ثورة أيلول.. ذاكرة النضال ومسؤولية الحفاظ على المنجز الكوردستاني

 

 

رئيس التحرير

 

لم تكن ثورة أيلول الكبرى التي قادها البارزاني الخالد مجرد محطة عابرة في تاريخ الشعب الكوردي، ولا انتفاضة مسلحة فرضتها ظروف مرحلة سياسية مضطربة، بل كانت ثورة وطنية تحولت إلى مدرسة في التضحية والصمود والإرادة، ورسخت حضور القضية الكوردية في المعادلة السياسية العراقية، وأعادت التأكيد على أن حقوق الشعوب لا تُمنح منّةً، وإنما تُنتزع بالنضال والصبر والتضحيات.

اندلعت ثورة أيلول في ظل ظروف سياسية وقومية بالغة التعقيد، نتيجة تراكم سياسات التمييز والإنكار ومحاولات مصادرة الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، ورفض الاعتراف بحقيقة التعدد القومي للعراق وحقوق مكوناته. فقد أثبتت التجربة أن تجاهل المطالب المشروعة، واستخدام القوة العسكرية لمعالجة القضايا السياسية، لا يمكن أن يصنعا استقراراً دائماً، بل يدفعان الشعوب إلى الدفاع عن وجودها وحقوقها.

كانت ثورة أيلول، في جانب مهم منها، تعبيراً عن إرادة جماعية تجاوزت حدود الانتماء القومي والمناطقي والحزبي. فقد شارك في صفوف الثورة ودعمها عراقيون من مكونات متعددة، الأمر الذي يؤكد أن الثورة لم تكن مشروعاً موجهاً ضد الشعب العراقي، وإنما كانت جزءاً من نضال أوسع من أجل عراق ديمقراطي يعترف بحقوق جميع مكوناته ويضمن لها العيش بكرامة ومساواة.

في كوردستان، تجلت واحدة من أبرز صور التكاتف المجتمعي. فقد احتضن المجتمع الكوردستاني الثورة، وقدم لها ما يستطيع من دعم وإسناد، وتحمل الأهالي أعباء الحرب والنزوح والدمار، ووقفوا إلى جانب البيشمركة في أصعب الظروف. ولم تكن الجبال وحدها ساحات للمواجهة، بل كانت القرى والمدن والبيوت حاضنة حقيقية للثورة، وكان المواطن الكوردستاني شريكاً في الصمود والتضحية.

لم تكن موازين القوة العسكرية متكافئة بأي حال من الأحوال. فقد واجه مقاتلو البيشمركة جيشاً يمتلك الأسلحة الثقيلة والطائرات والمدفعية والإمكانات العسكرية الكبيرة، بينما كانت إمكانات البيشمركة محدودة للغاية. ومع ذلك، استطاعت قوات البيشمركة، بفضل معرفتها بالأرض وإرادتها الصلبة وخبرتها القتالية، أن تنتزع زمام المبادرة في العديد من مراحل المواجهة، وأن تجعل من الجبال الكوردستانية ساحة عصية على الخضوع.

أثبتت قوات البيشمركة أن قوة الإرادة قد تعوض جانباً كبيراً من نقص الإمكانات. فالمقاتل الذي حمل بندقيته دفاعاً عن أرضه وشعبه لم يكن يبحث عن مكسب شخصي، وإنما كان يؤمن بقضية وحق ومستقبل. ولهذا قدمت قوات البيشمركة قوافل من الشهداء والجرحى، وتحملت عائلاتهم وأسرهم أثماناً باهظة، وبقيت تضحياتهم جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية لشعب كوردستان.

مع امتداد الثورة وتراكم الضغوط السياسية والعسكرية، اضطُر النظام العراقي إلى الانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى طاولة التفاوض، وصولاً إلى اتفاقية 11 آذار عام 1970، التي مثلت محطة تاريخية مهمة، إذ تضمنت اعترافاً رسمياً بالحقوق القومية للشعب الكوردي وبالشراكة في إطار العراق.

