العراق لا تحكمه حيتان الفساد… بل تُدار ثرواته من خلف الستار!

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

إلى متى يبقى البعير على التل؟ حين يصبح الفاسد بطلاً والسرقة مشروعاً!

لم يعد الفساد في العراق مجرد ظاهرة عابرة، ولا خطأً إدارياً يمكن التغاضي عنه، بل أصبح ـ في نظر كثير من العراقيين ـ منظومة لها أدواتها وشبكاتها وأساليبها، وتعرف متى تتحرك وكيف تحمي مصالحها.

والمصيبة الأكبر أن بعض الفاسدين لم يعودوا يخجلون من أفعالهم، بل أصبح بعضهم يظهر أمام الناس وكأنه بطلٌ وصاحب إنجاز، وكأن سرقة المال العام ليست جريمة، وكأن الاعتداء على حقوق ملايين العراقيين أصبح وجاهةً سياسية ومصدراً للفخر!

هنا يجب أن نتوقف ونصرخ:

أي دولة هذه التي يُحاسَب فيها الضعيف، بينما يستطيع صاحب النفوذ أن ينام مطمئناً؟

أي وطن هذا الذي يُطلب من المواطن أن يدفع الضرائب والرسوم، وأن يتحمل انقطاع الكهرباء وشح الخدمات وغلاء المعيشة، بينما تتحدث التقارير والملفات والشكاوى عن هدر وفساد واختلاس وأموال عامة تضيع دون أن يرى المواطن دائماً نتائج حاسمة بحجم المشكلة؟

في العراق لا يسرقون المال فقط… بل يرسمون طريق السرقة!

المشكلة الأخطر ليست في سارقٍ منفرد يمد يده إلى المال العام.

المشكلة عندما تتحول السرقة إلى أسلوب ومنهج وشبكة مصالح؛ عندما يعرف البعض كيف تُمرر العقود، وكيف تُنفخ الأسعار، وكيف تُوزع المنافع، وكيف تختفي الملفات، وكيف تتعطل الإجراءات، وكيف يتحول صاحب القضية إلى متهم، بينما يبقى صاحب النفوذ بعيداً عن المساءلة.

عندها لا تعود القضية مجرد فساد مالي.

إنها جريمة بحق الدولة والمجتمع والمستقبل.

فكل دينار يُهدر من المال العام يعني مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يُجهز، وطريقاً لم يُعبد، وفرصة عمل ضاعت، وبيتاً عراقياً حُرم من خدمة يستحقها.

والأخطر من الفساد… هو تطبيع الفساد

حين يرى الشاب العراقي شخصاً متهمًا بقضية فساد يعيش حياة الرفاهية، ويظهر في المناسبات، ويتصدر المشهد، ثم لا يرى أمامه حساباً واضحاً ولا عقوبة رادعة، تبدأ أخطر عملية في المجتمع:

تتحول الجريمة إلى نموذج يُحتذى به.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

إذا كان الشريف ينتظر سنوات حتى يحصل على حقه، والفاسد يستطيع أن يبني نفوذه وثروته خلال سنوات قليلة، فماذا نطلب من الجيل الجديد أن يتعلم؟

هل نعلمه أن النزاهة طريق النجاح؟

أم نتركه يعتقد أن الطريق الأقصر إلى المال هو النفوذ والعلاقات والصفقات؟

هذه ليست قضية حكومة واحدة، ولا حزب واحد، ولا شخصية واحدة.

إنها قضية دولة بأكملها وهيبة قانون يجب أن تستعاد.

الدين قال كلمته قبل القانون

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

وقال سبحانه:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

وقال رسول الله ﷺ:

«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»

فكيف يستقيم أن يكون المسؤول مؤتمناً على أموال الناس، ثم تتحول أموال الدولة إلى غنيمة يتصارع عليها أصحاب المصالح؟

المنصب تكليف وليس تشريفاً، والمال العام أمانة وليس غنيمة، والسلطة مسؤولية وليست حصانة.

