ماذا لو أعادت واشنطن تعريف الحوثي؟

مشتـاق هاشم العلوي

زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، أول زيارة دولة له لمصر منذ العام 2016، قد تبدو للسياسي اليمني المعتاد على قراءة بلاده من داخل حدود الأزمة مجرد حدث دبلوماسي عابر. لكن من يحاول فهم الجغرافيا السياسية في صورتها الأوسع سيتوقف عند سؤال مختلف: ماذا تعني الصين وهي تعزز حضورها عند الطرف الشمالي من البحر الأحمر، في وقت أصبح فيه الطرف الجنوبي، باب المندب، أحد أكثر الممرات حساسية في العالم؟

الطريق الذي يبدأ من بحر العرب ويمر بخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر وينتهي عند السويس منظومة واحدة، مهما حاولت الخرائط السياسية تقسيمها. وهنا يصبح اليمن حاضراً دون أن يطلب أحد حضوره؛ فباب المندب مضيق يمني والسويس قناة مصرية، لكن كلاهما حلقة في طريق تجاري واحد ترتبط به مبادرة الحزام والطريق الصينية.

الفرضية:
في الأشهر الماضية، تحول هرمز إلى ميدان مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران، وكانت الصين من أكثر المتضررين، إذ تراجعت وارداتها من الخام الإيراني بحدة بسبب الاضطرابات والعقوبات. من هنا تُطرح فرضية قد تبدو مبالغاً فيها، لكنها تقوم على منطق المصالح لا الخيال وحده: ماذا لو كان باب المندب بالنسبة لواشنطن، إلى جانب كونه مشكلة أمنية تريد إغلاقها، ورقة يمكن استخدامها في الصراع الأكبر مع بكين؟

الفرق بين هرمز وباب المندب دقيق لكنه جوهري: هرمز يضغط على شريان الطاقة الخليجي، بينما باب المندب يتحكم بالطريق الذي يصل المحيط الهندي بأوروبا وأفريقيا عبر السويس. واضطراب هذه الحلقة يكفيه ارتفاع أقساط التأمين وتحويل مسارات السفن وإطالة الرحلات، دون حاجة لإغلاق كامل.

لماذا الحوثي تحديداً؟
الجماعة التي اعتاد اليمنيون رؤيتها كطرف في حرب داخلية تمتلك قدرة لا تتناسب مع حجمها: “التأثير في ممر بحري دولي”. ففي يوليو 2026 أعلن الحوثي حصاراً بحرياً على السعودية وسط أزمة هرمز القائمة أصلاً. والأكثر دلالة أن الصين نفسها أجرت اتصالات مباشرة معه لضمان مرور سفنها التجارية بأمان_وهذا يعني أن بكين، صاحبة المشروع التجاري العالمي، وجدت نفسها مضطرة للتفاوض مع قوة مسلحة خارج إطار الدولة.

من هنا يصبح السؤال الأمريكي المحتمل مختلفاً عن السؤال المعتاد. فبدل “كيف ننهي الحوثي؟” قد يصبح السؤال: “كيف نضمن ألا يستخدم قوته ضد مصالحنا، وكيف نمنع في الوقت نفسه أن يتحول باب المندب لطريق آمن يخدم المشروع الصيني بالكامل؟” في السؤال الأول الحوثي مشكلة تُستأصل، وفي الثاني قوة تُحتوى وتُعاد صياغة وظيفتها_وهذا التحول يمكن أن يبدأ من مساحات رمادية أصغر بكثير: تفاهمات أمنية، قنوات اتصال، تخفيف تدريجي للضغوط، مقابل التزامات محددة بشأن الملاحة، دون حاجة لإعلان تحالف رسمي.

ماهي السوابق التي تجعل الفرضية معقولة؟
واشنطن نفسها انتقلت من قبل من المواجهة للتفاهم حين تغيرت الأولويات؛ فقد تفاوضت مع طالبان، وأنهت جولة مواجهتها المباشرة مع الحوثي عام 2025 باتفاق يوضح أن العداء العسكري يسمح بترتيبات محدودة حين تتغير الحسابات. والحوثي أثبت خلال سنوات الحرب براغماتية عالية في إدارة قنوات التفاوض والانتقال بين الجبهات، بينما تعيش إيران نفسها تحولات تُضعف قدرتها على دعمه كما اعتاد.

