محمد علي محيي الدين
محمد جعفر إبراهيم الكرباسي، علامة لغوي ونحوي وباحث نجفي، ولد في النجف الأشرف سنة 1927، ونشأ في بيئة علمية كان للدرس الديني واللغوي فيها حضور راسخ. تلقى مبادئ العلوم الشرعية واللغة في الحوزة العلمية، ثم تعمق في الفقه والنحو وعلوم العربية على يد والده، آية الله الشيخ إبراهيم الكرباسي، الذي كان من رجال العلم المعروفين ووكيلاً للمرجعية الدينية في الشطرة. وفي هذا المناخ العلمي المبكر تشكلت شخصية محمد جعفر، فمال إلى اللغة لا بوصفها أداة للتعبير فحسب، وإنما باعتبارها علماً قائماً على الدقة والبحث واستقصاء أسرار الكلام.

انصرف الكرباسي منذ شبابه إلى دراسة النحو العربي القديم وفلسفته، وأظهر قدرة متميزة على تتبع دقائق اللغة ومشكلاتها، حتى غدا واحداً من المتخصصين فيها في الوسط العلمي النجفي. ولم يقف اهتمامه عند النحو والصرف، بل اتسعت دائرة بحثه لتشمل التاريخ والفقه والمنطق وعلوم المعاني والبيان، وهو اتساع يكشف عن طبيعة الثقافة الحوزوية في النجف، حيث تتجاور علوم الدين واللغة والفكر، ويتكامل بعضها مع بعض في تكوين الباحث.
وكان من الطبيعي أن يرتبط بالحركة الثقافية والأدبية في مدينته، فكان عضواً في جمعية منتدى النشر والرابطة الأدبية في النجف، وهما من المؤسسات التي أسهمت في تنشيط الحياة الفكرية والأدبية في المدينة. كما مارس التعليم زمناً طويلاً، وتتلمذ عليه عدد كبير من العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء، وظل درس العربية جزءاً أساسياً من حضوره العلمي. وتشير الروايات المتداولة عنه إلى أنه كان يلقي دروسه في النحو في مقبرة السيد محمد سعيد الحبوبي داخل الصحن الحيدري الشريف، وأن هذا الدرس استمر قرابة نصف قرن، في صورة تختصر جانباً من علاقته العميقة بالنجف وبتراثها العلمي.
وقد ترك الكرباسي مؤلفات كثيرة تعكس هذا التنوع في اهتماماته، وتكشف في الوقت نفسه عن مشروعه في خدمة العربية والنصوص التراثية. ومن أبرز أعماله «جوهر القاموس في الجموع والمصادر للقزويني» الذي تولى تحقيقه وطبع سنة 1982، وكتاب «نظرات في أخطاء المنشئين» في ثلاثة أجزاء سنة 1983، و«المنتخب من كلام العرب» سنة 1984. كما انشغل طويلاً بالقرآن الكريم من الناحية اللغوية، فشرع في تأليف موسوعته الواسعة «إعراب القرآن»، التي بلغت ثلاثين جزءاً بحسب ما تذكره المصادر، وطبع منها أربعة أجزاء سنة 1988، إلى جانب كتابه «الأنباء بما في كلمات القرآن من أضواء» في سبعة أجزاء، طبع منها ثلاثة أجزاء سنة 1985. وله كذلك «محمد بن عبد الله» سنة 1990 و«قصص الأنبياء» سنة 1992، وغيرها من الأعمال التي توزعت بين اللغة والتراث والدين.
ولم يكن اهتمامه باللغة مجرد اشتغال أكاديمي جاف، بل كان شديد الحساسية تجاه سلامة الاستعمال العربي في الحياة اليومية. وتروى عنه مواقف كثيرة في هذا المجال، منها اعتراضه على استعمال كلمة «مبروك» في التهنئة، مفضلاً «مبارك»، انطلاقاً من نظرته اللغوية إلى دلالة اللفظ وأصله. ومثل هذه المواقف، بصرف النظر عن اختلاف اللغويين في بعض الاستعمالات الحديثة، تعكس شخصيته التي كانت ترى في اللغة نظاماً ينبغي الحفاظ على دقته، لا مجرد ألفاظ تتداولها الألسن بلا تدقيق.
ومن أبرز ما يميز تجربته العلمية أنه جمع بين ثقافة العالم التقليدي وروح الباحث الذي يراجع النصوص ويحققها ويقارن بينها. لذلك لم يكن حضوره مقصوراً على حلقات الدرس، بل امتد إلى التأليف والتحقيق والتصنيف، محاولاً أن يضع بين أيدي الدارسين كتباً تعينهم على فهم العربية والنصوص الدينية والتراثية. وقد جاءت موسوعاته، ولا سيما أعماله المتعلقة بإعراب القرآن وألفاظه، ثمرة سنوات طويلة من الصبر والمراجعة والتتبع.
وتبقى سيرة محمد جعفر الكرباسي مرتبطة بمدينة النجف التي احتضنت نشأته العلمية وظلت فضاءه الأثير حتى نهاية حياته. فقد كان واحداً من أولئك العلماء الذين جعلوا من الدرس عادة يومية ومن خدمة اللغة رسالة ممتدة، وأسهموا، كل من موقعه، في إبقاء الصلة حية بين الأجيال الجديدة وبين التراث العربي والنجفي. وتوفي في 27 أيلول/سبتمبر 2016، ودُفن في مقبرة الصحابي كميل بن زياد النخعي، ليطوي برحيله صفحة من صفحات الدرس اللغوي النجفي، بعد حياة أمضاها في التعليم والتأليف والتحقيق وخدمة العربية.
وتذكر موسوعة المطبعي جملة من مؤلفاته ومسيرته العلمية، فيما تضيء الروايات المتداولة عن حياته جانباً آخر من شخصيته، هو ارتباطه الوثيق بالنجف ومجالس علمائها وطلابها. وهكذا ظل الكرباسي، في الذاكرة الثقافية للمدينة، صورة للعالم الذي لم يفصل بين العلم والحياة، ولا بين التراث ومسؤولية نقله إلى الأجيال، فترك وراءه كتباً وطلاباً ودرساً لغوياً امتد طويلاً في واحدة من أعرق حواضر العلم العربي والإسلامي.