بين شغف الوثيقة وشهقة الغياب اللحظات الأخيرة في حياة البروفيسور عبد الفتاح البوتاني

نوزت دهوكي

كانت الساعات تتسرب دافئةً هادئة تحت ستار الليل في قرية “پشتگرکي” الجبلية الخلابة شمال دهوك ، حيث أجتمعنا في مزرعة صديقنا الجليل ، الأستاذ الدكتور عبد الفتاح البوتاني ، الذي غمرنا بكرمه ولطفه المعهود .. كنا جمعاً يربطه الوفاء والود : أنا ، والدكتور بهدين جلال بالطه ، والأخ شيرزاد مختار ، والأخ خالد توفيق .
قضينا وقتاً ممتعاً يفيض بأنس الحديث وأصالة الصحبة حتى ساعة متأخرة من الليل ، وقبل أن نفترق ونعود إلى بيوتنا في دهوك .. حيث سلك الأخ شيرزاد طريق العودة مع الدكتور بهدين في سيارته ، وعدتُ أنا والأخ خالد مع الدكتور عبد الفتاح في سيارته .. كنا قد عقدنا العزم واتفقنا ( أنا والدكتور عبد الفتاح والأخ خالد ) على الذهاب صباح الغد إلى الموصل لتقديم واجب العزاء لصديقنا الأخ سبهان نايف الحيو في رحيل ولده .
أشرقت الشمس صباح الثلاثاء الأول من أيلول 2026 وفي تمام الساعة التاسعة والنصف صباحاً ، وفي الموعد المتفق عليه تماماً ، أقبل الدكتور عبد الفتاح في سيارته الفارهة برفقة الأخ خالد .. كانت ملامحه تفيض بالنشاط والرغبة الصادقة في أداء واجب الصحبة .. ركبت معهما السيارة ، ومضينا نطوي الطريق الممتد من دهوك بإتجاه الموصل ، والحديث ينساب بيننا دافئاً كما كان في الليلة السابقة .
وصلنا مدينة الموصل في حدود الساعة الحادية عشرة صباحاً .. كان الوقت باكراً ؛ إذ جرت عادة أهل الموصل على إقامة مجالس العزاء بعد الظهر ، إبتداءً من الساعة الثانية ، ولما كان أمامنا متسعٌ من الوقت ، أقترح الدكتور عبد الفتاح بشغفه المعهود بالبحثِ ، أن نستغل هذه الساعات ؛ فتوجهنا إلى بعض أصدقائه الموصليين الذين كانوا قد وعدوه بتوفير بعض الوثائق التاريخية المهمة التي كان يحتاجها لتضمينها في كتابه الجديد الذي كان يعكف على تأليفه .
جلسنا جميعاً ، نتبادل أطراف الحديث الدافىء ونرتشف أقداح الشاي وفناجين القهوة ، والأوراق التاريخية تنتقل بين الأيدي بروح البحث الشغوفة .. كان المؤرخ الكبير بين أصدقائة يفيض حيويةً وحضوراً إنسانياً راقياً ، ولكن .. وبينما كانت الجلسة في أُوج أنسها ، وأقداح الشاي لم تبرد بعد .. توقف كل شيء .
فجأة ، وبلا إنذار ، لاحظت أنا والأخ خالد ، شحوباً مباغتاً يعلو وجه الدكتور عبد الفتاح ، وإصفراراً خاطفاً يكسو ملامحه الهادئة .. أنفرجت شفتاه ، وبدأت تصدر منه شهقات الموت ونزعات الوداع الأخير .
هرعنا إليه بلهفةٍ يعصرها الخوف ، أنا والأخ خالد ، ونحن نناديه بصوت يملؤه الذهول والرجاء ( يا دكتور .. يا دكتور ! ) ، لكن دون جواب .. قمنا بتدليك صدره وأكتافه ويديه علّه يفيق من إغماءته المباغتة وتعود إليه الحياة ، غير أن الجسد الجليل كان يستسلم لنداء ربه ، وأمام هذا الإنسداد وسرعة اللحظة ، أتصلنا فوراً بالإسعاف عبر الهاتف لعلّ معجزةً تلحق بتلك الروح الطاهرة .
وصلت سيارة الإسعاف مسرعة ، فصعدتُ فيها إلى جوار جسد الدكتور عبد الفتاح أرقب أنفاسه بقلبٍ وجل ، بينما طلبتُ من الأخ خالد أن يتبعنا بسيارة الدكتور التي أتينا بها صباحاً .. طوت الإسعاف ، الشوارع نحو جناح الطوارىء في مستشفى ” أم الربيعين” .
وهناك أُدخل الدكتور ومُدد جسده فوق سرير الفحص الطبي .. أسرع الأطباء ينظرون إليه ، قبل أن يلتفتوا إليّ ليعلنوا بصوت ثقيل أنه قد فارق الحياة ، حينها أنهمر الذهول والرفض في صدري ،فاعترضتُ عليهم بشرارة الأمل الأخيرة قائلاً بصرخة الوفاء والفجيعة : ” إنّ هذا هو الدكتور البروفيسور عبد الفتاح البوتاني ! المتخصص بالتاريخ وصاحب المؤلفات الرائعة .. عليكم فحصه بدقة وبذل أقصى الجهود في إسعافه علّه يفيق وتعود إليه الحياة ! ” .
عند ذاك ، وبعد سماعهم لصرختي الممزوجة بالرجاء ، أجتمع على جسده الطاهر جميع الأطباء الذين كانوا في الصالة الطبية ، ومعهم الكادر الفني الطبي المعالج .. تكاتف الجميع في محاولةٍ مستميتة ؛ بدأوا بإنعاشه عبر التنفس الاصطناعي ، وتدليك الصدر المتواصل ، واستخدموا الرجات الكهربائية لعله يفيق وتسترد أجهزة الجسد نبضها .. لكن دون فائدة .
أخيراً توقفت الأجهزة ، وتراجع الأطباء خطوة إلى الخلف ، وقالوا بأسى ثقيل : ” يرحمه الله ” .
في تلك اللحظة بالذات ، أنكسر كل شيء .. أنهارت قِواي ، وسقطتُ على الأرض خائر الأنفاس باكياً ، بينما طاف الوجع بأرجاء المكان .. فاضت الروح الزكية إلى بارئها ، واستراح المؤرخ الكبير والباحث القدير من رحلة الدنيا ، ليُسدل الستار على حياةٍ حافلة بالفكر والعمل والنبل الإنساني .
رحل الأستاذ الدكتور عبد الفتاح البوتاني وهو يحمل في يده شغف الوثيقة ، وفي قلبه نبل المواساة والوفاء ، وفي مجلسه أُنس القهوة والصداقة … تغير مجرى الرحلة ليكون هو الراحل المتبوع بالدموع ، وليترك في قلوبنا جرحاً لا يندمل ، وذكراً شامخاً بشموخ الجبال التي أحتضنت ليلتنا الأخيرة معه .
رحِمك َ الله يا أبا بَردل وغفر لك ، وأسكَنَكَ أعلى جِنانه .

قد يعجبك ايضا