محمد سعيد الطريحي
بين عامي (1924-1925م) استقدمت الحكومة العراقية أربعة مدرسين من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت إلى العراق، لأجل تدريس التاريخ والتربية والرياضيات في المدارس الثانوية ودار المعلمين العراقية، وهم: عبد الله المشنوق، وأنيس زكريا النصولي من بيروت، ودرويش المقدادي من طولكرم، وجلال زريق من اللاذقية.
وقد سبقهم أيضاً المئات من المدرّسين والخبراء أمثالهم من الذين استقدمتهم الحكومة في تلك الفترة وما تلاها، وقد خملَ ذكر أكثرهم إلاّ من بقايا ذكريات طيبة بقي أثرها في مدوّنات زكي مبارك وأحمد حسن الزيات وأمين الريحاني ومحمد علي الحوماني وأمين سعيد وغيرهم.
غَيْرَ أنَّ النصولي كان الوحيد الذي ترك أثراً سلبياً بعد استقدامه للعراق لما دوَّنه من الآراء الطائفية التي تنتقص من قُدسية الإمام علي بن أبي طالب وما أثاره من النعرات العنصرية التي خمد أوارها في العراق منذ قرون، حيث نبشها “النصولي” من جديد ونشرها ضمن المقرر الدراسي في ثانويات بغداد، وكان ذلك بمساندة وزارة المعارف بشخص مديرها ساطع الحصري، وبدعوى إشاعة الروح العلمية ومن دون التفكير بعواقب الأمور وخواتيمها، وفي السطور التالية عرض تاريخي وتوثيقي لهذه القضية التي فجَّرت أولى الفتن في العراق الملكي بعد تأسيس الدولة الحديثة عام 1921م.
من هو النصولي

الأستاذ أنيس النصولي (1902-1957) بيروتي المولد والمنشأ والوفاة، تلقى دروسه في مدارس المقاصد وواصلها في الجامعة الأمريكية ببيروت حيث نال شهادة بكالوريوس أولاً ثم شهادة معلم علوم، استهوته الدراسات التاريخية والأدبية وقد كـان يُرجى منه الخير الكثير لولا أنه استعجل التأليف مع طغيان العصبية الأموية على كتاباته متأثراً بطريقة أستاذه المستشرق المتعصّب الحقود على آل البيت وأتباعهم، وهو البلجيكي الجنسية لامنس اليسوعي (1862-1937) والذي ملأ مقالاته بالحطِّ من الرسول الكريم وأهل بيته (ص) واستفرغ وسعـه في تمجيد أعدائهم، لغرضٍ في نفسه. ويكفينا شهادة دامغة على ما قلناه ما كتبه الدكتور عبد الرحمن بدوي في تقييمه لهذا الرجل: ( وأبشعُ ما فعله “الراهب اليسوعي لامنس” خصوصاً في كتابه فاطمة وبنات محمد هو أنه كان يشير في الهوامش إلى مراجع بصفحاتها، وقد راجعت معظم هذه الإشارات في الكتب التي أحال إليها، فوجدت أنه إما أن يشير إلى مواضع غير موجودة إطلاقاً في هذه الكتب، أو يفهم النصّ فهماً ملتوياً خبيثاً، أو يستخرج إلزامات بتعسف شديد يدلُّ على فساد الذهن وخبث النية، ولهذا ينبغي ألا يعتمد القارئ على إشاراته إلى مراجع. فإن معظمها تمويه وكذب في فهم النصوص. ولا أعرف باحثاً من بين المستشرقين المحدثين، قد بلغ هذه المرتبة من التضليل وفساد النية – انتهى).
ما عهدت الله أطرش
لقد استشهد (النصولي) في كثير مما اعتمده في بحوثه على النصوص (اللامنسية) المحشوَّة بين دفتي كتابيه “معاوية” و”الدولة الأموية”، وهو ما يؤكد تأثره بالراهب المذكور الذي كانت كتاباته هرطقات ومزاعم كان يمليها من خياله لمحض التشفّي وإثارة النعرات، وقد وجدت قبولاً في ذهنية النصولي حتى أن روفائيل بطي – وكان أحد أصدقائه المقربين ببغداد – وصف النصولي بأن كان ملحدا ً ((ارتبط روفائيل بطي بصداقة وطيدة مع النصولي وذكره غير مرّة في مذكراته، ففي تاريخ 13/1/1925 سجَّل روفائيل عن النصولي ما يلي “تعلم في الجامعة الأمريكية ولكنه لا يجلها عن هوى، ولا يعترف في فضلها وقد قال لي أنه يشعر بأنه سيكون من معاديها الناقمين عليها”. وجاء في مذكراته أيضاً، تحت عنوان “عصر الإلحاد”:”لقد قصدت دار العقراوي، فأطلعني على كتاب من أنيس زكريا النصولي يحوي الكفر كذلك بقوله: (ما عهدت الله أطرش) يا لَهُ من عصر الإلحاد، وما أقل الأيّام الباقية من الزمن”)).
وعلى كل حال فقد تشكَّلت خيوط هذه القضية الخطيرة مع دخول هذا الشاب البيروتي إلى العراق حيث قام بتوزيع كتابه “معاوية بن أبي سفيان” الذي اعتبره أكبر شخصية في الإسلام وفي المقابل جعل علياً (ع) نصيراً للقتلة، وأن قتل الحسين كان حزماً من يزيد. إلى آخر تلك الأباطيل المهيّجة للطائفية البغيضة، ولم تكن هذه الأفكار قد وصلت إلى مسامع عامة الشعب إذ بقيت محصورة في حدود الفئة القليلة التي كان (النصولي) يتعامل معها في السنة الأولى التي قدم فيها إلى العراق والتي قضاها في (الموصل)، وبعد عام تقريباً انتقل إلى (بغداد) وكان في ذهنه إشاعة ما اعتمل عليه فكره بين ناشئة البلاد غافلاً عن أن (بغداد) ليست (الموصل) وكان أن جمع إلى غفلته روح المكابرة والعناد التي كان يصدر عَنها وكان مصمماً على ذلك فظهر كتابه “الدولة الأموية في الشام” وفي أوّله الإهداء التالي: “مَن أحقُّ بتاريخ أمية من أبناء أمية.. ومَنْ أحقُّ بتاريخ معاوية والوليد من أبناء معاوية والوليد فاقبلوا يا أبناء سورية الباسلة المتحدة المستقلة هذه الثمرة الصغيرة”. وتبع إهداءه بمقدمة وصفها ساطع الحصري – وكان أحد مؤيديه يومئذ- أنها مقدمة لا تخلو من استفزاز وإثارة.
