عبدالكريم مراد
ليس من باب التشاؤم أو السوداوية أن نتوقف اليوم أمام واقع القضيّة الكورديّة في سوريّا بقدر كبير من الصراحة والموضوعيّة، وأن نعترف بأنَّ هذه القضيَّة ما تزال تسير، في ظل المعطيات الراهنة، نحو مزيد من الضياع والغموض، ما لم تدرك القوى السياسيّة الكورديّة أنّ المرحلة لم تعد تحتمل المزيد من الانقسام والمناكفات وتبادل الاتهامات.
ولعلّ من الإنصاف الإشارة إلى بعض المستجدّات التي شهدتها الساحة السورية في ظلّ الحكومة الجديدة، وفي مقدمتها المرسوم رقم (13) الصادر عن السيد رئيس الجمهورية، والذي تضمّن جملة من الإجراءات المتعلقة بالكورد، من بينها إتاحة تعليم اللّغة الكورديّة باعتبارها لغة وطنيّة، وتدريسها بصورة اختياريّة، ومنح الجنسيّة لمن حُرموا منها، فضلاً عن تمثيل بعض الشخصيات الكوردية في مجلس الشعب، وتعيين مستشار كوردي في مؤسّسة الرئاسة.
وبعيداً عن تقييم تفاصيل هذه الإجراءات وحدودها، فإنّها تمثّل، في الحد الأدنى، خطوةً يمكن البناء عليها، إذا ما توافرت إرادة سياسيّة حقيقيّة لتحويلها من قرارات وإجراءات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن الكورديّ في حياته اليوميّة.
لكنّ السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل جاءت هذه الخطوات نتيجة نضال منظّم وموحّد للحركة السياسيّة الكورديّة، أم كانت ثمرة ظروف وعلاقات وتقاطعات سياسيّة مختلفة وشخصيّة؟
إنَّ طرح هذا السؤال ليس انتقاصاً من أحد، ولا إنكاراً لمّا تحقق، وإنما هو محاولة لقراءة الواقع كما هو، بعيداً عن المبالغة في الإنجازات أو تحميل جهة واحدة مسؤولية ما تحقّق وما لم يتحقّق.
لقد عانى الكورد كثيراً بين مصالح الخارج وانقسام الداخل. فمنذ أن رُسمت حدود المنطقة وفق المصالح الدوليّة والإقليميّة، ظلّ الشعب الكورديّ يدفع ثمناً باهظاً للصراعات والتوازنات المحيطة به. وكثيراً ما تحولت القوى السياسيّة الكورديّة إلى أوراق تستخدمها أطراف إقليميّة ودوليّة وفق حساباتها ومصالحها، بينما بقيت القضيّة الكورديّة تدفع الفاتورة من دماء أبنائها، ومن أمنهم واستقرارهم وكرامتهم ومستقبلهم.
غير أنَّ المسؤوليّة لا تقع كلُّها على الخارج؛ فأخطر ما يواجه الكورد في سوريا اليوم ليس حجم التحدّيات الخارجيّة فحسب، وإنّما الانقسام الداخلي الذي أصبح، في كثير من الأحيان، أقوى من إرادة التوافق.
وهنا تفرض مجموعة من الأسئلة نفسها بإلحاح:
* هل استطاعت القيادات السياسيّة الكورديّة، بمختلف أطرافها، أن تتعلَّم من دروس العقود الماضية؟
* هل آن الأوان لتجاوز الخلافات الحزبيّة والتنظيميّة، ووضع المصلحة العامة للكورد فوق الاعتبارات الفئويّة والشخصيّة؟
* هل يمكن أن نرى مشروعاً سياسياً كوردياً سورياً جامعاً، يتعامل مع الواقع الجديد بعقل سياسيٍّ مختلف، ويعمل من داخل المشروع الوطني السوري من أجل تثبيت الحقوق القوميّة والثقافيّة والسياسيّة المشروعة للكورد؟
لكن، وللأسف، لم يلتئم جرح الانقسام.
فقد أثبتت التجربة أنَّ الانقسام الكورديّ لم يكن مجرّد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل في مراحل كثيرة إلى حالة مزمنة استنزفت طاقات المجتمع، وأضعفت قدرته على التأثير، وعمّقت المسافة بين المواطن والقوى التي يفترض أن تعبّر عن تطلعاته.
فالحركة السياسيّة الكورديّة ما تزال تعاني من الانشقاقات المتكرّرة، وصراع النفوذ والمواقع، وتبادل الاتهامات والتخوين أحياناً، في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه القضيّة ذاتها هي البوصلة والمرجعيّة.
والأكثر إيلاماً أنَّ بعض القوى التي تنقسم عن بعضها باسم الخلاف السياسيّ، تعود بعد ذلك لتعلن أنّها تعمل من أجل توحيد البيت الكوردي وتحقيق المصلحة القوميّة.
