انس الشيخ مظهر
تكرّر الأدبيات التي تتناول العلاقة “الأمريكية الكوردستانية” زاوية واحدة تكاد تكون حصرية وهي حاجة الإقليم إلى الغطاء السياسي والدعم الأمني الأمريكي، وكأن كوردستان طرف يطلب الحماية دون مقابل حقيقي، وكأن واشنطن تمنح هذا الدعم كالتزام أخلاقي لا أكثر. وهذا المنظور يظل قاصراً وسطحياً في آن واحد، لأنه يتعامل مع علاقة استراتيجية معقدة وكأنها مجرد مسألة مساعدات أو رعاية سياسية عابرة.
فلو كانت هذه العلاقة فعلاً بهذه البساطة، لكانت انتهت منذ زمن طويل مع أول تبدل جدي في الأولويات الأمريكية، أو مع أول إدارة ترى في الانخراط الإقليمي عبئاً لا داعي له. لكن ما حدث هو العكس تماماً , فقد صمدت هذه العلاقة أمام سبع إدارات أمريكية متعاقبة، مختلفة التوجهات والأولويات، بعضها انسحب من ملفات إقليمية أكبر بكثير، وبعضها أعاد النظر في تحالفات أقدم وأثبت تاريخياً. ومع ذلك، بقيت كوردستان حاضرة في الحسابات الأمريكية، بثبات يصعب تفسيره بمنطق «المِنّة» أو «الالتزام الأخلاقي».
والحقيقة أن الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تبني تحالفاتها على المجاملة الدبلوماسية أو الذاكرة الطيبة، ولا على تراكم عقوداً من الاستثمار السياسي والأمني والاستخباراتي في إقليم بعينه دون حساب دقيق لمصالحها الحيوية. وهذا ما يفرض إعادة صياغة السؤال على الشكل التالي :-
«ما الذي يجعل كوردستان، تحديداً، ذات قيمة مستمرة ومتجددة داخل معادلة الأمن القومي الأمريكي، بصرف النظر عمّن يجلس في البيت الأبيض؟».
*/ يتوسط إقليم كوردستان أربعة ملفات إقليمية بالغة الحساسية ” العراق وسوريا وتركيا وإيران” وهو ما يمنح واشنطن نقطة ارتكاز مباشرة وقريبة من بعض أكثر البؤر توتراً في الشرق الأوسط. هذه الميزة ليست تفصيلاً عابراً يمكن تعويضه بتبديل التحالفات , فالجغرافيا ثابتة لا تتغير، بخلاف الحكومات والتفاهمات السياسية التي تتبدل بتبدل الظروف.
*/ لا تستطيع واشنطن أن تبني سياستها العراقية اعتمادا على مركز سياسي واحد وهو بغداد , فوجود شريك مستقر ومؤسسي في أربيل يمنحها قناة موازية للعمل السياسي والاقتصادي والأمني، ويجعل سياستها تجاه العراق أكثر مرونة في التعامل مع تقلبات المشهد الداخلي. هذا لا يعني بالضرورة وضع أربيل في مواجهة بغداد، بل الاستفادة من تعدد مراكز التواصل المتاحة أمام صانع القرار الأمريكي.
*/ السياسة العراقية غير مستقرة بطبيعتها، والتحالفات والحكومات فيها عرضة للتغير المفاجئ. من هنا تكمن قيمة العلاقة مع كوردستان في كونها استثماراً بعيد المدى لا يرتبط بأزمة راهنة، بل بضمان بقاء خيار استراتيجي موثوق تحت تصرف واشنطن أياً كانت موازين القوى المقبلة في العاصمة الاتحادية.
*/ لا يمكن فصل التطورات في شمال وشرق سوريا عن البيئة الكوردية في العراق، فالروابط السياسية والأمنية والاجتماعية تمتد عبر الحدود دون اعتبار كبير للخطوط الرسمية. لذلك تشكّل أربيل قناة مهمة تساعد الإدارة الأمريكية على فهم أعمق للملف السوري والتأثير في مساراته، بدل الاكتفاء بمراقبته من الخارج.