وجهات نظر
وتعليقاً على تدخّل الحصري في هذه القضية يرى حسن العلوي أن ما جاء في كتاب النصولي “لا يخرج على رغبات الحصري في استفزاز الوطنيين العراقيين وإثارة موضوع طائفي خطير يكون وحده قادراً على إحداث شرخ في الحركة الوطنية، فقد وضع أنيس النصولي كتابه هذا في ظروف كان الوطنيون فيها ما زالوا يعارضون اتفاقية النفط التي عقدت مع الشركات البريطانية والغربية وهو الأمر الذي لجأ إليه ساطع الحصري في إثارة قضية مماثلة، حين أقدم على فصل الشاعر محمد مهدي الجواهري عن التعليم.. إن ساطع الحصري يدرك تماماً ماذا يعني صدور كتاب في العراق ينال من الإمام علي ويمجّد يزيد -قاتل الحسين – ثم ماذا يعني أيضاً اتهام أحد أبناء ثورة العشرين بالعجمة”.
وفي معرض تقييمه لموقف الحصري قال علي حسين العويد في مقال نشر بمجلة البلاغ الصادرة بالكاظمية تناول فيه تقييم مذكرات الحصري: ” ولو كان -الحصري – كما يزعم فيلسوفاً في القومية العربية لما افتخر بعمل طائفي قام به طلاب الثانوية في عام 1927 مؤازرة لكاتب ألَّف كتاباً تعرّض فيه بآل البيت وأشاد بأعدائهم وأحسب أن هؤلاء الطلبة لا يرضيهم اليوم أن يذكرهم الحصري بأنَّ داء الطائفية قد ظهر عليهم مبكراً، إذ كانوا في ميعة الشباب، ومنهم حالياً شخصيات اجتماعية معروفة أمثال الأستاذين حسين جميل وفائق السامرائي وغيرهم ممن طُردوا طرداً مؤبداً بسبب نعراتهم الطائفية ليس إلاّ، كما تؤكد مذكرات الحصري قي ص573 وقبلها، ونحسب أن ما ذكره لا يتفق والحقيقة”.
وأوضح خيري أمين العمري بجلاء أن كتاب النصولي “لم يسلم في مواضعه الأخرى من نقاط تثير في ذلك الوقت لدى جمهرة من الناس مشاعر الاستياء لانطوائها على ما يمسُّ معتقداتها ومقدساتها”. في كتابه “حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث” عزا العمري تلك الحساسية – التي أثارها كتاب النصولي- “إلى ما كان يعاني منه المجتمع العراقي من رواسب تعصبية ورثها من العهد العثماني والعهود التي سبقته”
والسؤال الذي يفرض نفسه على العمري في هذا السياق: مَنْ مِن أبناء المجتمع العراقي الذي يحمل تلك الرواسب التعصبية؟ أليس هُم من انفردوا بقيادة البلاد والهيمنة على خيراتها وأقصوا الآخرين من أبسط حقوقهم الدينية والإنسانية، مِن الذين اعتبروا إخوانهم في الدين رفضة وكفرة وعاملوهم بقسوة ووحشية متناهية، فعلى العمري الذي أثار زوبعة هذه الرواسب أن يسمّي الأشياء بأسمائها ويبحث عن أسبابها وعلاجها لا أن يلقي الكلام على عواهنه .
موقف الملك فيصل والحكومة العراقية
ووصل خبر الكتاب السيئ إلى مسامع الملك فيصل وأصبحت الحكومة في موقف لا تحسد عليه، وبعد دراسة الأمر اقتنعت الحكومة بأن الكتاب يحمل وجهة نظر تمسّ الطائفة الإسلامية الشيعية، ولتلافي الإحراج بعث رئيس الوزراء بكتاب سري إلى وزرائه دعاهم فيه إلى إزالة روح التفرقة والعناية بأبناء الشيعة، معتبراً أن ما جاء به الكتاب كان إطراءً لمعاوية وتعريضاً بعلي.
وتناقلت الصحف القضية بين أخذٍ وردّ وامتدت حتى شملت بعض المجلات في خارج العراق، ومعظمها ألقت اللوم على النصولي لكونه باعث هذه الفتنة. ومن ذلك ما جاء في مجلة (المقتطف) المصرية:
“إن المفاضلة بين الرجال كثيرة العثار، وحبذا لو لم يقدم عليها النصولي إذ لا فائدة منها ولا داعٍ لها ونحن في عصر يجب فيه جمع كلمة الشرقيين من كل الأديان والمذاهب”.
وقالت مجلة (العرفان) اللبنانية: “لم يكتفِ النصولي بطبع كتابه في بغداد وفي العراق جمهور كبير من الشيعة بل تولّى بثّ روحه في نفوس التلاميذ الذين يلقي عليهم درسه فاستاء التلاميذ الشيعيون وبلَّغوا آباءهم، وأولئك الآباء كتبوا لعلماء النجف، ولما زارها فيصل بلّغوه بذلك راجين إخراج المدرّس فأوعزت له بالاستقالة والخروج فأبى فحصلت مظاهرة من طلبة مدرستي الثانوية ودار المعلمين دبّرت بليلٍ احتجاجاً على إخراجه”.
مجلة لغة العرب
وورد في مجلة لغة العرب البغدادية: “ذكرنا أن – النصولي- ألَّف كتاباً في بني أمية فهاجت بسببه بعض الأفكار حتى أكره مؤلفه على أن يستعفي من التدريس فاستعفى فأقام صباح الأحد 30 كانون الثاني طلبة دار المعلمين والمدرسة الثانوية مظاهرة احتجاجاً على فصل الأستاذ عن وظيفته فساروا في الطريق والشوارع، يغنون الأناشيد الوطنية حتى جاءوا بين يدي بناء وزارة المعارف طالبين إبقاء معلمهم في وظيفته، ولمّا لم تثمر نصائح وزير المعارف ومديرها الثمرة المطلوبة جاء الإطفائيون بمضخّتهم لتشتيت شملهم، فحدثت ملاكمة بين الطلبة ورجال الشرطة ونزع بعضهم المرشّة من يد صاحبها فجرح ثلاثة من التلاميذ وشرطيان ورئيس الإطفائية ثم تفرق المتظاهرون بعد ذلك.
