في محراب العشق

دلزار اسماعيل رسول

الجزء الثاني و الاربعون
المرفأ الأخير…و القصيدة التي لا تنتهي…

لم يكن الفندق مجرد مساحةٍ تضم عابرين؛ بل كان مسرحاً لولادةٍ ثانيةٍ للزمن، حين خطوتِ بمهابةٍ ساحرة، وكأن المكان كله يعيد ترتيب نبضه على إيقاع خطواتكِ… سكنت الضوضاء، وغدت أرتال الناس مجرد تفاصيل ظلية في خلفية شاردة… فالوجود بأكمله انسحب، ليترك المتسع لعينيكِ وحدهما…حين وطئت قدماكِ… بدت وكأنها أثرٌ من سحرٍ ينساب في المكان. أقبلتِ برقة، والجميع من حولكِ يرقبون ذلك الحضور الذي يبعث الدفء…بينما الوقت يمر بسكون…

جلسنا على مسافةٍ لا تُقاس بالأبعاد، بل بمدى اشتعال الروح… لم تكن في القلبِ رغبةٌ للالتفاتِ إلى سواكِ، فكلُّ جمالٍ في هذا الوجودِ بدا متواضعاً أمام تلك الإشراقة الصامتة… وحين طاف البصرُ منكِ في جولةٍ وادعة، ثم استدار ليتعلق بعينيَّ… انحلّ عقدُ العتمة، وانهمر الدفءُ في أوصالي كغيثٍ هتان، ليعلن القادِمُ من العمرِ ميلاداً جديداً لا يزول…وبُعد المسافة لم يزدني إلا قرباً منكِ بقلبي… لم ألتفت لأي تفصيل حولنا، فكل جمالٍ في العالم كان ينسحب أمام حضوركِ…

كنتِ هناك، يفصلنا مدىً ناءٍ، لكن روحكِ كانت تدنو مني بأرقّ ممّا يفعل النسيم بالأغصان. لم أمتلك رغبةً في التفاتةٍ لغيركِ، فجمال الدنيا كان محصوراً في تفاصيلكِ الصامتة… وحين تلاقت نظراتك مع نظراتي في لحظةٍ خاطفة… انجلت الظلمة، واشتعلت في صدري لهفةٌ صامتة، أدركتُ معها أن القلب قد وجد مقَرَّه…

منذ أن أبحرتُ في هويتكِ، أودعتُ قيل وقال الناس في صندوق النسيان، وأغلقته بلا ندم؛ فالحبُّ السامي أعظم من أن تمسه الهمسات… وإن كان هذا الحب يتطلبُ ثمناً من صبري وعمري، فإني أدفعه بطيب خاطر وبأنسٍ لا يشوبه كدر، فمن يفوز بقلبكِ فقد حاز الدنيا بأسرها…منذ أن أحببتكِ، وسعت أنفاسي لتتسع لحبكِ الغالي. صمتُّ عن كل ما يقال، وألقيت بكلام الناس خلف ظهري؛ لأن الحب الحقيقي هبة سماء تنساب على قلبي برفق…أن تدفع الأيام ثمن هذا العشق هو أمرٌ أستقبله برضا وطمأنينة، ما دمتِ أنتِ الوجهة والغاية…

ما كان للعتابِ أن يطأ محرابكِ، ولا للخصامِ أن يجدَ له مسلكاً إلى هذا الصفاء؛ فكلما ذكرتُ بداياتنا الأولى، وكيف ارتجفت رموشكِ بخجلٍ يذيبُ الحجر، علمتُ أن عينيكِ هما المرفأُ الأخير الذي ألقيتُ عنده مرساتي، فلا يبغي القلبُ عنه تحوّلا…

لا أجد في نفسي غضباً، بل حنيناً يزداد كلما تذكرت بداياتنا… تلك اللحظة التي ارتجفت فيها رموشكِ خجلاً، وكيف كانت عيناكِ هما الأمان والدفء الذي لا أريد الفرار منه أبداً…

منذ أن عرفت حبكِ، تحرك في داخلي رغبة احتواؤكِ وحمايتكِ من كل شيء، فلم تعد الدنيا تتطلب مني هجوماً أو دفاعاً، بل صبراً وحباً يتجدد في كل لحظة… لا تهمني الألسن ولا العيون التي ترقب قصتنا، فقد أصبحتِ حقيقة قلبي الأجمل، وحضوركِ طغى على كل وجود…

لم أعد أرى في هذا العالم معركة تستوجب الدفاع أو الهجوم، فقد غدت كل رغبتي أن أكون لكِ السكن والأمان… نهضتُ من مقعدي، لا لأغادر، بل لأتأمل هذا السحر الذي يغمرني؛ فكيف لقلبٍ تظلله عيناكِ أن يعرف الضياع… أنتِ لستِ مجرد اختيار، بل أنتِ القدرُ العذب، والحقيقةُ الأجمل التي يتباهى بها عمري…

قد يعجبك ايضا