بيع لحوم الخنزير بين الشريعة الإسلامية والقانون العراقي

د. يوسف البرزنجي

لقد أثار موضوع بيع لحوم الخنزير في العراق نقاشًا قانونيًا حديثًا، خصوصًا بعد تداول واقعة بيع لحوم خنزير على أنها لحوم أغنام أو أبقار، الأمر الذي يقتضي التمييز بين مجرد بيع لحم الخنزير مع العلم بحقيقته، وبين غشه وتقديمه للمستهلك على أنه نوع آخر من اللحوم.

فقد حرّمت الشريعة الإسلامية لحم الخنزير تحريمًا صريحًا، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله تعالى:﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ سورة المائدة، الآية 3. وقوله تعالى:﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ سورة الأنعام، الآية 145.

وبناءً على ذلك استقر الفقه الإسلامي على حرمة أكل لحم الخنزير، كما امتد الحكم في الفقه إلى التعامل التجاري به، وعليه فإن بيع لحم الخنزير للمسلم لا يجوز شرعًا، كما أن الأصل في المعاملة التجارية به عند جمهور الفقهاء هو المنع، لكون محل العقد من الأعيان المحرمة، حيث لا يقتصر التحريم في الشريعة على استهلاك لحم الخنزير، وإنما يمتد إلى الاتجار به، استنادًا إلى القاعدة الفقهية المستمدة من الحديث النبوي «إن الله إذا حرّم شيئًا حرّم ثمنه»، وقد ورد كذلك في الحديث النبوي ذكر تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.

وعليه، فإن المنظور الشرعي ينطلق من مشروعية محل العقد، فإذا كان محل العقد محرمًا شرعًا، فإن التعامل التجاري فيه يكون محظورًا وفق الأحكام الفقهية ذات الصلة.

أما موقف القانون العراقي من بيع لحوم الخنزير فهنا ينبغي التمييز بصورة دقيقة بين التحريم الشرعي والتجريم القانوني، فالقانون الجنائي يقوم على مبدأ أساسي هو مبدأ الشرعية الجنائية(لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، وبالتالي فإن مجرد كون فعل معين محرمًا في الشريعة الإسلامية لا يعني تلقائيًا أن مرتكبه يعاقب عليه جنائيًا، ما لم يتضمن التشريع العراقي نصًا يقرر التجريم والعقوبة.

وبحسب ما تكشفه النصوص التشريعية العراقية ذات الصلة، لا يظهر وجود نص جزائي عام وصريح يجعل مجرد بيع لحم الخنزير، مع بيان طبيعته للمشتري، جريمة قائمة بذاتها، وهذا لا يعني أن تداول لحم الخنزير يكون خارج نطاق القانون، بل يخضع إلى مجموعة من القواعد المتعلقة بالغذاء والصحة العامة وحماية المستهلك والغش التجاري.

فقد نظم المشرع العراقي موضوع تداول المواد الغذائية من خلال نظام الأغذية رقم (29) لسنة 1985، الذي حظر بيع أو تداول الغذاء إذا كان(مضرًا بالصحة العامة، فاسدًا أو متحللًا، تالفًا، مغشوشًا، مجهزًا بطرق أو ظروف غير صحية، معبأً دون البطاقة الإعلامية المطلوبة)، وهذا التنظيم مهم جدًا في موضوع لحم الخنزير؛ لأن المسؤولية القانونية قد لا تقوم على مجرد كون اللحم لحم خنزير، وإنما قد تقوم بسبب طريقة تداوله أو الغش في حقيقته أو عدم بيان طبيعته للمستهلك.

كما تختلف المسألة اختلافًا جوهريًا عندما يقوم البائع بإخفاء حقيقة اللحم، فإذا قام شخص ببيع لحم خنزير، ولكنه أخبر المشتري بأنه لحم غنم أو بقر، فإن الواقعة تنتقل من مجرد مسألة تداول نوع معين من اللحوم إلى مسألة الغش والتدليس وتغيير حقيقة السلعة، فقد نصت المادة (467) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل على معاقبة من يغش متعاقدًا معه في حقيقة البضاعة أو طبيعتها أو صفاتها الجوهرية أو نوعها أو مصدرها، في الأحوال التي تكون فيها هذه الأمور سببًا أساسيًا في التعاقد.

وعليه، فإن بيع لحم الخنزير على أنه لحم غنم أو بقر يمكن أن يشكل غشًا تجاريًا؛ لأن المشتري لم يتعاقد على شراء لحم خنزير، وإنما تعاقد على شراء نوع آخر من اللحوم.

كما بين قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010، الذي جعل من أهدافه حماية المستهلك ومنع الإضرار به، ومن ثم فإن بيع لحم الخنزير دون بيان حقيقته، أو تقديمه للمستهلك باعتباره نوعًا آخر من اللحوم، يمكن أن يمس بصورة مباشرة حق المستهلك في معرفة طبيعة السلعة التي يشتريها.

وهنا تظهر أهمية البطاقة الإعلامية والبيانات المثبتة على المنتجات الغذائية، إذ نظم نظام الأغذية العراقي موضوع البيانات والإيضاحات المتعلقة بالسلعة الغذائية.

كما لم يقتصر التنظيم العراقي على الجانب التجاري، بل أخضع بيع اللحوم للرقابة الصحية، فقد أناط قانون الصحة العامة رقم (89) لسنة 1981 المعدل بالجهات الصحية المختصة مهمة مراقبة الأغذية المستوردة والمنتجة محليًا والتأكد من صلاحيتها للاستهلاك البشري، وكذلك مراقبة محلات تجهيز وتحضير وخزن وبيع ونقل الأغذية

كما توجد تشريعات وتعليمات خاصة بتنظيم ذبح الحيوانات وإعداد ونقل وخزن وبيع اللحوم المعدة للاستهلاك البشري، وبذلك فإن تداول أي نوع من اللحوم لا يكون بمنأى عن الرقابة الصحية والتنظيمية.

وعلى ما سبق فإننا نرى أن الموقف الشرعي و القانوني الأكثر انضباطًا يقوم على المبادئ الآتية:

أولًا: لحم الخنزير محرم شرعًا، والاتجار به محظور وفق الأحكام الفقهية الإسلامية.

ثانيًا: لا يجوز التوسع في التجريم عن طريق القياس أو الاستناد إلى مجرد التحريم الشرعي، لأن التجريم والعقاب في المجال الجنائي يخضعان لمبدأ الشرعية.

ثالثًا: مجرد بيع لحم الخنزير مع العلم بحقيقته لا ينبغي أن يوصف جزائيًا بأنه جريمة مستقلة ما لم يوجد نص خاص يجرّم هذا السلوك.

رابعًا: إذا اقترن البيع بالغش أو التدليس، كأن يقدم لحم الخنزير على أنه لحم غنم أو بقر، فإن الوصف القانوني يتغير؛ إذ يمكن أن تنطبق النصوص الخاصة بالغش في حقيقة البضاعة ونوعها، فضلًا عن النصوص المتعلقة بحماية المستهلك وسلامة الغذاء.

خامسًا: ينبغي على المشرع العراقي، إذا أراد وضع تنظيم خاص لهذه المسألة، أن يعالجها بنص واضح يوازن بين الأحكام الدستورية، والاعتبارات الشرعية، وحقوق المكونات الدينية، ومبدأ الشرعية الجنائية.

قد يعجبك ايضا