وفي صباح 7 كانون الثاني سافر النصولي ومعه المعلمون السوريون الثلاثة الذين كانوا قد احتجّوا على فصل رفيقهم وأبوا أن ينفردوا دونه.. ولم تقف وزارة المعارف عند هذا بل عادت أخيراً فأنزلت وظيفة يوسف عز الدين الناصري مدير المدرسة الثانوية إلى درجة معلم في دار المعلمين وفصلت يوسف زينل عن وظيفة التدريس ويقال أن السبب في ذلك هو تقصير الأول في استدراك الحركة وقمعها والثاني في إهاجة التلاميذ على المظاهرة باسم الحرية الفكرية”.
محمد رشيد رضا
وفي مصر اقتنصها محمد رشيد رضا فرصة معتبراً هذا الموضوع ثورة مدرسية!!، وأن الشيعة (هاجت) كذا! لأجل ذلك، وأن وزير المعارف الشيعي (اضطهد!) النصولي!!، أرأيت كيف تنقلب الحقائق لدى رشيد رضا وهو بعد لم يطلع على الكتاب، فكيف إذا اطّلع عليه، ولاشك عندي أن الرجل ينطلق في حكمه القاسي من غرضين في نفسه، أولهما: معاداة الشيعة بكل ما في وسعه وقواه بعد ما كان يدعو إلى التسامح والتقريب في زمان مضى بعد زمن كان يتودد لهم، وثانيهما: ولاؤه لولي نعمته ..ومن حوله، إضافة إلى حقده على ملك العراق فيصل ووالده الشريف حسين وهذا نصّ ما نطق به: “العراق تسير حكومته كما تحب الدولة البريطانية وترضى في الظاهر، والشعب مضطرب الباطن، وأداء فريضة الحج ممنوع إرضاءً للملك فيصل وأخيه وتغليباً لأهواء متعصبي الشيعة، وقد حدثت في بغداد ثورة مدرسية فصحفية أيدها أحرار البلاد بسبب اضطهاد وزير المعارف الشيعي لأستاذ سوري ألّف كتاباً في التاريخ يفضّل فيه خلافة معاوية على خلافة أمير المؤمنين المرتضى كرم الله وجهه، وذكر رأيه هذا في المدرسة للطلبة فهاجت التلاميذ من الشيعة فعزله الوزير وعزل سائر المدرسين السوريين وأخرجتهم الحكومة من البلاد العراقية، وعزلت بعض المدرسين البغداديين أيضاً، وطردت بعض الطلبة المتظاهرين لحرية العلم على الوزارة طرداً، هكذا بلغتنا الحادثة ولم نرَ الكتاب المذكور”.
صحف مصرية ولبنانية
وفي العراق نجحت النخبة المتسلطة على مقدرات البلاد في تسويق القضية إلى منحى آخر ينصب في خدمة مصالحها لدى الملك من جهة، ولدى حكومة الاحتلال البريطاني من جهة أخرى، فأشاعت من خلال بعض الصحف التي تخضع لهيمنتها بأن هذه القضية تمسُّ بحرية الفكر، وهو موضوع فضفاض استهوى ثلة من الطلاب المهووسين بالشعارات الرنانة فاندفعوا في مظاهرات صاخبة كادت تحدث شرخاً في الصف الوطني العراقي.(( الكشاف (لبنان) مجلة الأديب (لبنان) السياسة الأسبوعية “مصر”)).
الحكومة تعالج الموقف
كلفت الحكومة لجنة خاصة للتحقيق في الموضوع وبعد اجتماعات مكثفة قام رئيس اللجنة المكلفة بالتحقيق السيد سمرفيل مستشار وزارة المعارف بإرسال هذا الكتاب إلى النصولي:
“عزيزي..
لا مجال للدفاع عن قضيتك لأحد الآن، تُسدد لكم وزارة المالية حسابكم عاجلاً، انصحوا أصدقاءكم السوريين والعراقيين من الأساتذة أن لا يعترضوا فتصيبهم العقوبة الشديدة، وأنتم لا تحبون ضررهم.
اقبل تحياتي..
ج. سمرفيل”.

وزير المعارف السيد عبد المهدي المنتفجي
ولم يكن هذا الكتاب إلا كتاباً وديّاً يبتغي القضاء على أساس المشكلة بإنهاء خدمة هذا المدرس مع ضمان جميع حقوقه المادية، وهو في نفس الوقت ضمانة للحفاظ على حياته وحياة الآخرين وتجنيب البلد أزمة طائفية في غنى عنها.
وكان بإمكان السلطة تقديمه للتحقيق والمحاكمة بجرم المس بعقائد الأهالي الدينية وفق الدستور العراقي (القانون الأساسي) الذي كان قد صدر قبل أشهر على هذه الواقعة.
وبدلاً من أن يقوم النصولي بالاعتذار أو الرضوخ لإرادة الحكومة التي كرمته واستضافته لجَّ به الغرور لأن يكتب ورفقاءه كتاب احتجاج للوزير السيد عبد المهدي، جاء فيه “إنكم طعنتم الحرية الفكرية في صميمها في القرن العشرين (!) فرجعتم بالبلاد القهقرى حتى خلنا أنفسنا عائشين في العصور الوسطى المظلمة معرضين في كل وقت إلى محاكم التفتيش والاضطهاد”. ((نصّ الاحتجاج في جريدة الاستقلال، سنة 1927)).
إن عنجهية الاحتجاج الذي سطّره النصولي يخفي وراءه ما يخفيه، فلم يعد الرجل _ وهو الغريب عن الوسط العراقي_ وحده في الساحة، وبالتأكيد فإن هناك من كان يريدون خلط الأمور والتحريض ضد الوعي الشيعي المتنامي باسم الحرية الفكرية، فأمعنوا في التواطؤ مع النصولي وشُلَّته ودفعوه لمناوأة الحكومة، وهذا هو دأب الطائفيين المتسلطين الذين كانوا وما زالوا يفضلون أبناء البلاد المجاورة على أبناء وطنهم الأصليين ولا دافع لهم إلاّ التمييز العنصري الديني.
محمد حسين الاعرجي
وقد تناول الدكتور محمد حسين الأعرجي هذه القضية الشائكة واصفاً إياها بـ “المسرحية المأساوية، وأن النصولي مخرجها، وساطع الحصري أحد شخوصها الرئيسيين” قال:
وكان مخرج هذه المسرحية قد ألَّف كتاباً تحت عنوان “الدولة الأموية في الشام”، أثنى فيه على الأمويين، وانتقص فيه من ثورة الإمام الحسين عليه السلام.
