عطا شمیراني
أقولها لكم بهدوء، ومن دون غضب أو رغبة في التصعيد: اشتغلوا بمناطقكم واتركوا لنا كردستان. نحن نعرف أرضنا أكثر منكم، ونعرف مدننا وجبالنا وقرانا، ونعرف أهلنا واحتياجاتهم. نعرف كيف ندير شؤوننا، وكيف نحافظ على أمن مدننا، وكيف نحمي بيتنا. لذلك لا نحتاج إلى من يأتي من بعيد ليخبرنا كيف نعيش أو كيف نحافظ على أمننا.
كردستان ليست فراغاً أمنياً ينتظر من يملؤه، وليست أرضاً بلا أهل، وليست مدينة يمكن لأي جهة أن تدخلها متى شاءت وتحت أي عنوان شاءت. كردستان لها أهلها، ولها مؤسساتها، ولها حكومة وبرلمان وقوات أمنية، ولها تجربة طويلة دفعت خلالها تضحيات كبيرة حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم.
نحن شعب عاش طويلاً مع الخوف، وعرف معنى أن تكون القوة بيد من لا يرى في الإنسان إلا رقماً. عرفنا معنى القمع والتهجير والدمار، وعرفنا ماذا يحدث عندما تصبح لغة السلاح أقوى من لغة القانون. ولذلك تعلمنا أن نحمي سلامنا، وأن نحافظ على كرامتنا، ونرفض أن تعود بنا الأيام إلى مراحل كان فيها المواطن لا يعرف ماذا ينتظره من الغد.
نحن لا نريد الحرب، ولا نريد العداء مع أحد، ولا نريد أن نأخذ شيئاً من أحد. نريد أن نعيش بسلام في وطننا، وأن تكون علاقتنا مع بقية العراقيين قائمة على الاحترام والشراكة. لكن السلام لا يعني أن نقبل الوصاية، والهدوء لا يعني الخوف، والشراكة لا تعني أن يتخلى طرف عن حقوقه أو أن يسمح لغيره بأن يفرض عليه أمراً واقعاً بالقوة.
لدينا إقليم دستوري، ولدينا مؤسسات، ولدينا حكومة وبرلمان، ولدينا شعب يعرف أرضه ويعرف مصالحه. ولهذا لا نحتاج إلى ميليشيا تأتي من بغداد لتقول لنا إنها جاءت لتحمي أربيل، ولا نحتاج إلى سلاح يدخل مدننا تحت شعار فرض القانون. القانون الذي نؤمن به هو الدستور، والحوار، والمؤسسات، والاتفاقات الواضحة بين أبناء الوطن الواحد، وليس لغة البنادق والتهديد.
إذا كانت لديكم مشكلات في مناطقكم، فاشغلوها وحلوا أزماتكم، وحاربوا الفساد، واضبطوا السلاح، وابنوا مؤسساتكم، وخدموا أبناء مناطقكم. أما كردستان فاتركوها لأهلها. نحن لم نذهب إلى مناطقكم لنقول لكم كيف تعيشون، ولم نحاول أن نفرض عليكم نموذجاً معيناً للحكم أو الأمن، فلماذا تريدون أن تأتوا إلى بيتنا لتقولوا لنا كيف نعيش؟
نحن نريد عراقاً قوياً، ونريد بغداد قوية، ونريد أربيل قوية، ونريد أن يعيش العراقيون معاً كشركاء لا كخصوم. قوة بغداد لا تعني إضعاف أربيل، ووحدة العراق لا تعني إخضاع كردستان. الدولة القوية ليست الدولة التي تستعرض قوتها أمام مدنها، وإنما الدولة التي تجعل الدستور فوق الجميع، وتضمن الحقوق للجميع، وتمنع أي جهة من استخدام السلاح لفرض إرادتها على الآخرين.
لقد دفع الكرد ثمناً غالياً حتى يصلوا إلى هذه اللحظة. وذاكرة الأنفال وحلبجة والتهجير والقمع لم تختف من ذاكرة هذا الشعب. هذه ليست صفحات عابرة في كتاب التاريخ، بل جراح بقيت في ذاكرة عائلات وأجيال كاملة. نحن نعرف جيداً ماذا يعني أن يأتي السلاح باسم الدولة، ونعرف ماذا يعني أن تتحول القوة من وسيلة لحماية المواطن إلى وسيلة لإخضاعه.