لكنَّ الوحدة ليست شعاراً يُرفع أمام الكاميرات، ولا بياناً يصدر بعد كل اجتماع أو مؤتمر؛ الوحدة موقف، وتنازل متبادل، وشراكة حقيقيّة، واستعداد لوضع المصلحة العامة فوق مصلحة الحزب والتنظيم والأفراد.
إنَّ الكورد في سوريا لا يحتاجون اليوم إلى المزيد من الشعارات بقدر حاجتهم إلى مشروع سياسيّ واقعيّ، وإلى قيادة تمتلك القدرة على الحوار والتوافق، وتدرك أن الاختلاف السياسيّ حقٌّ، لكنَّ تحويله إلى خصومة دائمة هو إضعاف للقضيّة ذاتها.
وماذا عن الكورد في أوروباّ والمهجر؟
أمّا الكورد في أوروبا وبلدان الاغتراب، فليسوا بعيدين عن هذه الحالة.
فبدلًا من أن تتحّول الجاليات والفعاليات الكورديّة في المهجر إلى مساحة للتقارب وجمع الكلمة، نجد أنَّ كثيراً من الأنشطة والندوات والمؤتمرات والاجتماعات والمظاهرات، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي، تعكس أحياناً الانقسام ذاته، وتعيد إنتاج الخلافات بين هذا الطرف وذاك.
وهكذا يصبح المهجر، الذي يفترض أن يكون مساحة أوسع للحوار والتقارب، امتداداً للخلافات الداخلية، بدلاً من أن يكون جسراً للتفاهم وبناء جسور التواصل.
وهنا لا بدَّ من القول بوضوح: ليس المطلوب من الكوردي في المهجر أن يتخلى عن قناعته السياسيَّة، وإنما المطلوب ألا تتحوّل هذه القناعة إلى قطيعة مع الآخر الكوردي.
فالاختلاف لا يعني العداء، وتعدّد الرؤى لا يعني تعدّد القضايا.
أما آن أوان الاستيقاظ؟
أمام هذا الواقع، أليس الوقت قد حان لكي تستفيق الحركة السياسيّة الكورديّة، بكلّ أطرافها، من هذه الغفوة الطويلة؟
أليس من حقّ المواطن الكورديّ في سوريا أن يرى قياداته السياسيّة وهي تتنافس على خدمة قضيَّته، لا على إقصاء بعضها بعضاً؟
أليس من حقّه أن يعيش بكرامة، وأن يتعلم لغته، ويحافظ على ثقافته وهويَّته، ويحصل على حقوقه المشروعة ضمن دولة سورية تحفظ حقوق جميع مكوناتها؟
إنّ الكوردي السوري لا يريد أن يبقى أسيراً لصراعات النخب السياسيّة، ولا أن تتحوَّل قضيَّته إلى مادّة دائمة للمؤتمرات والبيانات ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
إنَّه يريد حياة كريمة، وأمناً واستقراراً، واعترافاً بحقوقه، ومستقبلاً واضحاً لأبنائه.
لقد أنهكت الانقسامات المجتمع الكوردي، وأضعفت ثقته بالخطاب السياسيّ، وأوصلت كثيرين إلى حالة من اليأس والإحباط، حتى بات بعض أبناء هذا الشعب يشعرون بأنّ قضيتهم تُدار بعيداً عن واقعهم ومعاناتهم اليومية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالقضايا العادلة لا تضيع دائماً بسبب ظلم الآخرين؛ بل قد تضيع أيضاً حين يعجز أصحابها عن توحيد صفوفهم وإدارة خلافاتهم بحكمة ومسؤوليّة.
إنَّ إنقاذ القضيّة الكورديّة في سوريا لا يبدأ من الخارج، ولا من انتظار تبدّل موازين القوى الإقليميّة والدوليّة، بل يبدأ أولاً من إعادة ترتيب البيت الكوردي من الداخل.
فلنختلف سياسياً كما نشاء، ولكن لنتفق على أنَّ كرامة الإنسان الكوردي وحقوقه ومستقبله فوق كلّ حزب وتنظيم وشخص.
ولنختلف في الوسائل، ولكن لنتفق على الغاية.
ولنترك للأجيال القادمة شيئاً أفضل من إرث الانشقاق والتخوين والخصومة.
لقد آن الأوان لأن يتحول شعار «وحدة الصف الكوردي» من عبارة تتكرّر في البيانات إلى ممارسة سياسيّة حقيقيّة، وأن يتحول الخلاف من عامل تفكيك إلى مصدر إثراء، وأن يصبح الحوار بديلاً عن التخوين، والشراكة بديلاً عن الإقصاء، والمصلحة العامة بديلاً عن الحسابات الضيقة.
فالقضية الكوردية في سوريا أكبر من الأحزاب، وأبقى من الأشخاص، وأهم من الكراسي والمواقع.
وإذا لم ندرك ذلك اليوم، فقد يأتي يوم نسأل فيه أنفسنا، متأخرين جداً:
ماذا بقي من القضية… حين أضعنا أصحابها في متاهات الانقسام؟