هورين حسن
لم يعد الصمت ممكناً، والغضب خلف الشاشات كافياً في مدينة قامشلو، تجاوز المشهد حدود المستفز والمخجل؛ فبينما يغرق المواطن في عتمة دامسة يبحث عن لتر مازوت أو ساعة كهرباء تنير عتمة بيته وسط الأزمات المتلاحقة، تزدحم الصفحات الرسمية للمسؤولين الجدد بطوفان يومي من صور الاستقبال والوداع والابتسامات العريضة داخل القاعات الفارهة والمكيفة.
إنه انفصال كامل ومخزٍ عن واقع مدينة تحتضر خدمياً ومعيشياً، وتتحمل ما لا طاقة للبشر على تحمله.
مكاتب مكيفة وعقول افتراضية: عندما تصبح الوجاهة الإعلامية غاية بديلة عن العمل!
إن ما يمارسه هؤلاء المسؤولون الجدد منذ تسلّمهم مناصبهم لا يمكن تسميته عملاً إدارياً أو تخطيطاً استراتيجياً، بل هو “استعراض إعلامي” رخيص ومبتذل يُقام على أنقاض البنية التحتية المتهالكة للمدينة.
كيف يجرؤ مسؤول على الابتسام بكامل أناقته أمام عدسات الكاميرات والتباهي بـبروتوكولات فارغة، في وقت باتت فيه أسعار المحروقات حارقة كالنار، وساعات وصل الكهرباء النظامية أشبه بحلم بعيد المنال؟
إن تحويل المناصب العامة إلى منصات لعرض الوجاهة واستعراض النشاطات الوهمية هو استخفاف علني ومباشر بمعاناة الناس، وتأكيد صارخ على أن هؤلاء المسؤولين جاؤوا لخدمة صورهم الشخصية وحساباتهم الافتراضية، لا لخدمة الشارع الذي يئن تحت وطأة الحاجة.
مسرحية الدمج المزعوم: إعادة تدوير المناصب والهياكل.. والصفر الخدمي ثابت!
يسأل الشارع اليوم بمرارة وغضب: “على أساس هناك دمج للمؤسسات والبلديات والهياكل الإدارية، فأين هي ثمار هذا الدمج؟ ولماذا يدفع المواطن ضريبة التغييرات دون تفصيل خدمي واحد؟”.
لقد ملّ الناس من سماع الوعود الجوفاء والتبريرات الجاهزة عن الدمج المؤسساتي والاجتماعات التنسيقية وتشكيل اللجان المشتركة.
إن كان هذا الدمج مجرد حبر على ورق لترتيب مناصب المسؤولين الجدد وتوزيع المكاسب السياسية والإدارية، فهو طعنة في ظهر المواطن.
الناس لا يريدون دمج مكاتب أو نقل ملفات، بل يريدون دمج الجهود لإنقاذ المدينة.
إذا كانت الهيكلة الجديدة عاجزة عن تأمين المياه والخبز وإصلاح شبكات الطاقة، فما قيمتها؟
وما فائدة وجود مسؤولين جدد لا يملكون سوى صلاحية التقاط الصور وتبادل التبريكات في إدارات مدمجة شكلياً ومنهارة عملياً؟
نفاق المهرجانات: طاقة مفتوحة وميزانيات باذخة لرفاهية الفنان.. والفتات للمواطن المظلم!
تتجلى ذروة التناقض والاستفزاز عندما تقرر الجهات المعنية إقامة حفلة أو مهرجان؛ فحينها تتبدد فجأة كل تبريرات نقص الإمكانيات وشح الوقود.
يُستدعى فنان من الخارج بأموال طائلة، وتُسخر له قاعات الضيافة الفخمة، والسيارات الفارهة، والإنارة المستمرة التي لا تنقطع لثانية واحدة.
ينبهر الفنان القادم من كثرة الرفاهية والخدمات المتاحة له، ويخرج عبر منصاته ليمتدح الإدارة والتنظيم، وهو لا يدري أن هذا البريق المؤقت ليس سوى مسرحية تجميلية دُفعت كلفتها من قوت الأهالي وعتمة بيوتهم.
كيف تتوفر الطاقة والمحروقات والميزانيات المفتوحة لتأمين رفاهية زائر بضع ساعات، بينما تعجز الإدارة نفسها عن توفير لتر مازوت لتدفئة طفل في الشتاء أو ساعة كهرباء عامة للمواطن الذي تحرقه أسعار الأمبيرات؟ إنها المفارقة التي تؤكد أن الأزمة ليست أزمة موارد، بل هي أزمة أولويات وضمير إداري.