وللقارئ أن يتصور عمق ولاء العراقيين ونصاعته بمختلف مذاهبهم – والشيعة منهم على وجه خاص للأمويين -!!! فإذا زاد على هذا أن المؤلف الذي تعاقد معه الحصري قد أساء في كتابه للإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وانتقص من ثورته استقام له أن يدرك الفتنة الطائفية القذرة التي أراد أن يشعل فتيلها النصولي عن قصد أو عن جهل بطبيعة المجتمع العراقي.
وقرر وزير المعارف إطفاءً لنار الفتنة، وربما إرضاءً لضميره الشيعي، الاستغناء عن خدمات النصولي، وفصله عن عمله. وكان هذا القرار – رغم أنه من حاقِّ حقِّ صلاحيات الوزير ومسؤولياته – صعباً على دُعاة الطائفية التي تتلبس لبوس القومية العربية ممثلين بساطع الحصري.
نعم كان القرار صعباً، وصعباً جداً على دعاة الطائفية في العراق. وَعَوا ذلك أم لم يعوه، فقامت مظاهرة باسم حرية الفكر يغلب على مشاعر أكثر المشاركين فيها المشاعر القومية، وكان أغلبهم من أهل السنة تندد بقرار الوزير”.
ما وراء شعار حرية الفكر!
ولما كان النَفَس الطائفي واضحاً في هذه القضية، وأن كلمة “حرية الفكر” التي تداولتها الاحتجاجات لا تعدو إلاّ شعاراً طائفياً مقيتاً تقف خلفه الأحقاد المذهبية الضيقة، فإنّ جل رجال الفكر في العراق نأوا بأنفسهم عن المشاركة في هذه الأحداث المؤلمة، وإلى هذه الحقيقة والملابسات التي اكتنفتها فقد التزم الصمت بحسب تأكيد الأستاذ خيري العمري “جميل صدقي الزهاوي وفهمي المدرس ومعروف الرصافي وغيرهم ممن عُرف بحريـة الفكر ولم يتقاعس في الدفاع عنهـا في ظروف متشابهة”.
الجواهري يدخل المعركة

ولعل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري هو أول من مزّق ذلك الصمت المريب بدخوله على خط المواجهة لمن أراد مصادرة حرية الفكر بإلغاء الآخر والترويج للتطرف المذهبي، ومن اليسير تفسير موقف الجواهري لكون طائفته هي المستهدفة هذه المرّة بما في ذلك عقائد أهله، وما كان همّه يومئذ إلاّ صدّ الغرباء من التصيّد في الماء العكر وحجبهم عن التدخل في شؤون البلاد الداخلية، وقد جاء في مذكراته ما يلي: “أصدر – النصولي – كتاباً أثار حفيظة الكثيرين في النجف، وفي ما يتبعها من الخط الممتد من الكوفة إلى البصرة،وفي بغداد ونفسها، وذلك فيما انتقص به من منزلة سيد شهداء أهل البيت الإمام الحسين، وكان موقف عبد المهدي المنتفكي (وزير المعارف في حينه) مبعث ارتياح هذه الكثرة التي أثارها الكتاب. وجدتني وأنا في هذا الموقف أحيّ الوزير، من دون أن أراه من قبل بقصيدة موجودة في ديواني – مطلعها :
حيي الوزير وحيي العلم والأدبا
وحيي مَن أنصف التاريخ والكتبا”
وقد نشرتها بعض صحف بغداد، ولم يخطر ببالي قط، أنها ستكون الوثيقة الأولى بيد ساطع الحصري ومدخلاً قوياً لمعركة جديدة ينتصر بها. وأن أكون أنا بالذات، في هذه المعركة المفتعلة، الضحية “الحارّة” بل “كبش الفداء” من هذه الضحايا الباردة للأكثرية المسحوقة”.
ومما جاء في القصيدة مخاطباً الوزير عبد المهدي المنتفجي:
الله يجزيك والآبـاء مأثـرة
في الله صُنت بـها آباءك النجب
هم حاولوها لأغراض مذممة
حتى إذا أسعرت كانوا لها حطبا
عارٌ على صفحة التاريخ قيلته
ولطخة في جبين المجد ما كتبا
وقد قُوبلت القصيدة باستحسان كافة الطبقات في العراق، وكان المتضرر الوحيد منها بعد – النصولي-هو ساطع الحصري الذي دخل مع الجواهري في خصومة طويلة وافترى عليه، وبعد أن عُيِّن الجواهري معلماً في النجف استطاع الحصري إخراجه من الخدمة بتلك الفِرْية المزعومة وبدافع من حقده القديم الذي سببته القصيدة، ولحسن حظ الجواهري أن الأمور تطورت لصالحه فعُيِّن يومها موظفاً في تشريفات بلاط الملك فيصل وأسقط في يد عدوه (الحصري).
استمرار المظاهرات ومآل الأحداث:
بعد قرار فصل (النصولي) تنادى بعض الطلبة لإثارة الرأي العام في هذه القضية زعماً منهم بأنَّ القرار يقف ضد “حرية الفكر” كما أسلفنا، وقاموا بالتخطيط لتهييج كافة الطلاب الآخرين الذين لم يكونوا يعرفون أصلاً ما كان يدور في الكتاب، وبتوجيه من بعض المدرّسين العرب وتعاون عدد من المدرسين العراقيين دعوا طلبة الثانوية المركزية ودار المعلمين إلى الاجتماع في نادي التضامن [نادي التضامن الواقع في الطابق العلوي لإحدى العمارات المواجهة لجامع الحيدرخانة ببغداد، كان أشبه بندوة سياسية وملتقى ثقافي و اجتماعي للشباب العراقي]،وبعد ذلك قرَّ رأيهم على التوجّه في اليوم التالي وكان يوم الأحد 30كانون الثاني 1927 إلى وزارة المعارف لرفع احتجاجهم على القرار المذكور باسم حرية الفكر(ورد نص الاحتجاج ووصف أحداث هذا اليوم في جريدة الاستقلال).
وقد أوضحت الحكومة رأيها في موضوع حرية الفكر الذي اتخذه الطلبة شعاراً لهم، وأصدرت بياناً قالت فيه “إن هذه المظاهرات كانت نتيجة تحريض بعض الأشخاص الذين قصدوا إحداث الفساد بين التلامذة، إذا لم تقم الحكومة بعمل ما يُؤدي إلى خنق الحرية (جريدة الاستقلال )”.
