زيارة تتجاوز البروتوكول: الزيدي في باريس وبرلين وخرائط المصالح الجديدة قراءة في جولة عراقية تبحث عن الشراكة لا عن المجاملة
الدكتورة نادية الجدوع
ليست كل الزيارات السياسية متشابهة.
هناك زيارات تُؤدّى فيها الطقوس الدبلوماسية، تُلتقط الصور، تُلقى الكلمات، ثم تعود الطائرة إلى بغداد ويبقى كل شيء تقريباً في مكانه.
وهناك زيارات تأتي في لحظة مختلفة؛ لحظة تكون فيها الجغرافيا السياسية قيد إعادة الترتيب، والاقتصاد يبحث عن منافذ جديدة، والدول تعيد تعريف مصالحها قبل أن تعيد تعريف تحالفاتها.
من هنا، لا تبدو زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى باريس وبرلين مجرد جولة أوروبية في جدول دبلوماسي مزدحم، بل يمكن قراءتها بوصفها محاولة لفتح مسار جديد في علاقة العراق بأوروبا: من علاقة تقوم على التواصل السياسي إلى شراكات تُقاس بالاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والصناعة والأمن والتنمية. وقد أعلنت الحكومة أن الجولة تشمل فرنسا وألمانيا، مع أجندة تتناول الاقتصاد والاستثمار والتجارة والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة، فضلاً عن الملفات السياسية والأمنية والإقليمية والدولية.
والسؤال هنا: ماذا سيقول الزيدي في باريس وبرلين؟
بل السؤال الأكثر عمقاً:
ماذا يريد العراق أن يغيّر بعد باريس وبرلين؟
باريس أولاً… لأن السياسة لا تزال مفتاح الاقتصاد
أن تبدأ الجولة من باريس، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يحمل دلالة سياسية تتجاوز الشكل البروتوكولي.
فالزيارة الفرنسية تتضمن لقاءً بين الزيدي وماكرون، ومباحثات موسعة حول الاقتصاد والأمن والطاقة والتعليم وغيرها، مع التوجه إلى توقيع مذكرات تفاهم في قطاعات متعددة. كما أعلنت الرئاسة الفرنسية أن جدول المباحثات يتناول قطاعات مثل الطاقة والنقل والبنى التحتية والمياه والصحة، إلى جانب التعاون الأمني والدفاعي.
وهنا تظهر أهمية باريس في المعادلة العراقية.
فرنسا ليست مجرد اقتصاد أوروبي كبير؛ إنها دولة ذات وزن سياسي وأمني داخل أوروبا، وذات حضور في ملفات الشرق الأوسط، وبالتالي فإن العلاقة معها يمكن أن تمنح بغداد مساحة أوسع للتحرك داخل البيئة الأوروبية.
لكن الأهم أن العراق لا ينبغي أن يذهب إلى باريس بعقلية طلب المساعدة.
بل بعقلية عرض المصالح.
العراق يمتلك سوقاً، وموقعاً جغرافياً، وموارد، واحتياجات ضخمة في البنى التحتية والطاقة والنقل والمياه والصحة والصناعة.
وأوروبا تمتلك رأس المال، والخبرة، والتكنولوجيا، والشركات، والمعرفة المؤسسية.
إذن المعادلة الأكثر ذكاءً ليست:
العراق يطلب… وأوروبا تمنح.
بل:
العراق يعرض فرصاً… وأوروبا تستثمر في شراكة متبادلة.
وهنا يبدأ الفرق بين الدبلوماسية التقليدية والدبلوماسية الاقتصادية الحديثة.
برلين… حيث تتحول المعرفة إلى قوة إنتاج
إذا كانت باريس تحمل ثقلاً سياسياً واستراتيجياً، فإن برلين تحمل وزناً مختلفاً: الصناعة، التكنولوجيا، المعرفة، التدريب، والهندسة الاقتصادية.
وقد تحدث الزيدي قبيل الجولة عن فتح أبواب جديدة مع باريس للتعاون والاستثمار والتنمية، وعن العمل مع برلين على شراكات تؤسس للمعرفة والتكنولوجيا والصناعة.
وهذه العبارة تستحق التوقف.
لأن العراق لا يحتاج في المرحلة القادمة إلى أن يصبح مستهلكاً أكبر للتكنولوجيا.
بل يحتاج إلى أن يصبح منتجاً أكثر للمعرفة والقيمة.
الاستثمار الحقيقي ليس أن تدخل شركة أجنبية إلى السوق العراقية لتبيع منتجاتها ثم تغادر بالأرباح.
الاستثمار الاستراتيجي هو أن تدخل الشركة، وتبني مصنعاً، وتدرب الكفاءات العراقية، وتنقل التكنولوجيا، وتخلق سلسلة توريد محلية، وتفتح أسواقاً جديدة، وتبقي جزءاً متزايداً من القيمة داخل العراق.
