شيركو حبيب
عندما نتحدث عن ثورة أيلول 1961، غالباً ما تتجه الذاكرة إلى الجبال والبيشمركة والمعارك التي خاضتها الثورة في مواجهة القوات العراقية. لكن ثورة أيلول لم تكن مواجهة عسكرية فقط، بل كانت تخوض في الوقت نفسه معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الكلمة والخبر والرواية.
ففي وقت كانت فيه الحكومة العراقية تسيطر على وسائل الإعلام الرسمية، أدركت قيادة الثورة أن البندقية وحدها لا تكفي لإيصال القضية الكوردية إلى المدن والعالم. كان لا بد من إعلام ينقل أخبار الجبهة، ويشرح مواقف القيادة، ويرد على الرواية الحكومية، ويحافظ على التواصل بين الثورة والمجتمع.
ومن هنا بدأ الإعلام يحتل مكانة متزايدة في مسيرة ثورة أيلول، فبدأ بالبيانات والبلاغات، ثم تطور إلى الصحافة والمنشورات، وصولاً إلى الإذاعة التي أصبحت واحدة من أهم مؤسسات الثورة.
من البيان إلى بناء الرواية
كانت البيانات والبلاغات من أهم الوسائل التي استخدمتها الثورة في بداياتها. فمن خلالها كانت القيادة تعلن مواقفها السياسية والعسكرية، وتوضح تطورات الأحداث، وترد على التصريحات والمواقف الحكومية، وكان البيان، في ظروف الحرب، أكثر من مجرد ورقة؛ فقد كان يمثل صوت القيادة في مناطق بعيدة عن المدن، وفي وقت لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة متاحة. وكان وصوله إلى الناس يعني أن الثورة استطاعت أن تكسر، ولو جزئياً، احتكار السلطة للمعلومة، ومع مرور الزمن، لم تعد تلك البيانات مجرد أخبار مرتبطة بلحظتها، بل أصبحت وثائق مهمة تساعد في دراسة تاريخ الثورة ومواقف قيادتها وتطور الأحداث على الأرض.
إذاعة صوت كوردستان… صوت الجبل – 28 أيلول 1963
مع اتساع الثورة، ازدادت الحاجة إلى وسيلة إعلامية تستطيع أن تصل إلى مناطق أوسع، وكان تأسيس إذاعة صوت كوردستان العراق خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وقد انطلق بثها في 28 أيلول 1963.
لم يكن إنشاء الإذاعة أمراً سهلاً. فالثورة كانت تخوض حرباً في الجبال، ولم تكن تمتلك بنية تحتية إعلامية متطورة، وكان توفير جهاز الإرسال ونقله وتركيبه وتشغيله في تلك الظروف يتطلب جهوداً كبيرة، وتشير روايات وشهادات منشورة إلى الحصول على جهاز إرسال من ألمانيا الشرقية، ثم نقله إلى كوردستان وتشغيله بمساعدة أشخاص يمتلكون الخبرة الفنية، وهكذا لم تكن الإذاعة مجرد جهاز يبث الأخبار، بل كانت ثمرة جهود سياسية وشعبية وفنية، وأصبحت مع مرور الوقت واحدة من أهم وسائل الثورة في إيصال صوتها.
«هنا صوت كوردستان»
كانت عبارة «هنا صوت كوردستان» أكثر من مجرد افتتاح للبث. فقد حملت معنى سياسياً ورمزياً واضحاً، لأنها أعلنت وجود صوت آخر غير صوت الإعلام الرسمي، كان المواطن يسمع صوتاً يتحدث عن الثورة، وعن المعارك، وعن القضية الكوردية، من دون أن يمر هذا الصوت عبر مؤسسات الدولة العراقية.
كما أن استخدام اللغة الكوردية والعربية، ثم لغات أخرى في مراحل مختلفة، عكس رغبة الثورة في مخاطبة شعبها، وفي الوقت نفسه الوصول إلى الرأي العام العراقي والعربي والدولي، وهكذا أصبحت الإذاعة جسراً بين الجبل والمدينة، وبين الثورة والمجتمع، وبين القضية الكوردية والعالم الخارجي.
الإعلام… أكثر من دعاية
من السهل النظر إلى إعلام الثورة باعتباره أداة دعائية، لكنه كان أوسع من ذلك، نعم، كان جزءاً من المعركة السياسية، وكان يعمل على رفع المعنويات والدفاع عن مواقف الثورة، لكنه كان في الوقت نفسه وسيلة اتصال بين القيادة والمجتمع، ووسيلة لحفظ الأخبار والوقائع، وأداة لإيصال القضية الكوردية إلى الخارج.
ولهذا فإن قراءة إعلام الثورة اليوم تحتاج إلى قراءة تاريخية نقدية، تقارن ما نشرته الثورة بما كانت تنشره الحكومة العراقية، وما ورد في الوثائق الأجنبية، فهذه المقارنة تساعد على التمييز بين الخبر والتفسير والتعبئة السياسية، وتمنح الباحث صورة أكثر اكتمالاً عن أحداث تلك المرحلة.
