سرحان محمد علي الكاكئي
لا أعرف متى تبدأ رحلة الموت
ربما في اللحظة التي نولد فيها
حين تبدأ الساعة بالعدّ
دون أن تخبرنا إلى أين تمضي
نمشي سنوات طويلة
ونظن أن الطريق لنا
نركض خلف العمل
وخلف الحب
وخلف المال
وخلف أشياء صغيرة
نعتقد أنها ستجعلنا سعداء
ثم في يوم عاديّ
نتوقف قليلًا
ننظر خلفنا
فنرى الطريق أطول مما تخيلنا
وأقصر مما تمنينا
الذين مشوا معنا
بدأوا يتساقطون واحدًا بعد آخر
صديق لم يعد يجيب
ووجه كان يملأ البيت
صار صورة على الجدار
وصوت أحببناه
تحوّل إلى شيء نحاول تذكره
ونحن نواصل السير
كأن الموت
لا علاقة له بنا
حتى يأتي يوم
نجلس فيه وحدنا
ونكتشف أن أجسادنا
بدأت تتعب من الطريق
نصعد الدرج ببطء
ننسى بعض الأسماء
نضع الأشياء في مكان
ثم نبحث عنها طويلًا
ونضحك أحيانًا
حين نكتشف أن العمر
سرق منا أشياء صغيرة
دون أن نشعر
الموت لا يأتي دائمًا
كضيف غريب
أحيانًا يقترب منا
بهدوء شديد
في تجعيدة جديدة
في شعر أبيض
في كرسي فارغ
في صديق يقول
لا لم أعد أستطيع السفر كما كنت
نراه
ولا نعترف به
ثم يأتي المساء
ذلك المساء الذي لا نعرف
أنه الأخير
قد يجلس الإنسان على كرسيه
يشرب كوب الشاي
وينظر من النافذة
لا يعرف أن العالم
سيواصل صباحه بدونه
ستفتح المحلات أبوابها
وستمر السيارات في الشوارع
وسيضحك شخص في مكان ما
وستشرق الشمس كعادتها
لكن مكانًا واحدًا
سيبقى فارغًا…
مكانه
وهذه ربما أقسى فكرة في الموت
أن العالم لا يتوقف
حين نتوقف نحن
بعد رحيلنا
ستبقى ملابسنا في الخزانة
مفتاح في درج
كتاب على الطاولة
ورقم في هاتف شخص
لن يجرؤ على حذفه
أشياء صغيرة جدًا
لكنها ستقول بصمت
كان هنا إنسان…
ثم مضى
لا أعرف ماذا يوجد
في آخر الطريق
ولا أريد أن أخترع جوابًا
يكفيني أن أعرف
أنني أمشي نحوه
ولهذا
أريد أن أمشي ببطء
أن ألتفت أحيانًا
إلى الذين أحبهم
أن أقول ما أؤجله
وأعتذر حين أخطئ
وأضحك حين أستطيع
فربما ليست المشكلة
أن الموت ينتظرنا في نهاية الطريق
المشكلة أننا ننسى
أن الطريق نفسه
هو حياتنا،
وحين نصل إلى النهاية
لن نستطيع العودة
لنأخذ منه يومًا واحدًا
تركناه يمرّ
دون أن نعيشه
لذلك أمشي
لا لأنني لا أخاف الموت
بل لأنني أعرف
أنه يمشي معي منذ البداية
خطوة بعد خطوة
حتى إذا وصلنا
إلى المكان الذي لا طريق بعده
سيتوقف هو
وأتوقف أنا
ويبقى الطريق
خاليًا من خطانا