وهنا تحديداً تصبح ألمانيا شريكاً محتملاً في مشروع أكبر:
الانتقال من اقتصاد الاستيراد إلى اقتصاد الإنتاج.
بين باريس وبرلين… العراق يبحث عن معادلة جديدة
اللافت في الجولة أن المحطتين ليستا متطابقتين.
باريس يمكن أن تمثل بوابة سياسية–اقتصادية–أمنية.
وبرلين يمكن أن تمثل بوابة صناعية–تكنولوجية–معرفية.
وهذا يجعل الجولة، إذا أُديرت بعقل استراتيجي، قابلة لأن تتحول إلى أكثر من زيارتين منفصلتين.
يمكن أن تصبح مساراً أوروبياً متكاملاً للعراق.
طاقة.
صناعة.
تكنولوجيا.
نقل.
بنية تحتية.
مياه.
صحة.
تعليم.
أمن.
استثمار.
هذه ليست ملفات متناثرة.
هذه، في حقيقتها، مكونات دولة حديثة.
العراق لا يحتاج إلى أصدقاء أكثر… بل إلى مصالح أكثر
في العلاقات الدولية، الصداقة السياسية جميلة في الخطاب، لكنها لا تكفي لبناء الدول.
الدول الكبرى لا تتحرك بالعاطفة.
إنها تتحرك وفق حسابات المصالح.
ولهذا فإن العراق، إذا أراد بناء سياسة خارجية أكثر قوة، يحتاج إلى الانتقال من مفهوم:
«من يقف معنا؟»
إلى مفهوم:
«ما الذي يمكن أن نبنيه معاً؟»
وهنا تصبح الشراكة العراقية–الأوروبية أكثر واقعية.
العراق يحتاج أوروبا.
وأوروبا تحتاج إلى أسواق جديدة، ومصادر طاقة، وفرص استثمار، وممرات اقتصادية، وشراكات في منطقة ذات أهمية استراتيجية.
إذن هناك مصالح متبادلة.
والسياسة الذكية هي التي تعرف كيف تحول تقاطع المصالح إلى نفوذ مشروع.
الطاقة… من مورد إلى ورقة استراتيجية
الطاقة ليست ملفاً اقتصادياً عادياً في العراق.
إنها جزء من معادلة السيادة.
والحديث عن التعاون مع فرنسا في الطاقة، وعن الصناعة والتكنولوجيا مع ألمانيا، يفتح الباب أمام سؤال أكبر:
هل يستطيع العراق أن ينتقل من تصدير المواد الخام إلى بناء منظومة طاقة وصناعة متكاملة؟
هذا هو التحدي.
العراق يمتلك موارد ضخمة، لكنه يحتاج إلى مضاعفة القيمة الاقتصادية لهذه الموارد.
الغاز لا ينبغي أن يكون مجرد مادة تُهدر أو تُحرق.
والنفط لا ينبغي أن يبقى نهاية السلسلة الاقتصادية.
والكهرباء لا ينبغي أن تكون ملف أزمة دائم.
بل ينبغي أن تتحول الطاقة إلى قاعدة لصناعة عراقية جديدة.
ومن هنا تصبح الشراكات الأوروبية مهمة عندما تكون مرتبطة بالتكنولوجيا والتصنيع ونقل المعرفة، لا بمجرد شراء المعدات.
الأمن يدخل من الباب نفسه
لا يمكن الحديث عن الاستثمار من دون الأمن.
ولا يمكن الحديث عن الصناعة من دون الاستقرار.
ولا يمكن الحديث عن التنمية من دون سيادة.
ولهذا فإن حضور الملف الأمني والدفاعي في المحادثات العراقية–الفرنسية ليس منفصلاً عن الاقتصاد، بل هو جزء من البيئة التي يحتاجها العراق لجذب الاستثمارات وحماية مشاريعه. وقد أشارت المعطيات المعلنة إلى أن التعاون الأمني والدفاعي، إلى جانب مكافحة الإرهاب واحترام السيادة، سيكون ضمن محاور المباحثات.
وهنا تظهر قاعدة لا يمكن تجاوزها:
رأس المال يبحث عن الاستقرار قبل أن يبحث عن الأرباح.
والعراق الذي يريد استقطاب الشركات العالمية يجب أن يقدم نفسه بوصفه دولة مؤسسات وقانون وسيادة، لا مجرد سوق واسعة.
التوقيت… هو نصف الرسالة
قيمة أي زيارة سياسية لا تُقرأ فقط من جدولها.
بل من توقيتها.