تجارة العتمة: كيف تحولت الأمبيرات إلى مقصلة مالية تنهب جيوب العائلات؟
في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الرسمية وصور الاجتماعات عن خطط وتفاهمات، يعيش المواطن في قامشلو واقعاً مظلماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فالكهرباء العامة أصبحت غائبة تماماً عن المشهد، ممّا أجبر الأهالي على الارتهان الكامل لرحمة أصحاب المولدات الخاصة (الأمبيرات).
ولم يتوقف الأمر عند غياب التيار، بل امتد لارتفاع أسعار الاشتراكات الأسبوعية والشهرية بشكل جنوني لا يتناسب مطلقاً مع الدخل المحدود للعائلات.
هذا الارتفاع المرتبط مباشرة بأزمة المحروقات وغياب الرقابة الفعّالة، حوّل الطاقة من حق أساسي إلى عبء مالي ثقيل يقصم ظهور الآباء الذين يقفون عاجزين عن تأمين ثمن إنارة غرفة صغيرة لأطفالهم، بينما ينعم المسؤولون بإنارة مستمرة ووقود لا ينقطع.
لهيب الأسواق الحارقة: طوابير المعاناة وشلل اقتصادي برعاية الفشل الإداري!
الحديث عن ارتفاع أسعار المحروقات ليس مجرد شكوى عابرة، بل هو شريان الحياة الذي تم قطعه عن المدينة. فكل قطرة مازوت أو بنزين يرتفع سعرها، يرتد فوراً ككرة ثلج تسحق الأسواق؛ بدءاً من أجور نقل البضائع، مروراً بأسعار الخضار والمواد الغذائية الأساسية، وصولاً إلى تشغيل الأفران التي باتت تكافح لتأمين الخبز اليومي.
وتشهد الأسواق في قامشلو حالة من الشلل والركود غير المسبوق، حيث يقتصر الشراء على الضروريات القصوى في ظل تآكل القدرة الشرائية للسكان.
وفي خضم هذه الدوامة الاقتصادية المرعبة، يطل علينا المسؤولون الجدد ببيانات ترحيب بوفد زار ووفد غادر، دون أن يملك أي منهم الجرأة على الخروج للشارع ومواجهة تجار الأزمات أو تقديم حل حقيقي يخفف عن كاهل الناس.
ما بعد حافة الصبر: الاحتقان الميداني يهدد بزلزلة الاستعراض الافتراضي!
لقد نفد رصيد الصبر بالكامل، وتحول الملل والانتظار إلى غضب عارم يغلي في صدور أبناء قامشلو.
لم يعد الأمر يقتصر على منشورات غاضبة أو تعليقات ساخطة خلف شاشات الهواتف؛ فالحديث اليوم يدور علناً وفي وضح النهار في المقاهي والأحياء عن خروج جماعي إلى الشارع في تظاهرات واحتجاجات شعبية عارمة لزلزلة هذا الواقع المعيشي المزري وضد هذا التهميش المتعمد.
هذا التلويح بالاحتجاج الميداني هو الإنذار الأخير والخطير، سياسة امتصاص غضب الناس بالصور والابتسامات الدبلوماسية والمؤتمرات الصحفية قد سقطت وعفا عليها الزمن، والشعوب الجائعة والمنسية في البرد والعتمة لن ترحم من استغل منصبه للوجاهة والتسويق الشخصي.
كلمة أخيرة: ارحلوا أو أصلحوا !
في النهاية على كل مسؤول جديد يجلس خلف مكتبه منشغلاً بترتيب زاوية التصوير وكتابة بيانات الترحيب وباقات الشكر أن يستفيق من وهمه؛ فالكراسي لا تدوم، والتاريخ لا يرحم المستعرضين على حساب أوجاع الفقراء.
إن لم تترجم هذه اللقاءات والاجتماعات فوراً، وخلال أيام معدودة، إلى حلول ملموسة تنقذ قطاع الطاقة، وتوفر المحروقات بأسعار عادلة، وتكبح جماح هذا الغلاء الفاحش، فلتغلقوا صفحاتكم ولترحلوا غير مأسوف عليكم؛ فقامشلو اليوم بحاجة ماسة إلى رجال ميدان يواجهون الأزمات بعزيمة وصدق، وليست بحاجة إلى هواة تصوير يقتاتون على وجع الناس وتعبهم اليومي.