زكي خيري
ومما يؤكد أن مشاركة أغلب الطلاب كانت مشاركة عاطفية حماسية وغير واعية للقضية الطائفية التي كان يثيرها (كتاب النصولي) قول السيد زكي خيري – وهو طالب سني كان أحد المشاركين فيها يومئذ: “كان أنيس النصولي معلم التاريخ العربي في صف أعلى من صفنا، وقد ألّف كتاباً في تاريخ الإسلام قائماً على العصبية الأموية متحيّزاً لمعاوية بن أبي سفيان بالضدِّ من علي بن أبي طالب بإجراء مقارنة سطحية بين الشخصيتين التاريخيتين دون تحليل معمق.. واستفزّ إبعاد المعلم اللبناني طلاب المدرسة، ولا شك أن العناصر اليمينية المتحيّزة للعصبية الأموية شاركت في جانبها في التأجيج، بَيْدَ أن هذا لا يُؤبه به فما إن سمعنا باضطهاد حرية الفكر حتى قمنا جميعاً للاحتجاج”.
عبد الأمير علاوي
وهذا طالب آخر من الشيعة يسجل انطباعه عن تلك الأحداث وقد كان حينها في الصف الثالث الثانوي وهو الوزير “فيما بعد” الدكتور عبد الأمير علاوي:
“جرت المظاهرات المؤلمة بعد إصدار كتاب أنيس النصولي عن تاريخ الدولة الأموية في الشام الذي استفز فيه مشاعر وعقائد معظم العراقيين مما اضطر وزارة المعارف إلى إقصائه عن الوظيفة وتسفيره مع البعض من زملائه إلى خارج العراق.
وانقسم المتظاهرون بين مؤيد ومعارض لهذا الإجراء مما أدّى إلى فتنة طائفية كنّا في غنى عنها”. ((ورد نص الاحتجاج ووصف أحداث هذا اليوم في جريدة الاستقلال)).
صالح البصّام
ويُدلي الدكتور صالح البصّام في مذكراته بشهادته عن تلك الأيام العصيبة فيقول:
“أتذكر وأنا تلميذ في الصف الثالث أن الأستاذ محي الدين النصولي ((كذا في الأصل والصحيح أنيس النصولي )) كان يوزع علينا كراس كتابه (تاريخ الأمويين في الشام) والذي جمعه تحت هذا الاسم، وقد دوّن في هذا الكتاب تبريراً لمقتل الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) على أيدي الأمويين في عهد يزيد بن معاوية بن سفيان وقد سماه في كتابه – خليفة المسلمين يزيد بن معاوية – وجاء التبرير ليقول إن الإمام الحسين (ع) قد خرج على أمر خليفة المسلمين الشرعي يزيد وقد نال جزاءه العادل، وهو جزاء كل من يخرج على الشرعية التي تعني أن الحسين خرج عن أمر خليفة رسول الله (ص) الذي هو يزيد وأن الجزاء جهنم، ولذا فقد برر الأستاذ ما قام به يزيد حين بعث الجيوش لقتل الحسين ابن بنت رسول الله (ص)، ولم يكتفِ الأستاذ بهذا التبرير المغرض بل وتتبع مصير ابن بنت رسول الله (ص) إلى الآخرة واستنتج أن مصيره جهنم والعياذ بالله من ذلك القول الزور، لقد طرح ذلك الأستاذ في تلك الفترة رؤية قاصرة عما حدث فعلاً، مؤججاً الروح الطائفية، مشيراً بنفاق واضح إلى فترة سابقة، تدين بالولاء للحاكم الأموي وممالئة لسلطته الظالمة بالرغم من افتراقه للباطل وانتهاكه للشريعة الإسلامية متجاوزاً على آل بيت رسول الله (ص) وكنا في تلك الفترة نتداول بيننا الخروقات التي يحكي عنها التاريخ لبعض حكام بني أمية للشرع الإسلامي، ومنها ما كان يفعله يزيد بن معاوية، الذي أثار عليه الحسين بن علي (ع) ورفض أن يبايعه، لأنه يشرب الخمرة ويقترف المنكر من الأفعال التي حرمها الإسلام واستهان بالرسالة المحمدية في شعره الخليع، الذي وصلنا مع ما وصلنا من أحداث التاريخ، الحقيقة لقد أحدث كتاب هذا الأستاذ شرخاً كبيراً في العلاقة بين طلاب المدرسة وتسبب في نقاشات ونزاعات طائفية، واحتج عدد من الطلاب الشيعة وطالبوا بمصادرة هذا الكتاب وإتلافه، ومنع تدريسه في المدارس العراقية كافة، ويبدو أن هذه الاحتجاجات الطلابية قد وصلت إلى معالي وزير المعارف في ذلك الوقت السيد عبد المهدي مما أدى إلى فصل النصولي مؤلف الكتاب وطرده من العراق وكان مدير المعارف ساطع الحصري مؤيداً النصولي المطرود، مما شجع على خروج مجموعة من الطلاب في مظاهرة صاخبة أمام وزارة المعارف مجاراة له، فاتخذ وزير المعارف قراراً بفصل قسم من المتظاهرين وطردهم من مدارسهم لفترة مؤقتة”.