ولهذا لا نريد أن يعود العراق إلى ذلك الزمن. لا نريد لأطفالنا أن يكبروا وهم يخافون من صوت السلاح، ولا نريد أن تتحول مدننا مرة أخرى إلى ساحات صراع بين القوى السياسية والعسكرية. ما نريده بسيط: أن يعيش المواطن بأمان، وأن تكون الخلافات السياسية والسيادية محلها المؤسسات والحوار، لا الشوارع والمدن.
نحن نريد السلام، لكننا نعرف أن السلام لا يعني الضعف. ونعرف أن الهدوء لا يعني الخوف. ونعرف أن من يحب أرضه لا يحتاج إلى الصراخ حتى يثبت ذلك. نحن لا نهدد أحداً، ولا نبحث عن مواجهة أحد، لكننا في الوقت نفسه نتمسك بحقنا في أن نقرر شؤوننا بأنفسنا ضمن الدستور والقانون.
نحن نعرف كيف ندبر حالنا، ونعرف كيف نحمي مدننا، ونعرف كيف نحافظ على أمننا، ونعرف كيف نبني مستقبلنا. ولا نطلب من أحد أن يحارب من أجلنا، ولا نطلب من أحد أن يحمي بيتنا، لأن بيتنا له أهله، وأهله يعرفون كيف يحرسونه ويحافظون عليه.
وكردستان ليست ملكاً لفصيل، ولا لحزب، ولا لشخص، ولا لقوة خارجية. كردستان لأبنائها؛ للذين ولدوا بين جبالها، وللذين عاشوا في مدنها وقراها، وللذين دفنوا أحباءهم في ترابها، وللذين حملوا علمها في أصعب الأيام، وللأجيال التي تريد أن تعيش فيها بسلام وكرامة.
ومن يريد السلام معنا فأهلاً بالسلام. ومن يريد الحوار فأهلاً بالحوار. ومن يريد الشراكة فنحن أهل الشراكة. نحن لا نريد أن نكون أعداء لأحد، ولا نريد أن تتحول الخلافات السياسية إلى عداوات بين الشعوب. لكن الشراكة الحقيقية تعني أن يحترم كل طرف حدود الآخر وحقوقه، وأن يفهم الجميع أن العراق لا يبنى بالإقصاء ولا بالتهديد، وإنما بالثقة المتبادلة والالتزام بالدستور.
أما من يفكر بأن كردستان أرض يمكن أن تدخلها القوة متى شاءت، أو أن تغييراً في المشهد الأمني العراقي يمكن أن يكون ذريعة لفرض واقع جديد على أربيل، فعليه أن يقرأ التاريخ من جديد. التاريخ يقول إن الشعوب التي ذاقت القمع لا تنسى، وإن الكرامة لا يمكن أن تكون ورقة تفاوض، وإن الاستقرار الحقيقي لا يأتي من الخوف، بل من احترام الإنسان وحقوقه.
كردستان اليوم ليست كردستان الأمس، والكرد اليوم ليسوا شعباً ينتظر من يحميه أو يقرر عنه. نحن نريد أن نعيش بسلام في وطننا، وأن نكون شركاء حقيقيين في عراق يحكمه الدستور ويحترم الجميع. نريد عراقاً تتسع فيه المساحة للجميع، لا عراقاً يطلب فيه طرف من طرف آخر أن يتنازل عن أمنه وكرامته حتى يثبت ولاءه للدولة.
لذلك رسالتي إليكم واضحة وبسيطة: أصلحوا بيوتكم، وعالجوا أزماتكم، واهتموا بمناطقكم، واتركوا لنا بيتنا. لا نريد صراعاً معكم، ولا نريد خصومة مع أي عراقي، لكننا لا نقبل وصاية من أحد، ولا نقبل أن يتحول السلاح إلى وسيلة لفرض الإرادة على كردستان.
نحن نمد يدنا للسلام، ونؤمن بالحوار، ونحترم الشراكة، ونريد عراقاً مستقراً وآمناً للجميع.
لكن في الوقت نفسه، نريد أن يكون واضحاً للجميع: كردستان لها أهلها، ولها مؤسساتها، ولها إرادتها، وأهلها يعرفون كيف يدبرون شؤونهم.
اشغلوا بمناطقكم واتركوا كردستان لأهلها.
نحن نعرف كيف ندبر حالنا.