تزرين يعقوب سولا
حين نتحدث عن تاريخ الفلسفة في العراق، سرعان ما تتقدم إلى الواجهة أسماء الرجال…فلاسفة وأساتذة وباحثون وكتّاب ارتبطت أسماؤهم بالجامعات وبالكتب والدراسات الفلسفية. ولكن ،أين المرأة العراقية من هذا التاريخ؟ وهل كان غيابها عن الفلسفة غياباً حقيقياً، أم كان غياباً عن الذاكرة والتوثيق؟
وبحسب الواقع والمعطيات ، فأن المرأة العراقية لم تكن غائبة تماماً عن الفلسفة. ففي قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة بغداد نجد عدداً من الأكاديميات المتخصصات في الفلسفة، يحملن شهادات الماجستير والدكتوراه، وبعضهن بلغن مرتبة الأستاذية. وهذا يعني أن المرأة العراقية دخلت المؤسسة الفلسفية الأكاديمية بالفعل، لكنها لم تتحول بالقدر نفسه إلى أسماء فلسفية حاضرة في الوعي الثقافي العام.
قد تكون المرأة موجودة في قسم الفلسفة، لكنها غائبة عن تاريخ الفلسفة.
لعل المثال الأكثر إثارة هو نازك الملائكة.
نازك ليست فيلسوفة أكاديمية بالمعنى الاصطلاحي، لكن تجربتها الفكرية تتجاوز حدود الشعر. ففي محاضرتها «مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية» التي ألقتها في جامعة البصرة عام 1968، لم تتحدث عن المرأة بوصفها قضية اجتماعية فقط، وإنما ناقشت معنى الحرية، والوعي، والجمال، وعلاقة الفكر بالسلوك.
كانت تسأل، بصورة جوهرية: هل خروج المرأة إلى الجامعة والعمل يعني أنها أصبحت حرة؟
فالحرية عندها تبدأ من تحرر العقل من القيود، وليس فقط من الخروج من البيت إلى المجال العام. وقد وصفت دراسات لاحقة هذا النص بوصفه تجربة مبكرة في النقد النسوي والاجتماعي والمعرفي في الفكر العراقي والعربي.
وهنا تصبح نازك الملائكة مثالاً حياً عن
كم من امرأة عراقية كانت تفكر فلسفياً، لكننا لم نسمِّ ما تفعله فلسفة؟
لماذا لم تظهر «الفيلسوفة العراقية» مثلما ظهر «الفيلسوف العراقي»؟
ربما لأن المشكلة لا تكمن في قدرة المرأة على التفكير، وإنما في البيئة التي تمنح التفكير اسمه ومكانته وشرعيته.
الفلسفة تاريخياً لم تكن محايدة تماماً في علاقتها بالمرأة. وإن آليات كتابة التاريخ نفسها أسهمت في تهميش كثير من الأصوات النسائية.
وهذا ينطبق بدرجات مختلفة على العراق.
فالمرأة التي تكتب في الأدب تُسمى «أديبة»، والتي تكتب الشعر تصبح «شاعرة»، والتي تعمل في الجامعة تصبح «أستاذة»، والتي تبحث في قضايا المجتمع تصبح «باحثة».
لكن متى نمنحها لقب فيلسوفة؟
ربما لأن الفلسفة في وعينا الثقافي ارتبطت طويلاً بصورة الرجل الذي يجلس أمام الكتب، ويكتب عن الوجود والعقل والمعرفة والحقيقة.
أما المرأة، فقد كان متوقعاً منها أن تكتب عن الحب والأسرة والأطفال والمجتمع، حتى عندما كانت تطرح أسئلة فلسفية عميقة.
المرأة العراقية لم تكن تفتقر إلى العقل… بل إلى المساحة
فالمرأة التي تنشأ في مجتمع يضع لها حدوداً اجتماعية صارمة، ويطلب منها أن تكون ابنة وزوجة وأماً قبل أن تكون فرداً مستقلاً، قد تجد نفسها مضطرة إلى استثمار طاقتها الفكرية في مجالات أكثر قبولاً اجتماعياً.
ولهذا لم يكن الطريق أمام المرأة إلى الفلسفة سهلاً.
الفيلسوف يحتاج إلى وقت للقراءة، ومساحة للتأمل، واستقلال في التفكير، وحرية في الاعتراض، وحق في أن يقول: لماذا؟
وهذه كلها شروط لم تكن متاحة للنساء بالقدر نفسه الذي كانت متاحة للرجال
وأن الفلسفة نفسها لم تتحول إلى ثقافة عامة في العراق.
ربما لا ينبغي أن نحمّل المجتمع وحده مسؤولية غياب الفيلسوفات.
فالفلسفة العراقية نفسها عانت مراحل صعبة. وتشير قراءة لتاريخ الفلسفة في العراق إلى أن ازدهار قسم الفلسفة في جامعة بغداد منذ السبعينيات تراجع لاحقاً تحت ضغط القمع والحروب، وصولاً إلى ما وصف بأنه تجفيف لمنابع الفلسفة والفكر الحر.
وفي بيئة يصبح فيها التفكير الحر نفسه مهدداً، تصبح فرص المرأة في بناء مشروع فلسفي مستقل أكثر صعوبة….
المراجع :
1-باقر إبراهيم الزيدي، «استراتيجية النسيان – مراجعة نقدية لإقصاء المرأة فلسفياً»
بحث أكاديمي– جامعة واسط، المجلد 1، العدد 31، 2018، ص 695–710.
2-نازك الملائكة، «مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية»
في محاضرة بجامعة البصرة عام 1968، والمنشورة لاحقاً في مجلة الآداب عام 1970.
3- «الفصل الثاني: إجراءات ومفاهيم النقد النسوي عند نازك الملائكة» دراسة أكاديمية _جامعة ميسان.