*/ المنطقة ليست ساحة نفوذ أحادية، بل تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. وجود كيان مستقر نسبياً، يمتلك شبكة علاقات دولية متوازنة كإقليم كوردستان، يمنح السياسة الخارجية الأمريكية هامشاً أوسع للمناورة، ويحول دون اختزال المشهد الإقليمي في محور واحد لا بديل عنه.
*/ لا تتوقف أهمية كوردستان عند حدود السياسة والأمن , فمواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي يجعلانها عنصراً فاعلاً في شبكات الطاقة والتجارة الإقليمية. وتحرص واشنطن، من خلال دعمها، على إبقاء هذه المنطقة منفتحة على الاقتصاد الدولي، وضمان تدفق الموارد ضمن الأسواق العالمية بمعزل عن تجاذبات الصراع السياسي.
*/ تتميز الشراكة مع كوردستان بأنها تُدار عبر مؤسسات حكومية وأجهزة أمنية وهياكل إدارية دائمة، لا عبر تفاهمات فردية أو تحالفات ظرفية قابلة للتبدد بتبدل الأشخاص. وهذا ما يمنح الاتفاقيات صفة الاستمرارية والقابلية للتنفيذ على المدى الطويل، وهي ميزة نادرة في بيئة إقليمية تتسم غالباً بالتقلب.
*/ بناء شراكة استراتيجية بهذا الحجم يتطلب عقوداً من التنسيق السياسي والأمني وبناء الثقة المتبادلة. ومن ثم فإن التخلي عن هذا التحالف المجرَّب لا يعني فقط خسارة موقع، بل يعني أيضاً فتح المجال أمام أطراف إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ الناتج، وهو ما يرفع من كلفة أي قرار بالتراجع عن هذه العلاقة.
*/ غالباً ما تُختزل مقاربة مواجهة النفوذ الإيراني في العراق بالحديث عن الفصائل المسلحة أو الضغط الاقتصادي، بينما يُغفل بعد آخر أقل بروزاً , وجود شريك مستقر في أربيل يتيح لواشنطن حضوراً سياسياً وأمنياً مستمراً في الشمال العراقي، بمعزل نسبي عن دوائر النفوذ الأكثر تأثراً بطهران في بغداد , ما يمنح السياسة الأمريكية موطئ قدم لا يمكن لطهران التأثير فيه بالسهولة نفسها التي تؤثر بها في مراكز القرار الأخرى داخل العراق.
*/ وجود بنية تصدير نفطية عبر كوردستان باتجاه تركيا يمثل، من الناحية النظرية على الأقل، مساراً بديلاً جزئياً لتدفق الطاقة بعيداً عن مضيق هرمز الذي يبقى نقطة اختناق شديدة الحساسية في أي توتر إقليمي مع إيران. وحتى إن كانت طاقة هذا الممر محدودة قياساً بحجم التدفقات عبر الخليج، فإن مجرد وجوده كخيار احتياطي يمنح صانع القرار الأمريكي هامش أمان إضافياً في سيناريوهات إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه.
*/ يمثل الاستقرار النسبي وتعدد المكونات الدينية والعرقية داخل كوردستان نموذجاً تجد فيه واشنطن مادة سياسية ودعائية مفيدة، إذ يتيح لها الاستشهاد بتجربة حكم محلي أكثر انفتاحاً واستقراراً في منطقة كثيراً ما توصف بالهشاشة المؤسساتية. هذا البعد الرمزي لا يقل أهمية عن الأبعاد الأمنية والاقتصادية، لأنه يمنح السياسة الخارجية الأمريكية سرديةً إيجابية يمكن البناء عليها في خطابها الإقليمي والدولي.
