في محراب العشق.. الود الخالد

الكاتب/ دلزار اسماعيل رسول

(44)

ما كلُّ ما يمرّ بوجداننا خاطرةً تحضر وتغيب، بل هو أنسٌ ينساب في ثنايا الروح كنسائم الفجر؛ يُباغتنا الدفء حين تتلاقى الأرواح، فتقف اللحظات ذهولاً، وتبدو الساعات – رغم بطئها – كأنها تتأمل في محراب هذا الألق… لم تكن الحياة يوماً لتمتحن ودّنا لتكدره، بل كانت تُصفي جوهرنا؛ فإن خفتَ صداء النغم حيناً، بعثناه بنبضٍ جديد، ونظرنا كيف يورق الوفاء فينا أزاهيرَ نضرة لا تفنى…

أحيانا يباغتنا الشغف كرؤيا سحرية تهطل بغتة في ذهول الوقت، فيتحول بطء الساعات إلى ترنيمة لا نبتغي منها عتقا… لم تكن الأيام يوما خصما يتربص بنا، بل كانت كيمياء خفية تصفي ذهب المودة في أفئدتنا؛ فإن همس الصمت بيننا حينا، عزفنا على أوتار الوفاء نغما جديدا، ونظرنا بذهول العاشقين كيف ينجو الحب فينا ككل معجزة ترفض الفناء…

وكنتِ معي، يرافقني طيفكِ حيثما حللتُ؛ حتى حين تطول بنا أسباب الغياب، أسطر لكِ رسائل تتضوع بالرقة، وأستحضر في خيالي ضحكتكِ الساحرة التي تضيء الظلمات… أجدني أهتف باسمكِ في عزلي، ثم أبتسم لروعة الهائمِ بجمالكِ…

في كل رفة جفن يشتد فيها حنيني إليك، لا أتساءل كيف ينأى القدر بخطانا، بل أستكشف كيف يغدو الغياب بذارا للقاء أبهى… منذ أشرقت شمسك في عمري، وكل امتحان تخوضه أرواحنا لا يزيدنا إلا يقينا بأصالة هذا العهد؛ يعتقدون أن الحب زهرة برية تقاوم الجفاف، وأراه في عينيك ربيعا متجددا وغيثا ينساب على تربة الروح ليزهر بالقصائد والعطايا…

لم يكن عشقنا يوما شجرة تنبت بين الأشواك، بل كان ظلا ظليلا وواحة نلوذ بها من وهج الحياة… ما ضللت الطريق إليك قط، وإنما كنت أعيد اكتشاف سحرك بأساليب أعمق؛ يسري حبك في عروقي سلسالا عذبا تفيض به الروح غير مبالية بسدود المسافات…

كنت معي، ترافقين نبضي وأحاديثي؛ حتى وإن تطاولت بنا أسباب النوى، أسطر لك رسائل تتضوع دفئا، وأستحضر في الخيال رسمك الباسم، فتشرق في دياجير عزلتي ضحكة منك تهدي حيرتي… أجدني أهتف باسمك للندى، ثم أبتسم لروعة هائم لم يجد لنفسه خبرا إلا فيك…

وإن طالت بنا الأيام هذه المرة، أعود إلى كراس أوراقي القديمة؛ لا لأعتب أو أشكو، بل لأستعيد أبهى لحظات العمر معك… أطالع سطوري صفحة صفحة، فيغمرني الإحساس العجيب بأنني عشت بقربك ألف عام من الأنس… كانت كل كلمة رسمتها تشهد على رجل لا يرى في هذا الكون أحدا سواك، يحفظ أسرار الشغف، ويتأمل وجهك كأنه يبصر الحياة لأول مرة… والعجيب أننا كلما عصفت بنا الحياة، فزعنا إلى ظلال أسرارنا، لنكتشف أننا لم نخذل أنفسنا يوما، وأننا الأصدق في زمان الزيف…

أكاد ألمس الشوق في هذه اللحظة يضطرم في الحنايا لهيبا ناعما، ينير الروح ولا يحرقها… إنه ليس اختباء من القدر، بل هو نداء الوجود يستحثنا لنشهد أن كل ما في هذا العالم إلى زوال…الا الحب …

هأنذا أقف في هذه اللحظة، والشوق يضطرم في الحنايا لهيباً ناعماً، ليس حرقاً بل نورا. إنه ليس اختباراً للقلوب، بل هو القدر يفتح لنا باباً جديداً لنكتب حكايتنا بأحرفٍ من نور… حكايةٌ عنوانها أنتِ…

قد يعجبك ايضا