة على موقعها في 24 كانون الثاني/يناير 2019، إلى هذا الجانب من نشاطه، وهو امتداد لاهتمامه بالتراث الثقافي العراقي وعدم حصر العمل الوطني في المجال السياسي وحده.
وتكشف المصادر التي تناولت سيرته، ومنها ما نشره الحزب الشيوعي العراقي في تعزيته بوفاة زوجته سنة 2020، وما نشرته جريدة الشرق الأوسط سنة 2003 حول تسمية الحزب الوطني الديمقراطي، فضلاً عن مواد وزارة الثقافة، عن شخصية ظلت حاضرة في المجال العام لعقود طويلة. كما أن ما كتبه جواد الديوان في «التآخي» سنة 2025 يضيء جانباً مهماً من قيمة مذكراته، بوصفها شهادة رجل عاش ثمانية عقود من تاريخ العراق، وشهد انتقاله من العهد الملكي إلى الجمهوريات والانقلابات والحروب والحصار ثم الاحتلال وبناء النظام السياسي الجديد.
وهكذا لم تكن مذكرات نصير الجادرجي مجرد سيرة لرجل سياسي، بل بدت محاولة لاستعادة العراق من خلال ذاكرة شخصية امتدت من طفولة في بيت سياسي إلى تجربة في المعارضة والعمل الديمقراطي، ثم إلى المشاركة في أكثر المراحل اضطراباً بعد 2003. وقد كان نصير، في هذا المعنى، أكثر من ابن كامل الجادرجي؛ فقد حمل ذاكرة والده، لكنه صنع لنفسه ذاكرة أخرى، وترك شهادته الخاصة على عراق متغير لم تتوقف أسئلته عن الديمقراطية والحرية والعدالة.
ولعل القيمة الأهم في تجربته أن الرجل ظل، رغم تبدل الأزمنة والاصطفافات، ينظر إلى السياسة بوصفها حواراً ومسؤولية، لا مجرد صراع على السلطة. ومن هنا يمكن فهم إصراره على الحرية وعلى إبقاء الحزب الوطني الديمقراطي حياً، وعلى توثيق أوراق والده ومذكراته، ثم كتابة مذكراته هو أيضاً. فقد أدرك أن الأمم لا تحفظ تاريخها بالوقائع المجردة وحدها، وإنما تحفظه كذلك بشهادات الذين عاشوا الأحداث من الداخل، وامتلكوا شجاعة أن يرووها كما رأوها، بآمالها وأخطائها وانتصاراتها وانكساراتها.
وقد توفي الاستاذ نصير الجادرجي بتاريخ 12-9-2026 ونعته الاوساط الثقافية والسياسية ، وتناقلت خبر وفاته وسائل الاعلام مشيدة بتاريخه وما قدم لبلده في حياته المديدة، ومنها المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الذي ارسل رسالة التعزية التالية:
الأعزاء في اسرة الراحل الأستاذ نصير الجادرجي المحترمين
تلقينا بأسىً وألم بالغين خبر رحيل صديقنا العزيز، الشخصية السياسية الوطنية والديمقراطية البارزة الأستاذ نصير كامل الجادرجي. لقد جمعنا مع الفقيد في العقود الماضية عمل مشترك طويل من أجل حرية العراق وخير شعبه، وسعي متواصل في سبيل الديمقراطية والنماء والتقدم. واننا لنستحضر ذلك باعتزاز ونحن نودعه اليوم معكم ونشارككم الاحزان. تقبلوا وعائلة آل الجادرجي الكريمة كافة خالص التعازي منا بهذه المناسبة المؤلمة، راجين لكم الصبر والتحمل. وللفقيد الراحل طيّب الذكر ودائمه.