أحمد كوران
منذ عقود طويلة ما تزال القضية الكوردية واحدة من أكثر القضايا القومية تعقيداً في الشرق الأوسط. فالكورد من أكبر القوميات في المنطقة التي لا تمتلك دولة قومية مستقلة، ويتوزعون جغرافياً بين أربع دول ذات سيادة، مع احتفاظهم بهوية لغوية وثقافية وتاريخية راسخة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يزال مفتوحاً أمام التاريخ والسياسة: إلى متى يبقى حق الأمة الكوردية في تقرير مصيرها مؤجلاً؟
إن الحديث عن تقرير المصير لا يعني بالضرورة القفز مباشرة إلى خيار الدولة المستقلة، فحق الشعوب في تقرير مصيرها يمكن أن يأخذ أشكالاً سياسية وقانونية متعددة، تبدأ من الحقوق الثقافية والإدارية والحكم الذاتي والفدرالية، وصولاً إلى الاستقلال عندما تتوفر الظروف السياسية والقانونية المناسبة. ولذلك فإن القضية الكوردية تحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد، لا إلى ردود أفعال مرتبطة بالظروف المتغيرة.
التحديات أمام المشروع القومي الكوردي
أول هذه التحديات يتمثل في البيئة الجيوسياسية للمنطقة. فالدول التي يتوزع فيها الكورد تنظر إلى أي مشروع يمكن أن يؤدي إلى تغيير حدودها السياسية باعتباره تهديداً لوحدة أراضيها وأمنها القومي. ولذلك واجهت المطالب الكوردية، تاريخياً، ضغوطاً سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة.
أما على المستوى الدولي، فإن القوى الكبرى غالباً ما تتعامل مع القضية الكوردية وفق حسابات المصالح. وقد يتزايد الدعم للكورد عندما تتقاطع مصالحهم مع المصالح الدولية في ملفات مثل مكافحة الإرهاب أو تحقيق التوازن الإقليمي، لكنه يتراجع عندما تتغير الأولويات الدولية.
وهذا يعني أن التعويل على الدعم الخارجي وحده لا يمكن أن يكون استراتيجية دائمة. فالمجتمع الدولي يتعامل مع الدول والقوى التي تمتلك مؤسسات قوية واقتصاداً مستقراً وخطاباً سياسياً واضحاً، وليس فقط مع القضايا التي تمتلك شرعية تاريخية.
وهنا تظهر مسؤولية الكورد أنفسهم.
فالتعدد السياسي والجغرافي بين أجزاء كوردستان الأربعة أنتج تجارب مختلفة، وأحياناً متعارضة في التحالفات والرؤى السياسية. والاختلاف السياسي بحد ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون ظاهرة طبيعية في أي مجتمع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى انقسام يمنع بناء رؤية استراتيجية مشتركة للقضية الكوردية.
كما أن بناء أي مشروع سياسي مستقبلي يحتاج إلى مؤسسات فعالة، وحوكمة رشيدة، ومكافحة الفساد، وتنويع اقتصادي، واحترام التعددية السياسية والمجتمعية. فشرعية أي كيان سياسي لا تُبنى على التاريخ والهوية فقط، وإنما على قدرته أيضاً على توفير الأمن والكرامة والفرص الاقتصادية لمواطنيه.
من الانتظار إلى بناء القدرة
إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من سياسة انتظار الظروف المناسبة إلى صناعة الظروف المناسبة.
ويبدأ ذلك أولاً ببناء نموذج ناجح للحكم في المناطق التي يتمتع فيها الكورد بصلاحيات سياسية وإدارية. فكلما نجحت التجربة الكوردية في بناء مؤسسات مستقرة واقتصاد متنوع وحياة سياسية أكثر انفتاحاً، أصبحت أكثر قدرة على إقناع المجتمع الدولي بأن الكورد قادرون على إدارة شؤونهم وتحمل مسؤولية مستقبلهم.
ثانياً، تحتاج القوى السياسية والثقافية والمدنية الكوردية إلى إيجاد أطر للتنسيق والحوار. وليس المطلوب إلغاء الاختلافات الحزبية أو الفكرية، وإنما الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح القومية المشتركة، وفي مقدمتها حماية الهوية والحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية للشعب الكوردي.
