الذكرى 65 لثورة أيلول التعليم في ثورة أيلول… حين كان بناء الإنسان معركةً لا تقل عن حمل السلاح

شيركو حبيب

لم تكن الحرب وحدها هي التي تحدد شكل الحياة في المناطق التي امتدت إليها ثورة أيلول، فقد كان المجتمع مطالبًا في الوقت نفسه بالحفاظ على حياته اليومية، وتعليم أطفاله، وإعداد جيل يستطيع تحمل مسؤولية المستقبل. وبينما كانت الجبهات تشهد المواجهات، كانت هناك معركة أخرى تجري داخل الصفوف الدراسية والبيوت والأماكن التي تحولت إلى مدارس.
كان التعليم في تلك الظروف أكثر من درس وكتاب ومعلم. كان محاولة للحفاظ على استمرارية المجتمع، ووسيلة لبناء الوعي، ونافذة يطل منها الجيل الجديد على مستقبله. ولذلك فإن تجربة التعليم خلال الثورة تكشف جانبًا مهمًا من جوانبها، لا يظهر دائمًا في رواية المعارك والأحداث العسكرية.
فالثورة التي كانت تدافع عن حقوق شعبها كانت تدرك أن بناء المستقبل لا يكون بالسلاح وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى الإنسان المتعلم القادر على فهم واقعه، ومعرفة حقوقه، والمشاركة في بناء مؤسساته ومجتمعه.
التعليم وبناء الإنسان
في مجتمع عانى طويلًا من ضعف المؤسسات التعليمية، ومن محدودية وصول المدارس إلى المناطق الريفية، كان نشر التعليم قضية تتجاوز حدود المدرسة والكتاب. كانت المعرفة وسيلة لبناء الإنسان، ورفع مستوى الوعي، وإعداد جيل يستطيع أن يفهم حقوقه وتاريخه وقضيته.
وكانت الحركة الكوردية تدرك أن المجتمع الذي يريد الدفاع عن حقوقه يحتاج إلى الإنسان المتعلم، تمامًا كما يحتاج إلى المقاتل الذي يحمل السلاح.
فالمعلم لم يكن يؤدي مهمة التدريس فقط، والطالب لم يكن مجرد متلقٍ للمعرفة. كانت المدرسة مساحة تتشكل فيها شخصية الجيل الجديد، ويتعلم فيها الطفل القراءة والكتابة، ويتعرف إلى التاريخ والجغرافيا واللغة، ويكتسب القدرة على التواصل والتعبير.
ولهذا اكتسب التعليم أهمية خاصة في المناطق الريفية، حيث كانت الحاجة إلى المدارس والمعلمين أكبر، وحيث كان الوصول إلى التعليم أكثر صعوبة.
فالطفل الذي يتعلم القراءة والكتابة يمكن أن يصبح في المستقبل معلمًا أو صحفيًا أو موظفًا أو حقوقيًا أو شخصية سياسية وثقافية. ومن هنا يمكن فهم التعليم باعتباره استثمارًا في الإنسان قبل أن يكون استثمارًا في المدرسة.