رئيس الوزراء أمام اختبار لا يحتمل التأجيل

دولة رئيس الوزراء، الشعب العراقي لا يريد مزيداً من الاجتماعات التي تنتهي بالصور والبيانات.

ولا يريد لجاناً جديدة تنضم إلى عشرات اللجان التي سبقتها.

ولا يريد كلمات منمقة عن الإصلاح.

العراقي يريد أن يرى الفاسد الكبير أمام القضاء، والأموال المسروقة تعود إلى خزينة الدولة، والعقود المشبوهة تُفتح ملفاتها، ومن استغل منصبه يُحاسب، مهما كان اسمه ومهما كان موقعه.

إن كثرة اللقاءات مع القوى السياسية والاجتماعية أمر طبيعي في إدارة الدولة، لكن الرأي العام يريد أن يعرف: متى تتحول هذه اللقاءات إلى قرارات إصلاح حقيقية؟

فالفساد لا يُهزم بالمجاملات، ولا بالصور، ولا بالمؤتمرات.

الفساد يُهزم عندما يشعر الفاسد أن القانون أقوى من نفوذه.

لا أحد فوق العراق

العراق ليس شركة خاصة، وليس ملكاً لحزب أو كتلة أو شخصية.

العراق ملك أبنائه جميعاً.

وثرواته ملك الشعب.

ومؤسسات الدولة ليست مكاتب خاصة لمن يملك القوة والنفوذ.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين شخص وآخر، ولا بين حزب وحزب.

المعركة بين دولة القانون ودولة المصالح.

بين من يريد عراقاً مؤسساتياً يحكمه الدستور والقانون، ومن يريد عراقاً تبقى فيه الأبواب الخلفية مفتوحة أمام النفوذ والصفقات والمصالح.

والحقيقة التي يجب ألا نخاف من قولها:

لن ينتهي الفساد ما دام الفاسد يعتقد أن منصبه يحميه، وما دام المجتمع يرى بعض المتهمين بالفساد أبطالاً، وما دامت المحاسبة انتقائية.

كفى!

كفى أن يدفع المواطن ثمن أخطاء الآخرين.

كفى أن تبقى ثروات العراق هدفاً للصراع.

كفى أن يصبح صاحب النفوذ أقوى من الموظف النزيه.

كفى أن يتحول الفساد من عارٍ إلى وجاهة.

كفى أن يصبح السارق ـ في نظر البعض ـ «شاطرًا»، والنزيه «ساذجاً»!

هذه أخطر معادلة يمكن أن يصل إليها أي مجتمع.

العراق لا يحتاج إلى أبطال من أصحاب الملايين مجهولي المصدر، ولا إلى سياسيين يتباهون بالنفوذ.

العراق يحتاج إلى أبطال حقيقيين: قضاة لا يخافون، ورقابيين لا يساومون، وصحفيين يكشفون الحقيقة، ومسؤولين يضعون مصلحة الوطن فوق مصلحة الحزب والمنصب، ومواطنين يرفضون تحويل الفاسد إلى قدوة.

وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي لا يستطيع أحد دفنه:

إلى متى يبقى البعير على التل؟

إلى متى يبقى الفاسد يخطط، والفاسد يقرر، والفاسد يستفيد، بينما المواطن يدفع الثمن؟

لقد آن الأوان أن تتغير المعادلة:

من سرق المال العام فليواجه القانون.
ومن أهدر المال العام فليُحاسب.
ومن استغل منصبه فليُسأل.
ومن ثبتت عليه الجريمة فليأخذ جزاءه العادل.

فلا دولة بلا قانون، ولا إصلاح بلا محاسبة، ولا مستقبل لوطنٍ يصبح فيه الفساد بطولة، والنزاهة تهمة.

العراق أكبر من الفاسدين… وثرواته ليست غنيمة لأحد.

قد يعجبك ايضا