الطلبة يحتجون على الحكومة
وبالعودة إلى سير تلك التظاهرات نجد أن الطلبة قد استقر رأيهم على تقديم عريضة إلى وزير المعارف يحتجون فيها على فصل النصولي ونصَّت على ما يلي:
“نحن الموقعين أدناه طلاب المدرستين الثانوية ودار المعلمين نحتج على قراركم القاضي بفصل الأستاذ أنيس زكريا النصولي وذلك قتلاً للحركة الفكرية فنطلب إعادة النظر في قضية الأستاذ ولكم مزيد من الشكر”. واتجه الطلبة في مظاهرة قاصدة الوصول إلى وزارة المعارف لتسليم تلك العريضة إلى وزير المعارف فسارت في شارع الرشيد وواصلت المظاهرة سيرها يتقدم صفوفها الطلبة حسين جميل وفائق السامرائي وعبد الرزاق الظاهر ومحمد حسن سلمان ومزاحم ماهر حتى وصلت إلى شارع المأمون حيث مقر وزارة المعارف، وقد انتخب الطلبة محمد حسن سلمان ممثلاً عنهم غير أنه تنازل عنه لفائق السامرائي وحاول وفد يمثل الطلبة أن يدخل على الوزير ليقابله غير أن سكرتير الوزير أخبرهم بأن الوزير غائب وطلب إليهم الانصراف فلم ينصرفوا مما اضطر قوات الشرطة أن تهجم على الطلبة فدارت معركة بين الشرطة والطلبة استخدمت فيها الشرطة العصي الغليظة واستخدم فيها الطلبة الحجارة، والحصى وعندما فشلت الشرطة في تفريق الطلبة اضطرت إلى الاستعانة بسيارات فرقة إطفاء الحريق وخراطيم مياهها لتفريق شمل المتظاهرين وسرعان ما وصلت تلك السيارات يسبقها بوق الإنذار وهبط منها رجال الإطفاء بخوذهم الفولاذية ووقف مستر (فيشر) مدير الإطفاء يلقي عليهم تعليماته بالقرب من مدير شرطة بغداد (حسام الدين جمعة) وبدأ رجال الإطفاء بتوجيه خراطيم المياه على الطلبة فتدفقت المياه بسرعة وقوة فاضطرب الطلبة وتفرقوا في بادئ الأمر _ ثم تجمعوا بعد قليل وهجموا على رجال الشرطة ورجال الإطفاء يرمونهم بالحجارة وبعد ذلك قرروا الرجوع إلى مدارسهم للاعتصام حتى تنفذ مطاليبهم.
وحين ألَّفت وزارة المعارف لجنة للتحقيق، بعد أن بلغت القضية هذا المبلغ وتسببت في إشاعة الفوضى في البلاد، قام آباء الطلبة وحفظاً على مصالحهم، وتدخّل العقلاء لإنهاء الإضراب في الأول من شباط سنة 1927، وأصدر الطلاب بياناً جاء فيه:
“لقد أشاع البعض أن المظاهرة التي قمنا بها نحن طلاب المدرسة الثانوية ودار المعلمين كانت ناشئة عن دافع خارجي كما أنهم أشاعوا أن تلك المظاهرات صدرت من طائفة من الطوائف فنحن إزاء هذه الإشاعات الكاذبة نصرح إلى آبائنا وأمهاتنا وإخواننا من أبناء العراق بأننا لم نعمل بأي وحي خارجي سوى إرضاء ضمائرنا ووجداننا وحرصاً منا على الحرية الفكرية من أن ينهدم كيانها فضلاً عن أننا سعينا يداً واحدة لا فرق بين طائفة وأخرى من الطوائف الإسلامية بل تكاتفنا وتعاضدنا والوحدة المقدسة رايتنا وإرضاء الضمير رائدنا”.
قرارات لجنة التحقيق ونهاية الأزمة
وأنهت لجنة التحقيق أعمالها فأصدرت وزارة المعارف قراراً تضمن:
1. فصل الأستاذ عبد الله مشنوق وجلال زريق ودرويش المقدادي وتسفيرهم.
2. فصل الأستاذ زينل باعتباره محرِّضاً وتخفيض درجة يوسف عز الدين من مدير المدرسة الثانوية إلى معلم في دار المعلمين باعتباره مهملاً في واجبات وظيفته.
3. يُطرد الطلاب محمد خالد إبراهيم وعبد القادر إسماعيل وعبد الرحمن الجوربجي وعبد اللطيف عطا وكامل إبراهيم وفؤاد درويش وعبد الستار عبد الجبار لمدة شهر.
4. ويُطرد الطلاب حسين جميل وفائق السامرائي وعبد اللطيف محي الدين وأنور نجيب طرداً مؤبداً.
5. ويُطرد الطلاب أدهم مشتاق ومحمود عبد الكريم وعزيز علي وأنيس وزير وجلال عبد الرزاق وصبحي كمال وعبد الله شريف وأحمد فوزي ومحمد الحاج علي وخليل جميل وحسام الدين العبيدي لمدة أسبوعين.
6. إنذار الطلاب قاسم وجواد حسين وعبد الرزاق الظاهر ويوسف عبود وشاكر محمود وظافر صالح.
وأصدرت وزارة المعارف أمراً آخر منعت بموجبه الطلبة من الانتساب للمدرسة الثانوية ودار المعلمين وإلى أي جمعية أو ناد أو من الكتابة في الصحف وإذاعة البيانات باسم الطلبة.
وحاول الطلبة إثارة قضيتهم في المجلس النيابي وكانوا يطالبون بإعادتهم إلى مدارسهم كما بحثت هذه القضية في اجتماع طلابي عقد في سينما (رويال) في بغداد. وأخذ الطلاب المطرودون وذووهم يستعطفون المراجع العليا ورجال الحكومة لإرجاعهم إلى مدارسهم وتمكينهم من مواصلة دروسهم، بدون أن يجدوا عطفاً على قضيتهم، فحاول زملاء لهم الإضراب عن الدرس احتجاجاً على عدم تلبية طلبات إخوانهم، وقاموا بمظاهرة في السادس من آذار سنة 1927 ولم تسفر تلك المظاهرات عن نتيجة. فلم ير الطلبة المفصولون بداً من تقديم التماس إلى الملك فيصل بينوا فيه أن وزارة المعارف قد عاقبتهم بالطرد النهائي والمؤقت لقيامهم بالمظاهرة الاحتجاجية ضد فصل أستاذهم النصولي وقد اختصتهم الوزارة بالعقاب الصارم من مجموع ثمانمائة طالب من مدرستي الثانوية ودار المعلمين ولم تستمع الوزارة لدفاعهم ضد التهم الموجهة إليهم وقد أدت إلى عقابهم وطالبوا أخيراً ببراءتهم ونتيجة لهذا الالتماس أمر الملك فيصل الأول بإرجاع الطلبة المفصولين.
تداعيات القضية
لم تنتهِ بإعادة الطلبة المفصولين إلى مدارسهم، ذلك أن آثارها الطائفية السيئة بقيت لفترة من الزمن، وإلى هذا أشار العمري بقوله:”لا شك أن قضية النصولي سببت خلق جوّ مشبع بالتوتر، مملوء بالريب، وبطبيعة الحال لم يختفِ هذا الجو بانتهاء القضية المذكورة بل بقيت ذيولها ونتائجها وانعكست آثارها في الأحداث التي تعاقبت والقضايا التي طرحت الموضوعات التي برزت فيما بعد، فقامت مساجلات عنيفة ودارت مناقشات حامية على صفحات الصحف”.
