من يحرس الحراس؟ (في المسؤولية الإعلامية وصيانة قرينة البراءة في المجريات القانونية)

الصحفي والباحث الحقوقي ره نج باراوي

حين يتخلى القلم الصحفي عن دوره الأصيل في تقصي الحقيقة ليتقمص دور محكمة استباقية، تصاب المنظومة الأخلاقية والقانونية للمجتمع بأزمات بنيوية عميقة. وفي المشهد العراقي الراهن، غالباً ما تتقاطع التغطيات الإعلامية للقضايا الحساسة مع آليات المحاكمة الاجتماعية، مما يؤدي إلى انتهاك صارخ لمعايير العدالة المنصفة. وحين يواجه شخص عام أو أكاديمي شبهةً ما ضمن سياق عام، يصبح العبء الملقى على عاتق الإعلام أثقل والتزامُه المهني أكثر دقة. من هنا، تبرز ضرورة ملحة للفصل القاطع بين المسؤولية الجنائية الفردية وأخلاقيات العمل الصحفي، بمعزل عن أي إسقاطات أو ملابسات غير منضبطة. وتظل القاعدة الدستورية الثابتة راسخة لا تتزعزع: «المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات». ولمقاربة هذا الواقع المعقد وإحاطته ببعديه القانوني والأخلاقي، فضلاً عن مستجداته التقنية، ينبغي الوقوف عند المحاور الرئيسية الثمانية الآتية:

١. ضرورة فصل المحاكمة الإعلامية عن المسار القضائي:
ما يظهر عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي يتجاوز في كثير من الأحيان حدود نقل الخبر المجرد ليغدو أحكاماً مسبقة. فالقبض أو التحقيق في حالة الجرم المشهد (التلبس) لا يعدو كونه مرحلة تحقيقية أولية، وليس خاتمة المطاف أو قراراً فاصلاً. وإن الدور الأساسي للإعلام يقتصر حصراً على نقل الوقائع بموضوعية تامة دون إصدار أي إحكام مسبقة بالإدانة أو البراءة قبل أن تقول السلطة القضائية كلمتها الفصل.

٢. التمييز بين الانحراف القانوني والانحراف المهني:
ينبغي رسم حدود فاصلة بين المسؤولية الجزائية والأخلاقيات الصحفية. فإذا تعرض موظف أو شخصية لمساءلة قانونية، فهذا شأن يخص المؤسسات القضائية وحدها. أما عندما تستغل مؤسسة إعلامية ذلك الحدث للتشهير الاستباقي واغتيال الشخصية، فإننا نكون أمام انتهاك مهني صارخ؛ سيما أن التشريعات تحظر منعاً باتاً نشر صور المشتبه بهم وأسمائهم قبل صدور الأحكام القضائية القطعية.

٣. مقتضيات قانون العقوبات، أصول المحاكمات، وقانون الصحافة:
على الصعيد القانوني الصرف، يحدد ماددة (٣٠٧) من قانون العقوبات العراقي بوضوح عقوبات الرشوة والجرائم الماسة بالوظيفة العامة، كما ينظم قانون أصول المحاكمات الجزائية بدقة إجراءات «الجرم المشهود». وفي المقابل، فإن قوانين العمل الصحفي، وإذ تكفل حرية التعبير والنشر، لا تخول أي مؤسسة إعلامية بحال من الأحوال نصب نفسها قاضياً، أو التدخل في مجريات تحقيق جارٍ، أو إملاء أحكام مسبقة على المتهمين.

٤. صيانة استقلال القضاء ومبدأ (المحاكمة العادلة):
إن خلق موجات صاخبة وضغوط نفسية إعلامية مسبقة ينعكس سلباً وبصورة خطيرة على استقلالية القضاة ونزاهة السلطة القضائية. فالقاضي في النهاية بشر، وتأثره بالضغوط الجماهيرية والنفسية أمر وارد إذا ما تُرك الحبل على الغارب. لذا، فإن حماية استقلال القرار القضائي وضمان مبدأ المحاكمة النزيهة يظل الشرط الجوهري لبلوغ الحقيقة العدلية الناجزة.

٥. حماية الاعتبار، الشان المعنوي، ومسؤولية التعويض:
في خضم تغطية الملفات الحساسة، ثمة شعرة رفيعة تفصل بين «حق المعرفة وتداول المعلومات» و«حق حماية الكرامة والاعتبار الشخصي». فالعشوائية في شن حملات التسقيط قبل حكام القضاء تعد جريمة معنوية كبرى. ومن الناحية القانونية والمدنية، يجب أن تتضمن قوانين النشر آليات صارمة وناجزة لـ«التعويض العادل (مادياً ومعنوياً)» لكل من تضررت سمعته نتيجة أخبار زائفة وحملات إعلامية مضللة، شريطة ثبوت براءته بحكم قضائي لاحق.

