زينه عبدي
استشراف التحولات وكيفية التعامل معها، وأيضا الاستعداد الكلي لمراجعة الخيارات الممكنة عند اللحظات التاريخية المفصلية، هي البرهان الوحيد للكشف عن مدى الخبرة والحنكة السياسية والاضطلاع بالمسؤولية سيما القرار لدى صناع القرار السياسي. في ضوء ذلك، يكشف المشهد السياسي في كوردستان سوريا عن تطور لافت وتحول جوهري في خطاب قيادات قوات سوريا الديمقراطية والأطراف السياسية التي تتبنى روايتها؛ إذ صار يعتمد إعلاء منطق التبرير بدلا من النقد والمراجعة الذاتية، وتفسيره للفشل والتعثر في ضوء سردية المظلومية، ناهيك بعزو مآلات الأحداث في سياق التحولات التي طرأت على البيئة الإقليمية والدولية؛ من غياب البدائل إلى التخلي الدولي، وصولا إلى ترجيح بعض الانكسار والإخفاق باعتباره مكسب سياسي عبر تبني المسار السياسي بدلا من العمل المسلح. إلا أن هذا التبرير يثير إشكالية أساسية ويستدعي طرح تساؤل محوري: إلى أي مدى كانت الأخطاء السياسية انعكاسا لظروف وقيود خارجية، أم أنها جاءت نتيجة خيارات واعية اتخذت بإرادة مستقلة واحدة رغم إدراك تبعاتها وبداهة نتائجها؟
أوهام التبرير والرهان الخاطئ
تكشف مراجعة المسارين السياسي والعسكري، أن المنعطفات الحاسمة التي آلت إليها المنطقة(غرب كوردستان) لم تكن بالدرجة الأولى استجابة لإرادة الأطراف العظمى فحسب، بل جاءت نتيجة القرارات الذاتية لطرف سياسي واحد والتعمد في الانغلاق السياسي للتضيق على هامش الحركة السياسية الكوردية.
ويتجلى ذلك في الإخلال بتأسيس مرجعية سياسية كوردية جامعة، وتهميش القوى المستقلة وكذلك الحروب السياسية الدائرة بين الأحزاب التابعة للإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكوردي والأحزاب التي تدعي الاستقلالية، إلى جانب عدم السماح لبيشمركة روج للانضمام وتوحيد المجال العسكري في كوردستان سوريا، ناهيك باستمرار تلك العلاقة الوثيقة بين قسد وحزب العمال الكوردستاني وإبقائها أسيرة لأجنداته وتوجهاته، الحزب الذي بات الذريعة المحورية للهجوم التركي على مناطق الشريط الحدودي الكوردية في غرب كوردستان، مع تجاهل الخصوصية الكوردية في كوردستان سوريا، وكذلك الظروف الوطنية السورية وجغرافيتها.
وفي ذات الإطار، لا بد من الحديث عن حجم التغافل عن القيود التي أفرزتها تعقيدات السياق الإقليمي، ما كرس بصورة عميقة أحادية السلطة الكوردية التي قادت إلى الانهيار الداخلي وترسيخ منطق التدخلات الإقليمية سيما العسكرية منها، ناهيك بالإفراط في الاستناد إلى مظلة الحماية الأمريكية المؤقتة، قد قاد إلى إهدار الورقة الميدانية الكوردية عوضا عن تحويلها إلى ضمانات سياسية دائمة أمام أول محك للتحولات الجيوسياسية الطارئة، وإعادة ترتيب لخارطة المصالح الدولية. ومن هنا، لا تكمن المشكلة الأساسية في ما فرضته الأطراف الإقليمية والدولية، بل في النهج الأحادي الذي حاصر المشروع السياسي الكوردي في زاوية الخيارات الحرجة، وقلص بذلك البدائل الاستراتيجية عند منعطف التحولات.
تجريم النقد
لم تكن حدود تلك القرارات التكتيكية الراهنة بما يوازي الجذور العميقة للانحراف البنيوي لدى قسد وحزب الاتحاد الديمقراطي والأحزاب التابعة للإدارة الذاتية، وإنما تشمل منطق الرفض لأي نقد أو مساءلة بنيوية؛ حيث إدارة المشهد السياسي الكوردي وفق آليات تحتكر الحقيقة وتصادر الرأي المختلف عنها(المساءلة). وقد عومل أي تقييم نقدي ومستقل بصفته صوت خارج عن المقدسات والروافد الأساسية للقضية الكوردية والتشكيك في مشروعيتها، وتأطيره ضمن خانة التخوين واتهامه بالانسياق مع أجندات خارجية معادية.