وبسبب ذلك يضيف العمري: “قرر مجلس الوزراء في 22 تشرين الأول 1927 تعطيل جريدتي النهضة والزمان ورفع معتمد حزب النهضة احتجاجاً إلى مجلس الوزراء والمندوب السامي فطلب الأخير من مجلس الوزراء إعادة النظر في قراره، ومن الكتب التي صدرت ردّاً على النصولي كتاب “دولة الشجرة الملعونة الشامية” للسيد محمد مهدي القزويني، مطبعة دار السلام 1346هـ”.
هبة الدين الشهرستاني
وفي تلك الفترة جرت بين الشباب حملة من التشكيك في الرموز الدينية وخاصة في بواعث النهضة الحسينية، وكان لكتاب النصولي السبب المباشر لكل تلك السجالات الطائفية، كما أوضح ذلك السيد صالح الشهرستاني في مجلته “المرشد” البغدادية، ردّاً على سؤال بهذا الخصوص موجّه للعالم الديني السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني يسأل فيه عن سبب إحجام الإمام الحسيني عن استعمال التقية في مهادنة الطغاة، فقال الشهرستاني:
“تسرّبت أمثال هذه الشكوك في قسم من ناشئتنا المتعلمة بعد ما ألّف شاب بيروتي مستخدم للتعليم كتاباً في تاريخ الأمويين وتقديس أفعالهم ويقال أنها أفكار غير مستندة إلى التواريخ المعتمدة ولما كان ذلك ضد الأفكار العامة في العراق وضد العالم الإسلامي اتفقت الحكومة والأمة على مصادرة كتابه وطرده من البلاد فأحدث في 25 رجب 1345هـ هو وأتباعه مظاهرة ضد وزارة المعارف غير أنها فشلت وانتهت بطرد أتباعه أيضاً من المدرسة”.
مع النصولي في بعض آرائه
لا أحد اليوم يقف ضد روح البحث العلمي لكن النصولي اتخذ (حرية الفكر) مطية لبثّ آرائه المتسرعة فأساء بذلك إلى مشاعر الملايين من أبناء العراق والعالم وبدت العاطفة وروح التعصب الأعمى على كتاباته واضحة جليّة ومن ذلك قوله في معاوية أنه “منار الهدى، وأن أنواره وضاءة وفاعليته عظيمة وأنه الباعث القوي الذي يدفع أبناء الأجيال على استثمار نتاج قرائحهم ومجهوداتهم..” النصولي ص3.
ويصف الإمام علياً عليه السلام بنصير القتلة! “ودّ ابن أبي سفيان من صميم القلب أن يظهر مداخلة خصمه في فاجعة المدينة كي لا يكون لنصير القتلة (!) حق بالخلافة”.ص32.
ثم يستشهد بحديث مزعوم للرسول (ص) خاطب به معاوية _ كما يدّعي_ مؤداه: “إذا ملكت فأحسن” ويُسند النصولي هذا الحديث المزعوم إلى لامنس اليسوعي (1/191)، ومن المستغرب جداً أن يلجأ النصولي لإسناد الحديث المزعوم إلى قس متعصب دون الرجوع إلى كتب الحديث المعتبرة إذا كان لهذا الحديث أصلاً فعلاً.
ويناقض نفسه في أكثر من موضع ففي ص13 يقول “إن خراسان ومصر والعراق أطاعت علياً اسمياً ولم تكن له السلطة المطلقة البتة في هذه المقاطعات” وبعد ثلاث صفحات من قوله المزبور يقول: “ومهما يكن من أمر فإنّ اليمن ومصر والعراق كانت دعامة الحزب العلوي ومادته العلوية “ص17.
وفي ص70 قال “لولا حزت الأمويين وولاتهم أمثال زياد وعبيد الله والحجاج لما خفقت لهم راية على العراق”.
نقد محمد كرد علي للنصولي
ولأجل هذه الهنات وغيرها فقد انتقده محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي (السوري) مع تأييده له في الجملة لهواه في معاوية، وكان مما قاله: “إنه – النصولي- اعتمد في بعض النقول على ما لا يصحّ الاعتماد عليه.. ولم يُعنَ بعبارة الكتاب العناية اللازمة”، ((مجلة المجمع العلمي العربي)).
لقد كان على النصولي أن يذكر مزايا علي مثلما ذكر خصمه لا أن يتنكب عنها سعياً وراء رغباته الخاصة، فقد عالج هذا الموضوع غير واحد من العلماء المحققين وأنصفوا كل أحد بما هو فيه وهنا يحسن التنويه بما كتبه الدكتور أحمد فريد الرفاعي في المفاضلة بين علي ومعاوية ونشر كتابه بمصر عام 1926 أي في نفس الوقت الذي نشر فيه النصولي كتابه.
سليم عنحوري
وممن انتقده أيضاً الكاتب السوري سليم عنحوري على صفحات مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ومما جاء في ردّه: “جاء في مستهل الكتاب قوله (أي النصولي) مَنْ أحق بتأريخ أمية؟ ولم أعلم مُراد المؤلف من هذه الجملة فإن كان يريد -كما يتبادر إلى الذهن – أننا نحن السوريين أبناءُ أمية فهو قول ننكره عليه ويُنكره معنا كل ذي إلمام بالتاريخ فإنَّ السوريين خليط من عناصر وأجناس عديدة تغلبت فيها أكثرية عربية لا ترجع إلى نسب خاص أو أُسرة بعينها من آل يعرب بن قحطان. ثم جاء بعد ذلك قوله -مَنْ أحقُّ بتاريخ معاوية والوليد من أبناء معاوية والوليد؟؟ وأردف الجملتين بثالثة وهي – فاقبلوا يا أبناء سورية الباسلة المتحدة المستقلة هذه الثمرة الصغيرة (أنيس) – وفي كلتا الجملتين من البُعد عن الحقيقة والمخالفة للواقع ما لا يحتاج إلى بيان.
وأغرب ما في الأمر أن المؤلف ترك بقية الصفحة المعلَّق عليها تلكم الفقرات الثلاث بياضاً استلفاتاً وإيذاناً بأنّ في طياتها حكمة مستترة أو سرّاً خطيراً حتمٌ على القراء كشفه والإحاطة بمراميه ولم أستطع أن أفهم المراد من ذلك كله”
“وعندي أنه لو تريّث-النصولي- في معالجة التأليف إلى أن تستحكم فيه ملكة الإنشاء العربي كما يجب أن تكون وتزداد خبرته نضجاً واختماراً ومادة علمه فيضاً ونقاءً لاستطاع أن يدخل البيوت من أبوابها”.