٦. دور الرقابة المؤسسية، النقابية، والمراكز الأكاديمية:
لدرء الانحرافات المهنية والحد من تفشي تجاوزاتها، يتعين على المؤسسات الإعلامية، ونقابة الصحفيين، والمراكز الأكاديمية الاضطلاع بدور درع وقائي علمي. فلا يجوز البتة السماح بتناول القضايا الحساسة بلغة عاطفية مسيسة، كما يجب الحيلولة دون خلط الخلافات الشخصية بالعمل المهني والأكاديمي.

٧. وعي الرأي العام في التعاطي مع المعلومات:
المجتمع الواعي والنخبوي يرتكن، في أوقات الأزمات والملفات الدقيقة، إلى الأحكام الرسمية الصادرة عن السلطة القضائية حصراً، متمسكاً بالتروي وبعيداً عن الشائعات وفبركات وسائط التواصل الاجتماعي. وحين تقع أحداث كالتوقيف المفاجئ، تقتضي المسؤولية المجتمعية تهدئة الأجواء وانتظار النتائج الختامية الرسمية، قطعاً للطريق أمام من يودون تصفية الحسابات الضيقة على حساب السلم الأهلي.

٨. تحديات الذكاء الاصطناعي (AI) في قضايا الجرم المشهود:
في عصر الثورة الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، تضاعفت احتمالات تلفيق الأدلة، فبركة الأصوات والمرئيات (Deepfake)، أو التلاعب بالبيانات عبر خوارزميات معقدة؛ وهي تطورات جعلت مسار التحقيقات أكثر تعقيداً. من هنا، يقع على عاتق القضاء، ومؤسسات التحقيق، والإعلام التعامل بحذر شديد وبالاستعانة بالخبراء التقنيين مع المعطيات الرقمية لقطع دابر أي تضليل للرأي العام.

ان المطلوب هو تنفیذ إجراءات عملية لصيانة التوازن المنشود:

ٲولا:تفعيل لجان النقابة: اضطلاع نقابة الصحفيين والجهات المختصة بمساءلة صارمة لكل جهة تمارس المحاكمات الإعلامية الاستباقية.

ثانیا:حفظ سرية التحقيق: فرض قيود صارمة ورادعة تمنع تسريب تفاصيل التحقيقات الحساسة إلى منصات الإعلام قبل صدور القرارات القضائية الرسمية.

ثالثا:الاعتماد على الإثبات العلمي:الاستعانة بالخبراء التقنيين والقضائيين لتمحيص صحة الأدلة والبيانات الرقمية، تفادياً لمخاطر التزييف الحديثة.

ولا شك تقوم الاستقرار المجتمعي والديمقراطية الحقيقية على ركيزة الفصل الصارم بين السلطات وصيانة سيادة القانون واحترام حقوق الأفراد. إن عودة الصحافة إلى جادتها الحقيقية والتزامها الموضوعي يشكلان الضمانة الأكيدة لعدم إهدار كرامة أي مواطن. فالعدالة لا تتحقق إلا بالقرارات القضائية الباتة والمنصفة، لا عبر الحملات الإعلامية الموجهة ومحاكمات وسائل التواصل الاجتماعي.

المراجع القانونية والفكرية:

۱.قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل (المادة ٣٠٧ والمواد المتعلقة بجرائم الرشوة والوظيفة العامة).

۲.قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل(النصوص المنظمة لإجراءات التحقيق وحالة التلبس والجرم المشهود).

۳.قانون حماية الصحفيين في إقليم كوردستان وجمهورية العراق رقم (21) لسنة 2011 (المقومات والضوابط المهنية لحماية العمل الصحفي وحرية التعبير).

٤.الدستور العراقي لسنة 2005 (المادة 19 الخاصة بمبدأ أن المتهم بريء حتى إدانته بحكم قضائي بات).

٥.المعايير الدولية لأخلاقيات المهنة الصحفية وميثاق الشرف الصحفي (الصادر عن المنظمات والاتحادات الصحفية بشأن قرينة البراءة والمحاكمة العادلة – Presumption of Innocence & Fair Trial).

قد يعجبك ايضا