*/ أي تراجع أمريكي محتمل عن هذه الشراكة لن يترك الساحة فارغة، بل سيفتح الباب أمام قوى دولية أخرى، وعلى رأسها الصين وروسيا، للتقدم بعروض استثمارية وأمنية بديلة، خصوصاً في قطاعي الطاقة والبنية التحتية. الحفاظ على العلاقة مع أربيل يشكل بذلك أداة استباقية تحول دون تمدد نفوذ هذه القوى في نقطة جغرافية شديدة الحساسية، لا تقل أهمية عن نقاط التنافس الدولي الأخرى في المنطقة.
*/ لا تقتصر قيمة أربيل الاستراتيجية على الداخل العراقي، فثمة تحليلات متزايدة تشير إلى أن الإقليم قد يتحول إلى قناة توسط عملية بين الأكراد السوريين من جهة، ودمشق وأنقرة من جهة أخرى، خصوصاً في ظل التعقيدات المستمرة في ترتيب العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الجديدة، وبين هذه الأخيرة وتركيا. فامتلاك أربيل لعلاقات متوازنة مع الأطراف الثلاثة كافة يمنحها موقعاً تفاوضياً نادراً، ويتيح لواشنطن استخدامها كجسر غير مباشر لتقريب وجهات النظر، دون الحاجة إلى انخراط أمريكي مباشر ومكلف سياسياً في ملف بالغ الحساسية. هذا الدور الوسيط، وإن لم يتبلور بعد بشكل كامل، يضيف بعداً وظيفياً جديداً لعلاقة واشنطن بأربيل يتجاوز حدود الملف العراقي الداخلي إلى فضاء إقليمي أوسع.
*/ من العوامل التي كثيراً ما تُغفل في تحليل هذه العلاقة، أن ملف كوردستان يحظى داخل الكونغرس الأمريكي بدعم يتجاوز الانقسامات الحزبية الحادة التي تطبع أغلب ملفات السياسة الخارجية الأمريكية. فتجمعات مثل «التحالف الكوردي» داخل الكونغرس، وشبكة العلاقات التي بنتها كوردستان مع أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، جعلت من دعم الإقليم موقفاً يحظى بإجماع نادر عابر للإدارات والتوجهات السياسية. وهذا يعني عملياً أن أي إدارة أمريكية، بصرف النظر عن توجهها الحزبي، تجد نفسها أمام كلفة سياسية داخلية منخفضة نسبياً حين تختار الاستمرار في دعم هذه الشراكة، بخلاف ملفات إقليمية أخرى تثير جدلاً حزبياً حاداً داخل واشنطن نفسها. هذا الدعم البرلماني شبه الحزبي لا يصنع وحده السياسة الخارجية الأمريكية، لكنه يشكل صمام أمان يحمي العلاقة من التقلبات المرتبطة بتغير الإدارات أو الأولويات الآنية.
الأدوات العسكرية والملفات الأمنية قابلة للتبدّل بحسب مقتضيات كل مرحلة، وقد تتقلص أو تتوسع بحسب توازنات آنية، لكن المصالح الجوهرية التي أسّست لهذه الشراكة أعمق من أن تتأثر بتذبذب هذه الأدوات , فهي مصالح جغرافية واستراتيجية واقتصادية راسخة، لا ترتبط بمزاج إدارة بعينها ولا بعنوان صحفي عابر.
وعليه، فإن أي رهان على أن واشنطن ستتخلى يوماً عن هذه الشراكة بمجرد تبدّل الظروف الأمنية أو انحسار خطر بعينه، هو رهان خاسر سلفاً، لأنه يقوم على قراءة منقوصة ومتسرعة لواقع لا تحكمه العاطفة ولا الذاكرة، بل تحكمه المصلحة الباردة والمحسوبة بدقة. كوردستان ليست ضيفاً ثقيلاً على الحسابات الأمريكية، بل شريك تدرك واشنطن جيداً، وإن لم تعلنه دوماً بصوت مرتفع، أن الاستغناء عنه أكلَف من التمسك به.