رأي العقاد وأحمد أمين
وخلاصة القول في معاوية ما قاله عباس محمود العقاد في كتابه العقاد: معاوية في الميزان: “لم يُؤثر لمعاوية موقف واحد يحسب من مواقف الشجاعة البينة، بل حسب عليه أنه كان يأوي إلى قبة يحيط بها الحراس في معارك صفين، وأنه أسرع إلى فرسه في ليلو الهرير لينجو بحياته، ثم هدأ الخطر بعض الشيء فراجع نفسه وتراجع إلى مكانه وهو آمن من عاقبة هذه الرجعة، بعد أن خفَّت الهجمة على موضعه من ميدان القتال. وليس من أخبار بني أمية في الجاهلية وصدر الإسلام خبر واحد ينفي عنهم هذه الخليقة الغالبة عليهم جميعاً من الإثرة والكلف بالمناعم الدنيوية وتقديمها على غيرها من مناقب الإيثار والمثل العليا وبهذه الخليقة يفسر كل عمل من أعمال معاوية… وعند هذه الخليقة الأموية تفسير لكثير مما جهله المؤرخون الأقدمون أو تجاهلوه ولا سيما المؤرخون النهَّازون من المنتفعين أو المتطوعين “.
وهذا المعنى ما أكده أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام بقوله: في كتاب ضحى “فالحق أن الحكم الأموي لم يكن حكماً إسلامياً يسوّي فيه بين الناس ويكافأ فيه المحسن عربياً كان أو مولى، ويعاقب فيه من أجرم عربياً كان أو مولى، ولم يكن الحكام خدمة للرعية على السواء، إنما كان الحكم عربياً والحكام فيه خدمة للعرب على حساب غيرهم، وكانت تسود العرب فيه نزعة الجاهلية لا النزعة الإسلامية”.
محيي الدين النصولي
انتهت قضية النصولي وآلت الى خسران مبين بعد كل ما وقع من آثارها التي استعرضناها، وهي لا تمثل الا صاحبها فعليه وزره وحده، ولم تجد آراءه أذنًا صاغية إلا لمن بلغ في تعصبه حدّ العناد، بل كانت الواقعة محل انتقاد حتى من أهله الأقربين ومن بينهم أخوه الأستاذ محي الدين زكريا النصولي (1961-1896) ، السياسي اللبناني، والوزير والنائب وممثل لبنان لدى الأمم المتحدة، ومؤسس صحيفة بيروت، الذي وصفته نقابة الصحافة اللبنانية أنه “كان وطنياً في كل مواقفه فكان يدعو الى المحبة والتآخي من اجل بناء وطن متماسك الأركان”، وكان من أوائل الصحفيين الذين انتصروا للمظالم التأريخية التي جرت على أبناء جنوب لبنان، بما يوحيه هذا النص الذي “اقتطفه وأعاد نشره في جريدة الأخبار الأستاذ أسعد أبو خليل” من مقالة كتبها النصولي في جريدته «بيروت» بتاريخ ٢٨ آب ١٩٣٦ بعنوان «الجبل يستنجد، فهَل مِن مُنجِد؟». قال: «لستُ أعني بالجبل جبلَ لبنان، فهو نائم قرير العين فيه طرقات معبّدة وفيه مياه جارية وفيه مدارس راقية… وفيه رغد ورخاء لأنّ أبناءه يتمتّعون بأعلى المناصب وأهم المراكز في الجمهوريّة. ولكنّي أعني بالجبل جبلَ عامل، هذه القطعة الجبّارة من الوطن العربي، هذه البقعة المباركة التي يسكنُها إخوان لنا… والتي غمط حقّها فنسيَتها الجمهوريّة ولم تعاملها كما عاملت بقيّة بقاعها، فخيّم عليها الجهل وسادتْها جماعة من الإقطاعيّة، فبدلاً من أن يفتحوا أعينها للنور فضّلوا أن تظلّ راقدة في ظلمات البداوة، وبدلاً من أن يأخذوا بيَد فلاّحها القوي استعبدوه واستضعفوه فذبحوه. أين الطرقات التي شُقّت في جبل عامل، وأين المدارس التي فُتحت… وأين المنشآت الاجتماعيّة التي أُقيمت في ربوعه؟ إنّ نفسي لتبكي بكاءً مرّاً عندما أرى أبناء الجبل الأشمّ يهبطون بيروت ليكونوا حمّالين ومسّاحي أحذية وباعة جرائد. إنّ قلبي ليذوب ألماً لمرأى الشباب العربي يتعثّر بالجهل ويعيش على هامش الحياة فيضمّ القرش إلى القرش ويقنع بالقليل ويأوي إلى غرف قذرة ثم يعود إلى قريته ليعاود حياة التعب والجهاد. لقد تتابعت الحكومات على هذه البلاد فلم تُعرْ جبل عامل اهتمامها ولم تعطه حقّه ولم تعبّد فيه الطرقات ولم تجرّ إليه المياه الصحيّة، ولم تنشر التعليم بين أبنائه ولم تحبّه بوسيلة واحدة من وسائل المدنيّة، ولكنّها عرفت كيف تجني منه الضرائب وكيف تأخذها حتى آخر فلس وعرفت كيف تكمّ أفواه نوّابه فلم يقوموا بمهمّتهم حقّ القيام نحو ناخبيهم ونحو الأرض التي رفعتهم إلى كرسي النيابة ونحو إخوانهم الذين وضعوا بهم ثقتهم وعلّقوا بهم آمالهم. إنّ مائة ألف من سكّان جبل عامل يستنجدون ويطلبون الإنصاف والعدل وهم قوّة لا يُستهان بها في هذا الوطن، ويطلبون من فخامة الرئيس أن يضع حدّاً لتعنّت المتعنّتين وتحدّي المتحدّين. إنّ أبناء جبل عامل يحبّون الهدوء ويتطلّعون إليه ويودّون أن يعيشوا براحة وسكينة». ولمزيد من تفاصيل هذه القضية والاطلاع على مصادرها بدقة يُنظر كتابنا: مسلمون لا طوائف، بيروت 2007، وموسوعة الموسم المجلد 79-80 لسنة 2009 ص 611-624.
14