آشتي عمر
هناك حكمة تقول: إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ومنع عنهم العمل . وهذه العبارة تلامس الواقع السياسي والأجتماعي والاقتصادي للعراق اليوم و يستحق التوقف عنده إذ يمكن للجدل حين يتجاوز حدوده الطبيعية، أن يتحول من وسيلة للوصول إلى الحل إلى وسيلة لتعطيله.
فمن خلال متابعتي اليومية للقنوات والبرامج السياسية لاحظت استهلاك الكثير من الوقت في الخلافات السياسية وتبادل الاتهامات وتشخيص التعقيدات بدون ايجاد حلول منطقية وواقعية يخدم مستقبل المواطن .
وفي المقابل، تبقى الأسئلة الأكثر أهمية معلقة: أين الصناعة العراقية؟ أين المشاريع الإنتاجية الكبرى؟ أين فرص العمل؟ أين تحديث البنية التحتية؟ أين الاستثمار الحقيقي؟ وكيف يمكن تحويل ثروات البلد إلى اقتصاد قوي يوفر حياة أفضل لأبنائه؟
فالمواطن اليوم لا يحتاج إلى من يشرح له أن هناك أزمة فهو يعيش تفاصيلها . ولا يحتاج إلى المزيد من الخطابات التي تعدد المشكلات بل يريد أن يرى طريقاً يُعبّد، ومصنعاً يُفتتح، ومشروعاً يُنجز، ومستشفى ومدرسة وخدمات تتحسن، وفرصة عمل تحفظ كرامة الإنسان وتمنحه القدرة على بناء مستقبله.
إن العراق اليوم بحاجة إلى الانتقال من سياسة إدارة الخلافات إلى سياسة صناعة الإنجازات. فالاختلاف السياسي حق طبيعي والمعارضة ضرورية والنقد مطلوب لكن كل ذلك يفقد قيمته عندما يتحول إلى جدل دائم وعقيم لا ينتج قراراً ولا يفتح مشروعاً ولا يحل مشكلة.
كما أن مسؤولية البناء لا تقع على الحكومة وحدها. فالأحزاب والقوى السياسية والنخب الفكرية والاقتصادية مطالبة بأن تقدم رؤى وبرامج حقيقية وأن يكون التنافس بينها على ما تستطيع أن تضيفه إلى الدولة والمجتمع، لا على قدرتها على تعطيل الحياة.
والأخطر أن ثمن هذا التعطيل لا يدفعه السياسي وحده، بل تدفعه الأجيال القادمة. فكل عام يمر من دون إصلاح اقتصادي حقيقي، ومن دون صناعة وزراعة وتجارة وبنية تحتية حديثة، يعني تراكم مشكلة جديدة فوق مشكلاتنا القديمة.
لقد حان الوقت لأن نسأل أنفسنا بوضوح: هل نريد دولة يختلف فيه السياسيون على كل شيء، أم دولة يتنافس فيه السياسيون على من يبني أكثر ؟
فالجدل قد يكشف المشكلة، لكنه لا يحلها. والخطاب قد يلفت الانتباه، لكنه لا يبني مصنعاً. والوعود قد تمنح الأمل، لكنها لا توفر فرصة عمل.
نحن اليوم بحاجة إلى قرار يتحول إلى عمل، والعمل يتحول إلى إنتاج، والإنتاج يتحول إلى تنمية، والتنمية تتحول إلى مستقبل أفضل.
أما الاستمرار في الدوران داخل دائرة الجدل، والبحث عن المعوقات وتأجيل الحلول فلن يؤدي إلا إلى استنزاف حاضر البلد وتحطيم مستقبله.
العراق لا يحتاج مزيداً من الكلام عن المستقبل يحتاج إلى من يبدأ ببناء المستقبل.