الإعلام في مواجهة الرواية الحكومية
لم تكن الحرب بين الثورة والحكومة العراقية تجري في الجبال فقط. كانت هناك جبهة عسكرية، وجبهة سياسية، وجبهة إعلامية، فالحكومة العراقية كانت تقدم روايتها للأحداث من خلال وسائل الإعلام الرسمية، بينما كانت الثورة تحاول تقديم رواية مختلفة لما يجري، وبذلك أصبحت وسائل الإعلام ساحة أخرى للصراع.
ومن أهمية إعلام الثورة أنه سمح لها بأن تتحدث عن نفسها، بدلاً من أن تُعرَّف من خلال الرواية الرسمية لخصمها. وكانت البيانات والإذاعة والمنشورات أدوات أساسية في هذه المواجهة، فالمعركة لم تكن فقط حول من يسيطر على الأرض، وإنما أيضاً حول من يملك القدرة على تفسير ما يحدث، ومن يستطيع إيصال روايته إلى الناس.
من الجبل إلى الصحافة العالمية
ومن الجوانب المهمة في إعلام ثورة أيلول أن تأثيره لم يبقَ داخل كوردستان، فقد زار عدد من الصحفيين والإعلاميين العرب والأوروبيين والأمريكيين مناطق الثورة ( وقمت بترجمة اللقاءات و التقارير الصحفية في كتاب بعنوان ملا مصطفى بارزاني رمز امة و عنوان نهضتها)، والتقوا بالزعيم الخالد ملا مصطفى بارزاني وقادة آخرين، واطلعوا بصورة مباشرة على الأوضاع في مناطق القتال، ثم نشروا تقارير ومقابلات في صحف ووسائل إعلام خارج العراق.
وكان لهذا الحضور الإعلامي أهمية كبيرة، لأنه نقل القضية الكوردية من نطاقها المحلي إلى الرأي العام الخارجي، وسمح للصحفيين الأجانب بأن يشاهدوا واقع الثورة بصورة مباشرة، بعيداً عن الرواية الرسمية للحكومة العراقية، وهنا أصبحت الجبال نفسها مصدراً للأخبار، وأصبح ما يجري فيها موضوعاً تتناقله الصحافة خارج العراق.
الإعلام والكادر الذي حمل صوت الثورة
لم يكن بناء إعلام الثورة ممكناً من دون أشخاص حملوا مسؤولية الكتابة والإذاعة ونقل الأخبار.
فمع مرور الوقت ظهرت كوادر إعلامية وصحفية وفنية ارتبطت بالثورة، وبعضهم كان من المثقفين والصحفيين، بينما جاء آخرون من صفوف البيشمركة وتعلموا العمل الإعلامي في ظروف الثورة، وكان هذا التداخل بين المقاتل والإعلامي جزءاً من طبيعة تلك المرحلة؛ فالثورة كانت بحاجة إلى من يحمل السلاح في الجبهة، وإلى من يحمل الكلمة ويشرح ما يجري وينقل صوت الثورة إلى الناس.
وهكذا بدأ الإعلام ينتقل من العمل الفردي والظرفي إلى عمل أكثر تنظيماً، وأصبح جزءاً من المؤسسات التي بنتها الثورة خلال سنواتها.
الكلمة التي بقيت بعد البندقية
لقد أدركت ثورة أيلول أن المعركة لا تُحسم بالسلاح وحده. فكما كانت بحاجة إلى البيشمركة في الجبال، كانت بحاجة إلى الإعلامي والصحفي والمذيع الذي يحمل صوت الثورة إلى الناس، ولهذا أصبح الإعلام جزءاً من بناء مؤسسات الثورة، وليس نشاطاً هامشياً.
واليوم، عندما نقرأ بيانات الثورة، ونستمع إلى تسجيلاتها الإذاعية، ونعود إلى ما كتبه الصحفيون الذين زاروا مناطقها، فإننا لا نقرأ تاريخاً عسكرياً فقط، بل نكتشف كيف حاولت الثورة أن تبني روايتها، وأن تواجه الرواية الرسمية، وأن تجعل للقضية الكوردية صوتاً يصل إلى الداخل والخارج.
لقد كانت ثورة أيلول معركة على الأرض، لكنها كانت أيضاً معركة على الكلمة والذاكرة والرواية وإذا كانت البندقية قد دافعت عن الجبل، فإن الكلمة حملت صوت الجبل إلى المدن، ومن المدن إلى العالم.
وهذا هو أحد الأوجه المهمة التي يجب ألا تُنسى عند قراءة تاريخ ثورة أيلول: فقد قاتل البيشمركة في الجبال، لكن إلى جانبهم كانت هناك معركة أخرى تُخاض بالكلمة، وكان هدفها أن يسمع العالم صوت الثورة.