د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
2/3
أمريكا واستراتيجية نقل الجهادية من التنظيم إلى الدولة.
وهنا لا نكون أمام ترويض قوة واحدة، بل أمام عملية ترويض مزدوجة.
الجهادي (النصرة أو الداعشي مثالا) يُروّض بأن يُعطى الدولة. والكوردي يُروّض بأن يُطلب منه تسليم القوة التي جعلته شريكًا للدول الكبرى.
الأول ينتقل من التنظيم إلى السلطة مقابل التخلي عن الجهاد العابر للحدود، والثاني ينتقل من قوة حليفة مستقلة إلى مكوّن داخل الدولة مقابل وعود بحقوق ومشاركة ومناصب.
لكن الفارق هائل، الأول يدخل الدولة ممسكًا بمفاتيحها، والثاني يدخلها بعد أن يكون قد سلّم أهم أوراقه.
فبينما كان أحمد الشرع يُروَّض سياسيًا طوال عامين على يد السفير الأمريكي السابق روبرت فورد، كان توماس باراك، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعمل على تفكيك قوى التحالف الذي هزم داعش، وفي مقدمتها قسد. وهكذا أعادت واشنطن تأهيل المهزوم، بينما بدأت بالتخلي عن القوة التي صنعت لها النصر.
وهذه ربما أكثر صفحات الاستراتيجية الغربية الجديدة قسوة أخلاقية. فالكورد لم يكونوا المتفرجين في الحرب على داعش. كانوا القوة البرية التي حملت جزءًا كبيرًا من أعبائها، ودفعت آلاف الضحايا، وحمت مدنًا وشعوبًا لم تكن كلها كوردية، وحملت عن التحالف الدولي حربًا كان يمكن أن تتطلب قوات غربية كبيرة على الأرض.
وحين انتهت وظيفة الحرب بدأت وظيفة التسوية.
وهنا ظهر أن التحالفات الدولية ليست اعترافًا بالتضحيات، بل عقودًا مرتبطة بوظائف محددة. عندما كان داعش يشكل الخطر الأول، كان الكوردي «الشريك الذي لا غنى عنه». وعندما أصبح المطلوب احتواء البيئة الجهادية وتحويل جزء منها إلى سلطة، أصبح استمرار القوة الكوردية المستقلة عقبة أمام هندسة الدولة الجديدة وصفقة التفاهم مع تركيا.
ولذلك لا تقتصر الخسارة الكوردية على حل تشكيل عسكري. الخطر الأكبر هو أن تُختزل قضية شعب، بعد كل هذه التضحيات، في مجموعة حقوق ثقافية وإدارية ومقاعد ومناصب، بينما تضيع فرصة تاريخية لتحويل الواقع الذي صنعه الكورد إلى ضمانة دستورية وفيدرالية أو لامركزية حقيقية.
في هذه النقطة تتقاطع صفقة تركيا مع الاستراتيجية الأمريكية، واشنطن تريد دولة تستطيع ضبط الإسلاميين ومنع عودة داعش، وأنقرة تريد الدولة نفسها قوية بما يكفي لإنهاء الاستقلال الكوردي، وضعيفة بالقدر الذي يبقيها في دائرة النفوذ التركي.
لكن إسرائيل قرأت التجربة بطريقة مختلفة.
إسرائيل استفادت بلا شك من إسقاط النفوذ الإيراني في سوريا، ومن تراجع محور طهران، ولم تكن معنية ببقاء نظام الأسد. لكنها لم تقتنع بسهولة بأن تغيير موقع التنظيم الإسلامي يعني تغيير عقيدته. ولذلك ضغطت منذ مرحلة مبكرة باتجاه سوريا ضعيفة ولامركزية، وأبدت مخاوف واضحة من تحول النفوذ التركي إلى مظلة تحمي سلطة إسلامية قوية على حدودها. حتى إنها رأت، في لحظة معينة، أن بقاء قواعد روسية قد يكون أقل خطرًا من هيمنة تركية كاملة على سوريا الجديدة.
