أهالي خانقين والمادة 140.. لا للفتنة نعم للدستور والقانون

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

ليس من حق أي مسؤول، مهما كان موقعه، أن يحوّل مطالبة المواطنين بحق دستوري إلى تهمة، وليس من المقبول أن يُواجَه المواطن الذي يريد التعبير عن رأيه سلمياً بلغة التخوين والاتهام وإثارة المخاوف القومية والطائفية.

ما حدث في خانقين يستحق الوقوف عنده بجدية.

فأهالي خانقين أرادوا تنظيم مظاهرة سلمية للمطالبة بتطبيق المادة (140) من الدستور العراقي، وفق مراحلها المعروفة: التطبيع والإحصاء والاستفتاء.

فهل المطالبة بتطبيق الدستور أصبحت اليوم «نعرات قومية» أو «طائفية»؟

ومن أعطى بعض المسؤولين الحق في وضع هذه التهمة على جباه مواطنين لم يرتكبوا جريمة، ولم يرفعوا السلاح، ولم يدعوا إلى العنف، وإنما أرادوا ممارسة حقهم في التعبير السلمي؟

هنا يجب أن نتوقف.

لأن المسؤول الذي يختلف مع المواطنين في موقف سياسي أو دستوري، يفترض به أن يحاورهم ويشرح لهم موقف الدولة والقانون، لا أن يشحن الشارع ضدهم، ولا أن يصوّرهم وكأنهم خطر على السلم الأهلي.

إن وصف المطالبين بتطبيق مادة دستورية بأنهم أصحاب «نعرات قومية» ليس حلاً قانونياً ولا سياسياً، بل قد يكون، إذا أسيء استخدامه، وقوداً للفتنة التي يدّعي البعض أنه يريد منعها.

ومن المؤسف أن بعض المسؤولين، بدلاً من أن يكونوا جزءاً من الحل، يتحولون إلى جزء من المشكلة.

يا سادة، أنتم مسؤولون عن تهدئة الشارع، لا عن تأجيجه.

أنتم مطالبون بجمع أبناء خانقين، لا بوضعهم في خنادق قومية متقابلة.

أنتم مطالبون بحماية حق المواطن في التعبير، لا بتخويفه من ممارسة هذا الحق.

وإذا كان هناك اختلاف حول المادة (140)، فليكن الاختلاف داخل الدستور والقانون والمؤسسات، وليس عبر إطلاق الاتهامات على المواطنين.

أما أن يُقال لأهالي خانقين إن مطالبتهم بالمادة (140) هي نعرات قومية، فهذه مغالطة خطيرة؛ لأن المادة (140) ليست بياناً حزبياً ولا شعاراً انتخابياً، وإنما مادة واردة في دستور جمهورية العراق.

قد نختلف في تفسيرها، وقد نختلف في كيفية تنفيذها، وقد يختلف السياسيون والقانونيون حول آثار المدة الزمنية التي وردت فيها، ولكن لا يجوز أن يتحول هذا الاختلاف إلى تخوين للمواطن.

من يثير الفتنة فعلاً؟

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على بعض المسؤولين هو:

هل المواطن الذي يطالب بالدستور هو من يثير الفتنة، أم المسؤول الذي يضع المواطنين في مواجهة بعضهم بسبب هذه المطالبة؟

هل الذي يخرج في مظاهرة سلمية هو الذي يهدد التعايش؟

أم أن التعايش يصبح مهدداً عندما يبدأ البعض باستخدام الخطاب القومي والطائفي لتخويف المواطنين من بعضهم؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مدينة متعددة المكونات مثل خانقين هو أن يتحول السياسي إلى محرض، وأن تتحول المسؤولية إلى وسيلة لصناعة الخوف.

خانقين لا تحتاج إلى من يذكّر أبناءها باختلافاتهم، فهي تعرف تنوعها وتاريخها.

ما تحتاجه خانقين هو من يقول:

هذا كردي، وهذا عربي، وهذا تركماني، ولكن الجميع مواطنون متساوون أمام القانون.

أما الذين يحاولون الاستثمار في الاختلافات القومية لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية، فنقول لهم:

اتركوا خانقين لأهلها.

لا تجعلوا مصالحكم السياسية أكبر من مصلحة المدينة.