المدرسة في ظروف الحرب
لم يكن التعليم خلال الثورة يجري في ظروف مستقرة. فقد كانت الحرب تفرض نفسها على الحياة اليومية، وكانت العمليات العسكرية والتنقلات والظروف الأمنية تؤثر بصورة مباشرة في المدارس والمعلمين والطلبة.
وفي بعض المناطق، لم تكن هناك أبنية مدرسية مناسبة، وكان التدريس يجري في أماكن بسيطة أو مؤقتة، بحسب ما تسمح به الظروف. كما كانت الكتب والوسائل التعليمية محدودة، وكان المعلم يعمل في ظروف تختلف بصورة كبيرة عن ظروف التعليم النظامي في المدن.
ومع ذلك، بقيت الرغبة في استمرار التعليم حاضرة. وهنا تكمن أهمية التجربة؛ فلا ينبغي النظر إلى تعليم الثورة من خلال عدد الأبنية المدرسية أو حجم الإمكانات المتوفرة فقط، لأن الثورة كانت تعمل في ظروف استثنائية.
والسؤال الأهم ليس: كم كانت الإمكانات؟ بل: كيف استطاع المجتمع أن يحافظ على التعليم في الوقت الذي كانت فيه الحرب تهدد أبسط مقومات الحياة؟
المعلم والطالب… مسؤولية تتجاوز الصف
كان للمعلم موقع خاص في هذه التجربة. فقد وجد نفسه أمام مسؤولية الحفاظ على العملية التعليمية في مجتمع يعيش ظروف الحرب والتنقل وعدم الاستقرار. ولم تكن مهمته سهلة، إذ كان عليه أن يواصل عمله بما يتوفر لديه، وأن يحافظ على ارتباط الطلبة بالتعليم رغم الصعوبات.
أما الطلبة، فكانوا من أكثر الفئات تأثرًا بظروف الثورة. فالحرب كانت تعني بالنسبة إلى بعضهم ترك الدراسة، أو الانتقال من منطقة إلى أخرى، أو الانقطاع المؤقت عن التعليم. وفي المقابل، استطاع آخرون مواصلة دراستهم رغم الصعوبات. وتظهر أهمية التعليم هنا في أن نتائجه الحقيقية لا تظهر دائمًا في لحظتها، وإنما بعد سنوات، عندما يتحول الطالب إلى معلم أو كاتب أو صحفي أو موظف أو شخصية سياسية واجتماعية. فالمعلم لم يكن ينقل المعلومات فقط، وإنما كان يساهم في تشكيل وعي اجتماعي جديد، ويمنح الأطفال والشباب فرصة للنظر إلى المستقبل بعيدًا عن واقع الحرب.
التعليم واللغة والهوية
كان التعليم مرتبطًا أيضًا بمسألة اللغة والهوية. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما هي جزء من ذاكرة المجتمع وثقافته وتاريخه. ومن هنا، فإن الحفاظ على اللغة وتعليمها للأجيال الجديدة، وتشجيع القراءة والكتابة ونقل المعرفة، كان يمثل جانبًا مهمًا من جوانب الحفاظ على الهوية الثقافية وربط الأجيال الجديدة بتاريخها ومجتمعها. ولهذا لم تكن المدرسة مكانًا لتعليم الحروف والأرقام فقط، بل كانت مساحة للحفاظ على الذاكرة الثقافية وتعزيز الشعور بالانتماء.
من التعليم إلى بناء المؤسسات
لم يكن التعليم ملفًا هامشيًا في مجتمع يعيش ظروف الثورة، بل كان أحد الشروط الضرورية لبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار. فلا يمكن بناء القضاء من دون متعلمين، ولا تطوير الإعلام من دون كتّاب وصحفيين، ولا إدارة المؤسسات من دون موظفين، ولا بناء مجتمع سياسي واعٍ من دون تعليم.
ومن هنا يصبح التعليم واحدًا من المفاتيح التي تساعدنا على فهم ثورة أيلول بصورة مختلفة؛ فهي لم تكن تقاتل من أجل الأرض فقط، وإنما كانت تحاول أيضًا بناء الإنسان الذي يستطيع أن يحمي تلك الأرض، ويفهم قضيته، ويواصل مسيرة شعبه.
حين يصبح التعليم جزءًا من النضال
قد لا يكون التعليم من أكثر الملفات التي تحظى بالاهتمام عند الحديث عن ثورة أيلول، لأن التاريخ العسكري والسياسي يطغى عادة على بقية جوانب التجربة. لكن النظر إلى الثورة من زاوية أوسع يكشف أن بناء الإنسان كان جزءًا من بناء القضية.
لقد أثبتت تجربة أيلول أن شعبًا يعيش ظروف الحرب يستطيع، رغم محدودية الإمكانات، أن يتمسك بالتعليم والثقافة، وأن يفتح أمام أطفاله وشبابه طريقًا نحو المستقبل.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتعليم في زمن الثورة. فالمعركة قد تنتهي، والجبهات قد تهدأ، لكن ما يبقى في الإنسان من علم ووعي ومعرفة يمكن أن ينتقل من جيل إلى آخر.
لقد كان السلاح ضرورة في زمن الحرب، لكن بناء الإنسان كان ضرورة للمستقبل.
فالثورات لا تستمر بالبنادق وحدها، وما يحفظ قضيتها عبر الأجيال هو الإنسان الذي يعرف لماذا ناضل، وما الذي أراده، وما الذي يجب أن يبنيه بعد انتهاء المعركة.

قد يعجبك ايضا