ثالثاً، يجب تطوير الدبلوماسية الكوردية بحيث لا تكون مرتبطة بالأزمات فقط. القضية الكوردية تحتاج إلى حضور مستمر في المؤسسات الدولية ومراكز القرار والإعلام العالمي، وإلى خطاب سياسي يقدم الكورد باعتبارهم جزءاً من الحل الإقليمي، وليسوا مصدراً للصراع.
كما أن بناء علاقات متوازنة مع القوى الديمقراطية والمدنية داخل الدول الأربع التي يعيش فيها الكورد يمكن أن يفتح مساحات جديدة للحوار، ويحول القضية من مواجهة صفرية إلى مشروع سياسي قائم على الحقوق والشراكة والاستقرار.
الفدرالية واللامركزية… مرحلة أم هدف؟
في ظل الظروف الحالية، يمكن أن تكون الفدرالية الحقيقية واللامركزية الواسعة والحكم الذاتي المتقدم مسارات واقعية لتحقيق قدر أكبر من الإدارة الذاتية وحماية الحقوق القومية.
لكن ينبغي ألا يُنظر إلى هذه الخيارات باعتبارها بالضرورة نهاية الطريق. فقد تكون مرحلة من مراحل التطور السياسي، تتيح للكورد بناء المؤسسات وتعزيز الاقتصاد وتطوير تجربتهم السياسية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات مستقرة مع محيطهم الإقليمي.
فالسياسة ليست دائماً انتقالاً مباشراً من الواقع إلى الهدف النهائي، وإنما هي تراكم للقدرات والحقوق والاعترافات والإنجازات.
الإنسان الكوردي هو أساس المشروع
ويبقى الاستثمار في الإنسان الكوردي أهم من أي مشروع سياسي آخر.
فالأمم لا تبني مستقبلها بالشعارات وحدها، وإنما بالتعليم والمعرفة والاقتصاد والمؤسسات والوعي السياسي. وكلما كان الإنسان الكوردي أكثر تعليماً وقدرة على المنافسة والإنتاج وأكثر تمسكاً بلغته وثقافته وأكثر انفتاحاً على العالم، أصبح المشروع القومي أكثر قوة واستدامة.
كما أن بناء اقتصاد منتج ومستقل نسبياً عن التقلبات السياسية والإقليمية سيكون عاملاً أساسياً في أي مشروع سياسي مستقبلي. فلا يمكن بناء دولة أو كيان سياسي قوي من دون اقتصاد قادر على تمويل مؤسساته وتوفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.
الخاتمة
إن سؤال «إلى متى؟» سيبقى قائماً ما دام حق تقرير المصير مؤجلاً، لكن الإجابة عنه لا تكمن في الانتظار وحده.
الأمة الكوردية تمتلك عناصر أساسية من الهوية والتاريخ واللغة والوجود المجتمعي التي تجعل قضيتها حاضرة في المعادلة الإقليمية. لكن تحويل هذه المقومات إلى مشروع سياسي قابل للتحقق يتطلب وحدة في الرؤية، وقوة في المؤسسات، واقتصاداً مستقراً، ودبلوماسية فاعلة، وإرادة سياسية قادرة على التعامل مع الواقع دون التخلي عن الأهداف بعيدة المدى.
إن الطريق إلى الدولة لا يبدأ بإعلانها، بل يبدأ ببناء الإنسان والمؤسسة والاقتصاد والقدرة السياسية.
وعندما يصبح الكورد أكثر توحداً في رؤيتهم، وأكثر نجاحاً في إدارة مناطقهم، وأكثر حضوراً في الدبلوماسية الدولية، وأكثر قدرة على تقديم أنفسهم كشريك في استقرار المنطقة، فإن حق تقرير المصير لن يبقى مجرد مطلب تاريخي، بل يمكن أن يتحول إلى مشروع سياسي يمتلك مقومات النجاح.
فالتاريخ لا يمنح الأمم حقوقها إلى الأبد، ولا يسلبها حقوقها إلى الأبد؛ وإنما يترك الباب مفتوحاً أمام الشعوب التي تمتلك الإرادة والوعي والقدرة على صناعة اللحظة المناسبة.