رغم أن مسيرة تطبيق الاتفاقية واجهت لاحقاً عراقيل وانتكاسات خطيرة، فإن اتفاقية 11 آذار بقيت شاهداً على حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: أن النضال والتضحيات التي قدمتها ثورة أيلول جعلت القضية الكوردية واقعاً سياسياً لا يمكن إلغاؤه بالقوة.

اليوم، ونحن نستذكر ثورة أيلول وقائدها البارزاني الخالد، فإن الوفاء لتلك التضحيات لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفال بذكراها أو استحضار صور قادتها ومقاتليها، وإنما يجب أن يتحول إلى مسؤولية سياسية ووطنية في الحفاظ على المنجزات التي تحققت عبر عقود طويلة من النضال.

إن ما يتمتع به شعب كوردستان اليوم من مكتسبات وحقوق ومؤسسات وكيان دستوري في إطار إقليم كوردستان لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة نضالات متراكمة وتضحيات أجيال متعاقبة، وكانت ثورة أيلول الكبرى واحدة من أهم الركائز التاريخية التي أسست لهذا المسار.

إن التحدي الأكبر أمام القوى السياسية الكوردستانية اليوم ليس استعادة الماضي فحسب، وإنما حماية المستقبل. فالمرحلة الراهنة تتطلب قدراً أكبر من الحكمة والمسؤولية، وتفرض على الجميع تجاوز الخلافات الثانوية عندما يتعلق الأمر بالمصالح العليا لشعب كوردستان وكيانه الدستوري.

إن وحدة الصف الكوردستاني لم تعد شعاراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل أصبحت ضرورة وطنية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الإقليم. وكلما ازدادت التحديات، ازدادت الحاجة إلى موقف سياسي موحد، وإلى مؤسسات فاعلة قادرة على اتخاذ القرارات في الوقت المناسب والدفاع عن الحقوق والمكتسبات.

وعليه، فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق جميع الأحزاب والقوى السياسية الكوردستانية، من دون استثناء، لكي تتحمل مسؤولياتها القومية والوطنية، وأن تضع المصلحة العليا لكوردستان فوق الحسابات الحزبية الضيقة.
ومن أولى الخطوات المطلوبة في هذا الاتجاه، ممارسة المسؤولية السياسية والدستورية للضغط باتجاه عقد اجتماع برلمان كوردستان، وتفعيل دوره، والعمل على تشكيل حكومة قوية وقادرة وفاعلة، تحظى بالقدرة على مواجهة التحديات وحماية مصالح المواطنين وصون مكانة الإقليم وحقوقه الدستورية.

فكوردستان اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الانقسام، وإنما إلى مزيد من التكاتف. وليست بحاجة إلى إحياء الخلافات، وإنما إلى بناء جسور الثقة. وليست بحاجة إلى تأجيل الاستحقاقات، وإنما إلى قرارات شجاعة ومسؤولة تضع مستقبل الأجيال المقبلة في مقدمة الأولويات.

حمل البارزاني الخالد ورفاقه راية الثورة في ظروف كان ثمن التمسك بالقضية فيها غالياً، وقدم أبناء كوردستان أرواحهم من أجل أن يبقى هذا الشعب حياً، حراً، متمسكاً بأرضه وحقوقه.

واليوم، تقع الراية في أيدي جيل آخر.

وإذا كانت أجيال أيلول قد دافعت عن كوردستان بالبندقية والتضحية، فإن واجب الأجيال الحالية هو الدفاع عنها بوحدة الصف، وقوة المؤسسات، والحكمة السياسية، وسيادة القانون، والحفاظ على المكتسبات.

إن أعظم وفاء لثورة أيلول ليس أن نتذكرها مرة في العام، بل أن نحافظ على ما تحقق بفضلها كل يوم.

أيلول ليست مجرد ذكرى؛ أيلول مسؤولية. ومسؤولية اليوم هي أن تبقى كوردستان موحدة، قوية، ومحصنة بإرادة شعبها.

قد يعجبك ايضا