وهنا تطفو أسئلة على السطح: لماذا يستخدم الإطار الرمزي النضالي والتضحيات التي قدمت كحصانة أخلاقية تغلق الباب أمام محاكمات المسار وتقييم النتائج؟ ولماذا يوصم ويشيطن أي نقد للقرارات السياسية عبر ربطه المباشر بتدنيس دماء الشهداء والخروج على حرمتها؟.
ما منع التجربة من نضوجها داخل بيئة صحية لتعديل الأخطاء التي تحولت إلى هفوات تنفيذية وانحرافات إجرائية ومآزق متراكمة كان بالإمكان تداركها وتصحيحها، هو تحصين السردية المعتمدة والاستماتة في تسويقها والتكتم على معالم الانغلاق السياسي.
مقتضيات التغيير
اليوم، أصبحت مراجعة القرارات السياسية ضرورة حتمية ووجودية في ظل التحولات السياسية الأخيرة وتداعيات مسار الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة الانتقالية في دمشق بمنأى عن أي تحليل، وما رافقه من حالة توجس كبيرة لدى الشارع الكوردي المجتمعي والسياسي.
لذلك، فإن تخطي منعطف الانكشاف والانتقال إلى الفعل السياسي الحقيقي والفاعل يقتضي معالجة واضحة لبؤرة الأزمة وفق ما يلي:
المكاشفة الحقيقية عبر المصالحة والإقرار بحجم الخسارات المرتكبة، ورفض إنكار كافة التحولات السياسية لاستيعاب وامتصاص مشهد الإحباط لدى الشارع الكوردي، فاحترام الكورد ووعيهم وإعادة بناء ثقتهم المفقودة يتطلب الإعلان عن نسبة الأخطاء سيما السياسية منها التي أودت إلى هذه النتيجة، لا دسترة للحقوق على أقل تقدير، ناهيك بكلفة المرحلة التي تجلت بفخ الوعود الخارجية وتبعاته على الكورد ومناطقهم
لا بد من تأسيس مرجعية سياسية كوردية جامعة في كوردستان سوريا، حيث الانتقال الطارئ والمباشر إلى صيغة تشاركية تجمع لا تقصي، بدء من القوى السياسية والفعاليات المستقلة، ضمن إطار وحدة الصف والموقف الكوردي ليكون ممثلا حقيقيا عن قضية الشعب الكوردي داخل سوريا والدفاع عنها والمطالبة بحقوقه اللغوية والثقافية والسياسية في خضم التغيرات الجيوسياسية الراهنة.
من خلال التطورات لأكثر من عقد، برهنت التجارب في مناطق كوردستان سوريا أن مصير الكورد عندما يكون على علاقة بحسابات خارجية مثل حزب العمال الكوردستاني، فإنهم سيُسَتهدفون باستمرار من قبل الجانب التركي وبصورة مباشر، وبالتالي تجريدهم من قضيتهم التاريخية وإبعادهم عن استحقاقاتهم المشروعة لدى دمشق. لذا يتوجب على الطرف السياسي الذي تولى عقد الاتفاق مع دمشق أن يمتلك رشدا سياسيا في إحداث قطيعة سياسية وتنظيمية بين القضية الكوردية المحقة في سوريا وبين الأيديولوجيات العابرة للحدود، للعبور نحو اتخاذ القرار دون تدخلات، وإعلاء المصلحة ضمن الإطار الوطني بما يضمن الحقوق دستوريا للكورد.
تقديم القضية الكوردية كاستحقاق ديمقراطي كوردي سوري من خلال الانتقال من الانكفاء الأحادي إلى النجاعة السياسية ضمن الفضاء الوطني السوري، وبناء شراكات وطيدة على مبدأ الشراكة الحقيقية دون إقصاء أو تهميش، والمواطنة الفاعلة، والعقد الاجتماعي والحقوقي الجامع يرسخ المواطنة الدستورية.
الرهانات الخاطئة التي أدت إلى صدمة كارثية لدى الكورد يجب أن تتحول إلى وعي سياسي ناضج وفرصة للتصحيح الهيكلي عبر تمتين الروابط الداخلية وحوكمة المؤسسات وإيلاء الأهمية الكافية للرأي العام.
تمكين المجتمع المدني والنخب الأكاديمية والفكرية والإعلام وتقديم الدعم اللازم، وفتح المجال العام وصون حرية الرأي والتعبير والتقييم والمتابعة والمساءلة، لتجنيب المنطقة المزيد من مصائر معاد إنتاجها سابقا.
ويبقى السؤال المصيري الشاخص: هل ستتحول هذه الصدمة الهيكلية إلى ولادة مسار كوردي مستقل في كوردستان سوريا يضع القضية الكوردية في قلب المعادلة السورية، أم سيستمر الإصرار على النهج ذاته حتى يدفع الكورد من جديد كلفة أخطاء لم تكن يوما قدرها المحتوم؟