حين يتقدّم الاحترام على المنصب: قراءة في لغة القيادة بين مسرور ونيجيرفان بارزاني

الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي

ليست السياسة خطباً ومواقف وقرارات فحسب، بل هي أيضاً لغة صامتة تتجلى في الحركة والإشارة وطريقة الوقوف وترتيب المسافات بين الأشخاص. وفي بعض الأحيان تختصر لقطة واحدة ما تعجز عنه صفحات طويلة من الكلام، لأنها تكشف جانباً من الثقافة السياسية التي تحكم العلاقة بين القادة، وتمنح المتلقي فرصة لقراءة ما وراء الشكل والبروتوكول. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى المشهد المتداول الذي يظهر فيه مسرور بارزاني ونيجيرفان بارزاني بوصفه مناسبة للتأمل في معنى الاحترام داخل المجال السياسي، لا باعتباره دليلاً قاطعاً على نية محددة أو موقف شخصي لا يمكن الجزم به من صورة أو مقطع قصير، وإنما باعتباره صورة رمزية تفتح باباً واسعاً لقراءة العلاقة بين المكانة والمنصب، وبين التربية السياسية وهيبة الدولة.
إن أول ما يلفت النظر في مثل هذا المشهد هو أن قيمة القائد لا تُقاس دائماً بموقعه في الصف ولا بمن يتقدم خطوات على الآخر، فالمكانة السياسية الحقيقية أعمق من ترتيب الأجساد في فضاء بروتوكولي. قد يكون التقدم جزءاً من ترتيب رسمي، وقد يكون التأخر مقتضى للحظة أو حركة عابرة، ولذلك ينبغي ألا تُحمّل الصورة أكثر مما تحتمل من استنتاجات شخصية. غير أن قوة الصورة تكمن في رمزيتها: فهي تذكّر بأن الاحترام، حين يكون راسخاً في ثقافة الإنسان، لا يُفهم بوصفه تنازلاً عن الهيبة، بل بوصفه أحد مصادرها. فالإنسان الواثق من مكانته لا يحتاج إلى إثباتها في كل حركة، والقائد الذي يدرك معنى المؤسسة لا يحوّل البروتوكول إلى منافسة على الأسبقية، لأن المنصب في النهاية وظيفة عامة، أما الاحترام فهو قيمة تبقى بعد زوال المناصب.
وهنا تظهر إحدى المفارقات العميقة في فلسفة القيادة: كلما ازداد الإنسان ثقة بمكانته، أصبح أقل حاجة إلى استعراضها. فالهيبة المصطنعة تحتاج دائماً إلى مسافات وحواجز ومظاهر، أما الهيبة الحقيقية فتستطيع أن تجتمع مع التواضع من دون أن تفقد شيئاً من قوتها. ومن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ المشهد باعتباره درساً في أن الأدب السياسي ليس ضعفاً، وأن احترام الآخر لا يعني التنازل عن الذات، وأن منح شخص آخر مساحة رمزية لا ينتقص بالضرورة من قيمة من يمنحها. بل ربما يكون العكس صحيحاً؛ فالقائد الذي يستطيع أن يحترم غيره أمام الناس يرسل رسالة بأنه لا يخشى المقارنة، ولا يرى في المكانة المعنوية للآخر تهديداً لمكانته.
وفي المجتمعات التي مرت بتاريخ طويل من الصراعات والانقسامات، تصبح الإشارات التي توحي بالاحترام والتفاهم ذات أهمية تتجاوز أصحابها. فالمواطن لا يراقب فقط ماذا يقول القادة، بل يراقب كيف يتعاملون بعضهم مع بعض. وحين يرى في السلوك العام قدراً من الاحترام، فإنه يقرأ فيه رسالة عن إمكانية إدارة الاختلاف من دون تحويله إلى خصومة، وعن قدرة السياسة على أن تكون مجالاً للتعاون لا ساحة دائمة للتنافس الشخصي. لذلك فإن الصور البروتوكولية، على بساطتها، قد تسهم في تشكيل المخيال العام عن الدولة والقيادة، لأن السياسة تُبنى أيضاً من الرموز والانطباعات، لا من النصوص القانونية والقرارات الرسمية وحدها.