ولا تجعلوا الخلاف على مادة دستورية سبباً لتمزيق العلاقات الاجتماعية بين الجيران والأصدقاء والعوائل.

المادة 140 ليست ملكاً لقومية

ومن الخطأ أن يجري تصوير المادة (140) وكأنها ملك للكرد وحدهم.

الدستور العراقي ملك لجميع العراقيين، وكل مادة فيه شأن عام.

ومن حق المواطن الكردي أن يطالب بتطبيقها، ومن حق المواطن العربي أو التركماني أن يعبّر عن مخاوفه أو موقفه منها، ولكن ليس من حق أي طرف أن يفرض موقفه بالقوة أو التخوين أو التحريض.

الحل ليس في إلغاء صوت أحد، وإنما في الاستماع إلى الجميع.

وإذا كان المسؤول يرى أن المطالبة بالمادة (140) غير ممكنة قانوناً، فليقدم حجته القانونية.

وإذا كان يرى أنها ما زالت واجبة التطبيق، فليشرح كيفية تنفيذها.

أما إطلاق عبارات من قبيل «نعرات قومية» و«إثارة الفتنة» دون معالجة أصل القضية، فهو هروب من جوهر المشكلة وليس حلاً لها.

رسالة إلى المسؤولين

نقولها بصراحة:

المسؤولية ليست امتيازاً، بل أمانة.

ومن يتولى منصباً عاماً يجب أن يعرف أن كلمته محسوبة عليه، وأن تصريحاً واحداً قد يهدئ مدينة، وقد يشعلها.

لذلك لا تستخدموا مناصبكم لتخويف المواطنين من بعضهم.

لا تستخدموا القومية ورقة سياسية.

لا تجعلوا العرب والكورد والتركمان وقوداً لصراعاتكم.

خانقين ليست ملكاً لمسؤول، ولا لحزب، ولا لقومية، ولا لجهة سياسية.

خانقين لأبنائها جميعاً.

ومن يريد حماية السلم الأهلي فعليه أن يبدأ باحترام المواطن، والاستماع إليه، واحترام حقه الدستوري في التعبير السلمي.

كلمة إلى أهالي خانقين

أيها الأخوة والأخوات…

لا تنجروا وراء الاستفزاز.

ولا تسمحوا لمن يريد إشعال الفتنة أن ينجح.

طالبوا بحقوقكم بالقانون، وعبّروا عن مواقفكم سلمياً، واحترموا الآخر كما تريدون من الآخر أن يحترمكم.

لا تجعلوا أحداً يستدرجكم إلى صراع قومي لا يخدم إلا من يبحث عن مكسب سياسي.

وأقولها بوضوح:

أنا كردي وأعتز بكرديتي، وأنا عراقي وأعتز بعراقيتي، وأرفض أن تكون كرديتي سبباً لكراهية العربي أو التركماني، كما أرفض أن تكون عروبة أو تركمانية أي مواطن سبباً للعداء للكردي.

نختلف سياسياً، نعم.

نختلف دستورياً، نعم.

لكننا لا نتحول إلى أعداء.

فالمادة (140) يمكن مناقشتها في البرلمان والمحاكم والمؤسسات الدستورية، ويمكن المطالبة بها في الشارع من خلال الوسائل السلمية والقانونية.

أما الفتنة القومية والطائفية فلا مكان لها بين أبناء خانقين.

وفي النهاية، نقول لكل مسؤول:

إذا كنت لا تستطيع أن تحل المشكلة، فلا تكن سبباً في تعقيدها.

وإذا كنت تختلف مع المتظاهرين، فجادلهم بالحجة.

وإذا كنت ترفض مطلبهم، فقدم سندك القانوني.

لكن لا تضعوا المواطنين في خانة التخوين، ولا تصنعوا من المطالبة بالدستور تهمة، ولا تجعلوا من اختلاف سياسي وقانوني ناراً تحرق التعايش في خانقين.

خانقين تحتاج إلى رجال دولة يطفئون الفتنة، لا إلى مسؤولين يزرعون شرارتها.

والدستور يجب أن يكون مرجعنا جميعاً.

لا للتخوين… لا للتحريض… لا للفتنة.

نعم للدستور، نعم للقانون، نعم للحوار، ونعم لخانقين التي تتسع لجميع أبنائها

قد يعجبك ايضا