شيركو حبيب
«ليس للكورد أصدقاء سوى الجبال» ليست مجرد جملة عابرة، ولا حكمة قيلت في لحظة غضب، وإنما تختصر جزءاً مؤلماً من تاريخ شعب عاش طويلاً بين الوعود والخيبات، وبين التحالفات التي تتغير عندما تتغير المصالح. الجبال لم تكن للكورد مجرد جغرافيا. كانت ملاذاً حين ضاقت المدن، وحصناً حين غابت الحماية، ومكاناً احتفظ فيه الكورد بهويتهم ولغتهم وذاكرتهم. ولهذا أصبحت الجبال في الوجدان الكوردي رمزاً للصمود والبقاء. لكن السؤال اليوم ليس: هل للكورد أصدقاء؟ السؤال الأهم هو: هل ما زالت الدول تبني علاقاتها مع الكورد على الوعود، أم على المصالح والثقة والاحترام المتبادل؟
التاريخ علّم الكورد أن السياسة لا تعرف الصداقة الدائمة، وأن الدول تتحرك، في الغالب، وفق مصالحها. حليف الأمس قد يصبح خصماً اليوم، والوعد الذي يبدو ثابتاً قد يسقط أمام أول اختبار سياسي. ولعل الوثائق التاريخية تكشف هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحاً من الشعارات. وأثناء انشغالي بعدد من الوثائق الأمريكية المتعلقة بكوردستان، لفتت انتباهي مذكرة سرية معنونة من السفارة الأمريكية في بغداد إلى وزارة الخارجية الأمريكية، مؤرخة في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1965، وتحمل عنوان «تحليل القضية الكوردية».
تقول الوثيقة، في خلاصة الموقف الأمريكي آنذاك، إن منح الكورد العراقيين درجة عالية من الحكم الذاتي أو الاستقلال من شأنه، من وجهة نظر الولايات المتحدة، أن يعرّض استقرار المنطقة للخطر ويتعارض مع مصالحها على المدى البعيد، وفي الوقت نفسه، تشير الوثيقة إلى أن استمرار القتال لم يكن يخدم المصالح الأمريكية، وإن كانت واشنطن لا ترى في ذلك، في تلك المرحلة، سبباً للقيام بمبادرة كبيرة أو مباشرة.
الأكثر دلالة أن الوثيقة تتحدث أيضاً عن إيران، وربما بريطانيا، باعتبارهما تنظران إلى استمرار الصراع الكوردي ـ العراقي من زاوية مصالحهما الخاصة. هذه الوثيقة، وغيرها من الوثائق التي تكشفها الأرشيفات الدولية، تقدم درساً مهماً: الدول الكبرى لا تتعامل مع القضايا والشعوب بمنطق العاطفة، وإنما بمنطق المصالح وحسابات القوة والاستقرار الإقليمي، ولهذا لم يكن الاعتماد على الآخرين وحدهم خياراً آمناً للكورد، ولن يكون كذلك في المستقبل.
ما يحتاجه الكورد ليس البحث عن صديق لا يتغير، لأن العلاقات الدولية لا تُبنى بهذه الطريقة، وإنما بناء قوة سياسية ومؤسسات قادرة على حماية المصالح والحقوق، وإقامة علاقات متوازنة مع الجميع. لقد تغير العالم، وتغيرت كوردستان أيضاً. لم تعد الجبال وحدها مكان الدفاع عن الهوية، ولم تعد القضية الكوردية محصورة في ساحات القتال. اليوم هناك مؤسسات وبرلمان وحكومة وعلاقات دولية وحضور سياسي وإعلامي واقتصادي.
لكن الذاكرة لا ينبغي أن تُنسى. فعبارة «ليس للكورد أصدقاء سوى الجبال» يجب أن تبقى درساً سياسياً قبل أن تكون شعاراً تاريخياً. معناها ليس أن نغلق أبوابنا أمام العالم، ولا أن نعادي الآخرين، بل أن ندخل العلاقات الدولية ونحن ندرك أن الصداقة السياسية تحتاج إلى قوة تحميها، ومصلحة مشتركة تجعلها مستمرة، ووعي سياسي يمنع تكرار أخطاء الماضي.
الكورد لا يحتاجون إلى العداء مع أحد، كما لا يحتاجون إلى التعلق بأحد. الجبال كانت ملاذاً للكورد عندما لم يجدوا من يحميهم، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني مستقبلاً. المستقبل يُبنى بالإنسان، والوحدة، والمؤسسات، والقرار السياسي، والعلاقات المتوازنة مع العالم. ولهذا، ربما يكون المعنى الحقيقي للمقولة اليوم ليس أن «ليس للكورد أصدقاء سوى الجبال»، وإنما أن الكورد يجب أن يكونوا أقوياء بما يكفي حتى لا يكون مستقبلهم رهناً بصديق أو حليف يتغير عندما تتغير المصالح.