نبيل عبد الأمير الربيعي
مصادرة كتاب الباحث العراقي د. علي المدن (خوم الوعي الديني.. التدين على محك الدولة الوطنية والحياة المدنية في العراق) من معرض بغداد الدولي للكتاب ليست حادثة ثقافية عابرة، بل فضيحة تكشف هشاشة العلاقة بين السلطة العراقية وحرية الفكر.
أن تصادر نسخ كتاب من معرض يفترض أنه يحتفي بالكتاب، وأن يمنع بيعه من دون إعلان واضح عن السبب أو السند القانوني، فذلك يعني أن شعار (حرية الثقافة) يمكن أن ينتهي عند باب الجناح، وأن يد الرقيب ما زالت أطول من يد القانون.
لسنا هنا بصدد الدفاع عن أفكار علي المدن، ولا نرى في الكاتب أو كتابه حصانة من النقد. من حق القارئ أن يوافقه أو يختلف معه، ومن حق الباحثين أن يفككوا أطروحاته وينقضوها. لكن ليس من حق جهاز أمني أن يصادر الكتاب نيابة عن القارئ، من دون أن يقول: لماذا؟ وبأي قانون؟
إذا كان في الكتاب ما يخالف القانون، فليذكر النص المخالف، ولتحدد الصفحة، ولتعلن الجهة التي أصدرت قرار المنع، وليكن القضاء هو الفيصل. أما أن تأتي المصادرة بلا تفسير معلن، فهذا لا يبدو حماية للقانون. والسؤال الأكثر إزعاجاً هنا ليس: ماذا كتب علي المدن؟ بل: لماذا تخاف السلطة من أن يقرأ العراقي ما كتب؟
إن الدولة الواثقة من نفسها لا ترتعب من كتاب، ولا تحتاج إلى مصادرة فكرة كي تثبت قوتها. الأفكار تواجه بالأفكار، والكتب تناقش بالكتب، والاختلاف يحسم بالحجة لا بالمصادرة. المؤسف أن بعض المثقفين لا يتذكرون حرية التعبير إلا عندما تقع المقصّات على كتاب يعجبهم. وهذه ليست ثقافة حرية، بل ثقافة امتياز. فالحرية التي ندافع عنها لكتبنا فقط ليست حرية، وإنما رقابة مؤجلة.
لقد تحول معرض الكتاب، في جانب منه، إلى سوق للطباعة والبيع، وموسم للصور الرسمية والخطب الاحتفالية. لكن قيمة المعرض الحقيقية ليست في عدد الأجنحة ولا في عدد المسؤولين الذين يزورونه، وإنما في عدد الأسئلة التي يسمح بها. وحين يصبح الكتاب مسموحاً في المعرض، لكنه ممنوع على الرف، فإننا أمام مشهد: نحتفي بالثقافة نهاراً، ونصادرها عندما تقترب من منطقة الأسئلة.
المصادرة لا تقتل الفكرة؛ إنها تمنحها دعاية مجانية. والرقيب الذي يظن أنه دفن كتاباً قد يكون وضعه في واجهة الاهتمام. فالورق لا يعتقل، والحبر لا يسجن، والفكرة لا يمكن تفتيشها عند بوابة المعرض. لذلك، لا نطالب بحصانة لكتاب (تخوم الوعي الديني)، بل نطالب بشيء أبسط وأخطر: تطبيق القانون بشفافية. وحين تخاف السلطة من كتاب، فهي لا تكشف خطورة الكتاب بقدر ما تكشف خوفها من القارئ.