وهذا ليس تناقضًا إسرائيليًا بقدر ما هو اختلاف في تقدير الخطر. أمريكا تقول عمليًا، الدولة ستروّض التنظيم. إسرائيل تسأل: وماذا لو روّض التنظيم الدولة؟ وهنا أصل إلى المعضلة التي أراها أخطر من داعش نفسها.
الدول الكبرى لا يبدو أنها تكترث كثيرًا بما إذا أصبحت سوريا أو أفغانستان أكثر علمانية أو أكثر فقهية، طالما أن السلطة الجديدة لا ترسل الانتحاريين إلى نيويورك أو باريس، ولا تفتح أراضيها للقاعدة، ولا تهدد مباشرة المصالح الغربية.
لكن ماذا عن المجتمع نفسه؟ إذا توقف الجهادي عن حمل السلاح ثم حمل المنهج الدراسي، فهل انتهى التطرف؟
إذا خرج من المعسكر وأصبح في وزارة التربية أو الأوقاف أو القضاء أو الجامعة، هل أصبح معتدلًا؟ وإذا استبدل المحكمة السرية بالمحكمة الرسمية، والمنبر الجهادي بالمؤسسة الدينية التابعة للدولة، فهل تغير الفكر أم تغيرت وسيلته فقط؟
ربما تكون الاستراتيجية الغربية قد نجحت في اكتشاف طريقة لترويض الإرهاب العسكري، لكنها قد تكون في الوقت ذاته بصدد فتح الباب أمام توطين العقيدة في مؤسسات الدولة.
وهذا أخطر بكثير مما يبدو. السيارة المفخخة تدمر شارعًا. أما المدرسة العقائدية فتستطيع إعادة صياغة جيل.
المقاتل يستطيع قتل المئات، لكن نظامًا تعليميًا وفقهيًا مغلقًا يستطيع خلال عشرين عامًا أن ينتج ملايين البشر الذين ينظرون إلى المجتمع من خلال ثنائية المؤمن والكافر، الحلال والحرام، الأكثرية والأقلية، السيد والتابع.
وهنا لن يكون التطرف قد اختفى؛ بل يكون قد أصبح أكثر هدوءًا، وأكثر شرعية، وأعمق قدرة على البقاء.
ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس، هل توقف التنظيم عن الإرهاب؟ بل: أي مجتمع يبنيه بعدما يتوقف عن القتال؟
داعش نفسها تقدم جانبًا آخر من هذه الجدلية. «دولة الخلافة» التي سيطرت على المدن والحدود لم تعد موجودة، وتحولت إلى خلايا وعمليات متفرقة. لكنها لم تختفِ بالكامل، بل واصلت في 2026 تنفيذ هجمات على قوات الحكومة السورية الجديدة.
ومن الممكن أن يؤدي وجود داعش المحدود وظيفة مفيدة للنظام الجديد والاستراتيجية المحيطة به: فهناك دائمًا «إرهابي أسوأ» يمكن أن تقاتله السلطة الإسلامية الجديدة لكي تثبت للعالم أنها أصبحت جزءًا من الحرب على الإرهاب لا جزءًا منه.
وهكذا تتشكل مفارقة شديدة الذكاء: يُعاد تقسيم الجهادية إلى قسمين؛ من يقبل الدولة والحدود والمصالح الدولية يصبح قابلًا للتعامل، ومن يتمسك بالخلافة والجهاد العالمي يبقى «الإرهابي» الذي تقاتله الدولة الجديدة.
بمعنى آخر، قد لا يكون المطلوب إنهاء الفكر الجهادي بقدر ما هو تحديد أي نسخة منه يمكن للنظام الدولي التعايش معها.
وهنا تصبح تجربة إيران واحدة من أكثر التحذيرات وضوحًا.
يتبع…