الجولة الأوروبية تأتي في مرحلة يسعى فيها العراق إلى توسيع شبكة علاقاته الدولية وتنويع شراكاته، في وقت تتغير فيه معادلات المنطقة، وتُعاد صياغة أدوار القوى الدولية، وتصبح الطاقة والممرات التجارية والتكنولوجيا والأمن الاقتصادي عناصر متداخلة في صناعة القرار الدولي. وتصف الحكومة الجولة بأنها جزء من توجه لبناء علاقات خارجية متوازنة قائمة على المصالح المشتركة.
لذلك فإن الرسالة الأهم التي يمكن أن تحملها الزيارة هي:
العراق لا يريد أن يكون محصوراً داخل خريطة واحدة للعلاقات.
إنه يريد أن يفتح أكثر من باب.
وهذه ليست مناورة سياسية.
إنها، إذا أحسن العراق إدارتها، سياسة تنويع استراتيجي.
لكن باريس وبرلين ليستا نهاية الطريق
هنا تبدأ الحقيقة الأصعب.
الزيارة يمكن أن تكون ناجحة دبلوماسياً، لكنها لا تكون ناجحة استراتيجياً إلا إذا تحولت نتائجها إلى أفعال.
مذكرة التفاهم ليست مشروعاً.
والتصريح السياسي ليس استثماراً.
والصورة مع الرئيس ليست إنجازاً اقتصادياً.
الإنجاز الحقيقي يبدأ عندما نرى:
مصنعاً يُبنى.
خط إنتاج يبدأ.
تكنولوجيا تُنقل.
مهندساً عراقياً يتدرب.
شركة عراقية تدخل سلسلة توريد أوروبية.
طاقة تُنتج بكفاءة أعلى.
ماءً يُدار بتكنولوجيا حديثة.
بنية تحتية تُنجز.
عندها فقط يمكن القول إن الزيارة تجاوزت البروتوكول.
المطلوب: هندسة ما بعد الزيارة
إذا أرادت بغداد تحويل هذه الجولة إلى نقطة تحول، فإنها تحتاج إلى إنشاء غرفة متابعة استراتيجية عراقية–أوروبية لا تنتهي بانتهاء الزيارة.
كل مذكرة تفاهم يجب أن تتحول إلى:
مشروع.
وكل مشروع إلى:
تمويل.
وكل تمويل إلى:
جدول زمني.
وكل جدول إلى:
مؤشر إنجاز.
وكل إنجاز إلى:
أثر اقتصادي حقيقي.
هذه هي الطريقة التي تُبنى بها الدول.
لا بالبيانات وحدها، وإنما بتحويل البيان إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى مشروع، والمشروع إلى نتيجة.
العراق أمام فرصة… وليس أمام رحلة
الزيدي، وهو يغادر بغداد إلى باريس ثم برلين، لا يحمل حقيبة دبلوماسية فقط.
يحمل، بالمعنى الاستراتيجي، ملف العراق كله:
كيف نعيد بناء الاقتصاد؟
كيف نستقطب التكنولوجيا؟
كيف نوسع الصناعة؟
كيف نحمي الطاقة؟
كيف نعيد تعريف الاستثمار؟
كيف نُثبت السيادة؟
كيف نبني علاقات متوازنة؟
وكيف يتحول العراق من دولة تتأثر بما يجري حولها إلى دولة تستطيع التأثير في محيطها؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تبقى فوق طاولة المباحثات.
الخاتمة: عندما يصبح العراق هو صاحب الخريطة
قد تنتهي زيارة باريس.
وقد تبدأ زيارة برلين.
وقد تعود الطائرة إلى بغداد.
لكن القصة الحقيقية لن تنتهي عند مطار الوصول.
هناك، في بغداد، يبدأ الامتحان.
فإذا تحولت باريس إلى شراكات، وبرلين إلى تكنولوجيا وصناعة، وأوروبا إلى استثمار طويل الأمد، فإن الجولة تكون قد تجاوزت البروتوكول بالفعل.
أما إذا بقيت النتائج في حدود الصور والبيانات ومذكرات التفاهم غير المنفذة، فستكون مجرد محطة أخرى في دفتر الدبلوماسية.
العراق اليوم لا يحتاج إلى أن يُعرّف نفسه للعالم باعتباره دولة تملك النفط فقط.
العراق يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره:
سوقاً إقليمية، وموقعاً استراتيجياً، وممراً اقتصادياً، وبلداً قابلاً للصناعة، وشريكاً في الطاقة، ومركزاً محتملاً للتكنولوجيا والاستثمار.
وهنا تتحول الزيارة من حدث دبلوماسي إلى مشروع إعادة تموضع.
فالمشهد لم يعد:
الزيدي في باريس وبرلين.
بل:
العراق يبحث عن مكان جديد على طاولة المصالح الدولية.
وفي السياسة الدولية، لا يكفي أن تكون حاضراً على الطاولة.
القوة الحقيقية أن يكون لك مقعد… وأن تكون لديك ورقة تفاوض… وأن تعرف متى تستخدمها.