إن العلاقة بين مسرور بارزاني ونيجيرفان بارزاني، بحكم موقع كل منهما في مؤسسات إقليم كردستان، تجعل أي مشهد يجمعهما محط قراءة سياسية وإعلامية. لكن القراءة الرصينة ينبغي أن تفرق بين ما نراه فعلاً وما نستنتجه نحن من المشهد. ما نراه حركة في إطار مناسبة رسمية؛ أما تفسير الدوافع النفسية أو الجزم بأن أحدهما تعمد التقدم أو التأخر احتراماً للآخر، فيحتاج إلى معلومات تتجاوز الصورة ذاتها. ومع ذلك، فإن المشهد يصلح رمزاً لمناقشة قيمة أكبر: كيف يستطيع القادة أن يحولوا الاحترام المتبادل إلى جزء من الثقافة السياسية، بحيث لا يصبح الاختلاف في الاختصاص أو الرأي سبباً في تآكل الروابط المؤسسية والشخصية؟
الاحترام في السياسة ليس مجاملة سطحية، بل يمكن أن يكون شكلاً من أشكال القوة الناعمة داخل النظام السياسي نفسه. فعندما يحترم المسؤولون المواقع الدستورية والمؤسسات والشخصيات الأخرى، فإنهم يرسخون فكرة أن الدولة أكبر من الأشخاص. وهذه الفكرة هي الأساس الذي تقوم عليه الأنظمة المستقرة: أن يستطيع القائد أن يكون قوياً من دون أن يلغي الآخرين، وأن يحافظ على مكانته من دون أن ينتقص من مكانة سواه، وأن يختلف من دون أن يهدم جسور الثقة. فالسياسة التي تفقد الاحترام تتحول سريعاً إلى صراع إرادات، بينما السياسة التي تحتفظ به تستطيع أن تجعل حتى الاختلاف جزءاً من عملية بناء التوازن.
ولعل المعنى الأعمق الذي يمكن استخلاصه من هذه الصورة هو أن القيادة ليست سباقاً دائماً إلى المقدمة. أحياناً تكون القيادة في معرفة متى تتقدم، ومتى تترك المجال للآخر، ومتى تجعل المصلحة العامة أعلى من حساسية المكانة الشخصية. وهذه ليست مسألة شكلية؛ إنها ثقافة تبدأ من الأسرة والتربية، ثم تنتقل إلى المجتمع والمؤسسة والدولة. فالأدب الذي يتعلمه الإنسان في حياته الخاصة لا ينفصل تماماً عن سلوكه في المجال العام، والاحترام الذي يصبح جزءاً من تكوينه يظهر، غالباً، في التفاصيل الصغيرة التي لا تحتاج إلى خطاب مكتوب.
ومن هنا يمكن القول إن الصورة، بعيداً عن المبالغة في تفسير تفاصيلها، تثير سؤالاً مهماً عن النموذج الذي نريده للقيادة في العراق وإقليم كردستان: هل نريد قائداً يعتقد أن هيبته تزداد كلما ابتعد عن الآخرين، أم قائداً يرى أن احترام الآخرين يزيده حضوراً؟ إن التجارب السياسية الحديثة أثبتت أن المجتمعات لا تحتاج فقط إلى أصحاب القرار، بل إلى شخصيات قادرة على إنتاج الثقة. والثقة لا تصنعها القرارات وحدها؛ تصنعها أيضاً اللغة، ونبرة الخطاب، وطريقة التعامل، والقدرة على الاعتراف بمكانة الآخرين.
إن أجمل ما في الاحترام أنه لا يحتاج إلى إعلان. حين يصبح سلوكاً طبيعياً يفقد حاجته إلى الشرح والتبرير. وفي عالم سياسي كثيراً ما تملؤه المنافسة والصراع على الصورة والموقع، تصبح اللحظات التي تسمح بقراءة معنى مختلف ذات قيمة رمزية. ليس لأننا نستطيع أن نعرف من خلالها كل ما يدور في نفوس أصحابها، بل لأنها تمنحنا فرصة لإعادة التفكير في مفهوم القيادة نفسه. فالقيادة ليست أن تكون الأول في كل مشهد، وإنما أن تكون جديراً بالمكان الذي تقف فيه، وأن تعرف أن مكانة الآخرين لا تنتقص من مكانتك.
وفي المحصلة، فإن قراءة المشهد بين مسرور ونيجيرفان بارزاني ينبغي أن تظل منضبطة بحدود الصورة، فلا تتحول الملاحظة إلى حقيقة غير موثقة، ولا الانطباع إلى حكم نهائي. لكن رمزية المشهد تسمح باستخلاص درس سياسي وإنساني بالغ الأهمية: الاحترام ليس كلمة مجاملة، وإنما ممارسة تصنع الثقة، والثقة تصنع الاستقرار، والاستقرار يمنح المؤسسات القدرة على الاستمرار أبعد من الأشخاص. وربما تكون أعظم علامات النضج السياسي أن يدرك المسؤول أن المنصب يمنحه صلاحية مؤقتة، بينما يمنحه سلوكه مكانة قد تبقى في ذاكرة الناس طويلاً. وعندها يصبح الاحترام سابقاً على المنصب وأبقى منه؛ لأن المناصب تتغير، أما أثر التربية والأخلاق وطريقة معاملة الآخرين فهي التي تصنع، في النهاية، المعنى الحقيقي للقيادة.

قد يعجبك ايضا