الموانع التي قد تحد من الفرضية؟
هذا السيناريو اختبار فكري أكثر منه توقعاً، وله حدود واضحة يجب الاعتراف بها: أولاً، الأدلة المتاحة حتى الآن تبقى مؤشرات جزئية، والقول بأن هذا الترتيب أصبح سياسة أمريكية فعلية يتجاوز ما تسمح به هذه المؤشرات.
ثانياً، ارتباط الحوثي بإيران، وإن كان قابلاً للتغير، ما زال عميقاً على المستويين الأمني والعقائدي، وانتقاله لتفاهم مع واشنطن يبقى احتمالاً بعيداً وغير محتوم بأي مقياس حالي.
ثالثاً، الجماعة تحمل عداءً أيديولوجياً معلناً لواشنطن يصعب تجاوزه رمزياً حتى لو توافقت المصالح عملياً، وأي ترتيب سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار عند أول احتكاك.
رابعاً، القوى الإقليمية الأخرى (السعودية تحديداً، أكبر المتضررين من أي تفاهم أمريكي-حوثي) تملك أوراق ضغط كافية لعرقلة أي مسار من هذا النوع قبل أن ينضج.

لكن، لماذا تستحق الفرضية النقاش رغم موانعها؟
خطورة هذا السيناريو تكمن في كونه ممكناً بينما لا يستعد له أحد، أكثر مما تكمن في احتمال وقوعه فعلياً. فإذا أعادت واشنطن، ولو جزئياً، تعريف وظيفة الحوثي، فإن القوى اليمنية التي تتعامل معه اليوم كخصم يجب هزيمته قد تجد نفسها أمام واقع دولي فقدت فيه غطاءها. وحينها تصبح المشكلة الحقيقية فقدان الغطاء الدولي الذي راهنوا عليه لإعادة تشكيل اليمن، أكثر مما هي قدرة الحوثي على الانتصار عسكرياً.

هذا النمط شهدته المنطقة من قبل؛ فقد تغيرت قيمة الحلفاء مراراً حين تغيرت أولويات القوى الكبرى، وتحولت دول وجماعات من عبء إلى شريك ثم عادت عبئاً حين انتهت وظيفتها.
والسياسي الذي يفترض أن التحالفات الحالية ستبقى ثابتة حتى نهاية الحرب اليمنية يرتكب خطأ استراتيجياً كبيرًا.

أين يقف اليمن من كل هذا؟
اليمن يمتلك إلى جانب باب المندب، بحر العرب وسواحل طويلة وموانئ تمتد حتى حدود عُمان. وإذا كانت القوى الكبرى تنظر للممرات البحرية كأدوات قوة، فإن استمرار ضعف الدولة اليمنية يعني أن القيمة الاستراتيجية لهذه الجغرافيا ستُعاد صياغتها من الخارج، وربما بما لا يخدم مصلحة اليمنيين أنفسهم.

هذه دعوة لفهم أن الدولة التي تفتقر لتصور واضح لمصالحها ستجد نفسها موضوعاً في تصورات الآخرين، لا دعوة للخوف من الصين أو الارتماء في الحضن الأمريكي. الصين تريد طرقاً آمنة، وأمريكا تريد منع خصمها من نفوذ استراتيجي غير مكلف، وإيران تريد الاحتفاظ بأوراقها. أما اليمن فيحتاج أن يريد شيئاً أبسط وأصعب في آن: أن يكون صاحب القرار في أرضه وبحره، وهذا يتحقق بمؤسسات قادرة فعلياً على حماية السواحل وإدارة الموانئ والتفاوض من موقع المصلحة الوطنية، لا بالبيانات والمؤتمرات وحدها.

وربما تكمن المفارقة الأخطر في أن الحوثي، الذي نشأ في ظل ضعف الدولة، هو الطرف الأكثر استعداداً لقراءة هذه التحولات الدولية كفرصة لبقائه، بينما تبقى القوى التي تتحدث عن استعادة الدولة الأقل استعداداً للتعامل مع عالم تتغير فيه قواعد اللعبة.

زيارة شي جين بينغ للقاهرة لا تقدم إجابة مباشرة عن مصير اليمن. لكنها تفتح نافذة على عالم تتحول فيه الموانئ والمضائق إلى أدوات قوة بذاتها، حيث يحتاج امتلاك موقع استراتيجي إلى معرفة ماذا تريد منه، وكيف تحميه، وكيف تفاوض الآخرين عليه. وحين تغيب هذه المعرفة، تستمر الجغرافيا في العمل لصالح من يملك القدرة على قراءتها.

قد يعجبك ايضا