ياسين الحديدي
كركوك
تقوم مدينة كركوك القديمة، المعروفة بـ«القلعة»، فوق مستوطن أثري قديم ورد اسمه في الألواح المسمارية التي عُثر عليها في الموقع، والبالغ عددها 51 لوحًا، ويعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وقد عُثر على هذه الألواح مصادفةً عند سفح القلعة عام 1923.
وتشير المصادر إلى أن البابليين أطلقوا عليها اسم «أرابخا»، في حين سمّى الآشوريون المستوطن القريب منها «أرافا»، التي حُرّفت في العصور اللاحقة إلى «عرفة».
وتؤكد الكتابات المسمارية التي عُثر عليها في قلعة كركوك عام 1923 أن المدينة تعود في أصلها إلى «أرابخا»، وهي دولة مستقلة ظهرت في الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت تقوم على مجرى نهر «خاصة صو».
قلعة كركوك ومعالمها التاريخية
تُعد قلعة كركوك المدينة القديمة، وهي من أعرق مناطق المدينة، وقد ضمّت منذ القدم أحياءً سكنها التركمان. وتقع في الصوب الكبير من مدينة كركوك، شرقي نهر «خاصة جاي». ويبلغ ارتفاعها عن مستوى الأرض المجاورة نحو 18 مترًا، وتنحدر جوانبها تدريجيًا نحو الأسفل، فيما يأخذ شكلها العام هيئة دائرية تقريبًا. وكانت لها أربعة أبواب.
وتضم القلعة العديد من المعالم التاريخية والتراثية المهمة، من أبرزها:
1 ـ جامع النبي دانيال:
يُعرف بمئذنته التي يعود تاريخها إلى أواخر العصر المغولي، ويمتاز بناؤه بالعقود والأقواس الجميلة التي تقوم على قاعدة مثمنة الأضلاع.
2 ـ الجامع الكبير (أولو جامع):
ويُسمّى أيضًا «جامع مريم آنا»، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الثالث عشر الميلادي.
3 ـ القبة الزرقاء (كوك كنبد):
وهي بناء مثمن الشكل يتميز بطراز معماري جميل، تتخلله الزخارف الآجرية النباتية، ومطعّم بالقاشاني الملون، ومزيّن بشريط من الكتابات في أعلى البناء من الخارج. ويُستدل من الكتابة الموجودة عليها أن القبة استُخدمت في عام 762هـ، وتضم رفات الأميرة التركمانية «بغداي خاتون».
4 ـ جامع عريان:
يعود تاريخه إلى عام 1142هـ، ويقع وسط القلعة. ويتميز بقبته الكبيرة التي تقوم على أربعة أضلاع متساوية، ترتكز عليها ثمانية أضلاع، تعلوها ستة عشر ضلعًا تشكّل قاعدة القبة، التي يبلغ ارتفاعها نحو خمسة عشر مترًا.
5 ـ كاتدرائية أم الأحزان:
وتُسمّى أيضًا «الكنيسة الكلدانية»، وقد بُنيت على أنقاض كاتدرائية قديمة. وهي مشيدة بالحجر والجص، وتقوم سقوفها وأروقتها على أقواس وأعمدة من المرمر، وتُعد تيجان أعمدتها الفخمة آيةً فنيةً في البناء المعماري. ويعود تاريخ بنائها إلى عام 1862.
المسيحيون في قلعة كركوك
أما بخصوص المسيحيين الذين كانوا يسكنون القلعة، فتشير الروايات إلى أن مسيحيي القلعة كانوا من أصول تركمانية، ولم تكن لهم لغة أخرى. وكانوا يقيمون شعائر الصلاة والعبادة في كنيستهم الخاصة، التي كانت تُعرف باسم «قرمزي كيلسه»، أي «الكنيسة الحمراء»، نسبةً إلى وقوعها على تل أحمر.
وكانوا يرتلون صلواتهم باللغة التركمانية من الكتاب المقدس المعروف بـ«مدراش».
وفي كتاب «كرد وترك وعرب» لمؤلفه سي. جي. إدموندز، بترجمة جرجيس فتح الله، ومنشورات جريدة التآخي عام 1971، يذكر المؤلف عن «مسيحيي القلعة» ما يأتي:
«كانت كركوك في أيام الإمبراطورية الساسانية مركزًا مشهورًا من مراكز النساطرة، وكرسيًا لرئيس أساقفة (بيت كرمي ـ باجرمي). هذه الطائفة يمثلها اليوم (الحديث في العشرينيات) زهاء مائة وخمسين أسرة كلدانية. يسكن معظمها في الأحياء القديمة من التل (يقصد به القلعة)، ويدير أمورها الدينية مطران يدعى اسطيفان جبري. ويتزعم الطائفة ثلاثة من أغنياء تجارهم وملاكهم، هم: ميناس غريب، قسطنطين، وتوما هندي».
ويضيف إدموندز أن لهم مقامًا محترمًا في المجتمع، وكان أولهم عضوًا في مجلس الإدارة المنتخب، وهو مجلس كان في العهد العثماني ذا صلاحيات واسعة. كما يذكر أن هذه الطائفة كانت تفخر، إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، بامتلاكها أقدم بيعة للنصارى، وهي «بيعة الشهداء»، التي بُنيت في القرن الخامس الميلادي تخليدًا لذكرى شهداء اضطهاد الملك الساساني يزدجرد الثاني (438 ـ 457م).
6 ـ بوابة طوب قابي
تقع بوابة طوب قابي في الجهة الغربية من القلعة، وتطل على نهر «خاصة». وهي البوابة الوحيدة المتبقية من البوابات الأربع، ويعود تاريخها إلى أكثر من مائة وخمسين عامًا. وتتميز بأقواسها المدببة ونصف الدائرية، وقبوها شبه البيضوي.
7 ـ البيوت التراثية
تزخر قلعة كركوك بالعديد من الدور التراثية ذات المواصفات النادرة والفريدة، ومن أبرزها «دار طيفور»، التي تمثل الطراز المعماري التركماني القديم.
وتتكون الدار من ثلاثة بيوت متداخلة؛ الأول ذو أعمدة مرمرية دقيقة، ومداخل غرفه ونوافذه مؤطرة بالمرمر والزخارف. أما الدار الثانية فتتكون من مجاز وسرداب وكوشك، في حين أن الدار الثالثة، التي تُسمّى «بيت العروس»، فتتكون من ردهة صغيرة «طارمة» وغرفة مستطيلة الشكل.
وتتميز هذه الدور بعقودها وأقبيةها وزخارفها الجصية والنباتية والحيوانية، ولكل دار من دور القلعة التراثية خصائص وميزات خاصة، تكاد لا نجدها في الدور الأخرى، تلك الدور التي اعتادت أن تروي هموم أهلها وأفراحهم، وأن تحتضن جلسات السمر الكركوكية القديمة.