استراتيجية ترامب الجديدة وإعادة ترتيب العالم والشرق الأوسط بالقوة والاقتصاد، وغربي كوردستان في مهبّ التحولات

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

لا يمكن فهم ما أصاب القضية الكوردية في سوريا إذا قرأناها من داخل قامشلو وحدها. فالقرار الذي انتهى بحل قسد وإعادة دمج مناطق الإدارة الذاتية في الدولة السورية لم يولد في دمشق أو أنقرة فقط؛ بل جاء ضمن لحظة دولية أوسع، إستراتيجية مرعبة لإمبراطورية تغير أدوات هيمنتها، تستخدم فيها إدارة ترامب أدوات القوة الأمريكية بطريقة تكاد تدمج ما أسميه «الدولة العميقة الكلاسيكية» بالدولة العميقة العصرية.
فالأولى تتمثل في أدوات القوة التقليدية: البنتاغون، الاستخبارات، الجيش، الدبلوماسية والتحالفات. أما الثانية فتعمل بدرجة أكبر عبر الدولار والأسواق والعقوبات والتعرفة الجمركية والطاقة والاستثمارات والقدرة على إغلاق أبواب النظام المالي العالمي أو فتحها. وفي عهد ترامب لم تعد هاتان الأداتان تعملان منفصلتين؛ بل أصبحت القوة العسكرية تمهد للاقتصاد، والاقتصاد يضغط لخدمة السياسة، والسياسة تساوم على الأمن، وكلها تتحرك ضمن عملية واحدة.
والحرب مع إيران تكشف هذا النموذج بوضوح. فبعد ستة أشهر من الحرب، لم تكتف واشنطن بالعمليات العسكرية، بل انتقلت إلى تشديد الحصار والعقوبات والضغط على الدول والمؤسسات التي تتعامل مع طهران، وصولًا إلى التهديد بالعقوبات الثانوية. وقد تراجع حجم التجارة الخارجية الإيرانية بصورة حادة تحت وطأة الحرب والحصار، فيما تصف الإدارة الأمريكية حملتها الاقتصادية بأنها مرحلة جديدة من الضغط حتى تجبر طهران على التفاوض وفق شروط أكثر قسوة.
وفي أوروبا والناتو نرى المنطق نفسه. فواشنطن لا تطلب من حلفائها تأييدًا سياسيًا فقط؛ بل تراجع انتشار قواتها في أوروبا وفق مقدار تعاون الدول مع السياسة الأمريكية، بما في ذلك السماح بالقواعد والعبور الجوي ودعم العمليات الأمريكية. والوثائق التي كُشف عنها في آب/أغسطس تشير إلى أن تعاون الحلفاء مع واشنطن في حرب إيران أصبح بالفعل أحد عناصر تقييم الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا.
حتى روسيا والصين، وهما قوتان لا تستطيع واشنطن فرض إرادتها عليهما بسهولة، أصبحت علاقتهما بإيران جزءًا من المساومة والضغط. فقد ناقشت الاستخبارات الأمريكية مع الروس دعم موسكو لطهران، في الوقت الذي تستخدم فيه واشنطن ملفات أوكرانيا والناتو والعقوبات في علاقتها المعقدة مع الكرملين. وليس المطلوب هنا افتراض «صفقة» معلنة حيّدت بوتين؛ فالأهم والأخطر أن دعم روسيا لإيران نفسه أصبح بندًا صريحًا في الاتصالات الأمريكية–الروسية، أي جزءًا من شبكة مساومات تتجاوز الملف الإيراني إلى مجمل العلاقة بين موسكو وواشنطن.
والصين تقدم مثالًا آخر على حدود القوة الأمريكية وعلى اتساع أدواتها في الوقت نفسه. فقد استخدمت إدارة ترامب التعريفات والتهديدات التجارية ثم التهدئة والمساومات في تعاملها مع بكين. لكن زيارة ترامب إلى الصين لم تنتج تعهدًا صينيًا بمساندة واشنطن ضد إيران؛ وهذا مهم، لأن الاستراتيجية الأمريكية ليست قدرة سحرية على إخضاع الجميع، بل قدرة هائلة على رفع تكلفة الرفض ودفع حتى القوى الكبرى إلى التفاوض المستمر حول مصالحها.
وفي فنزويلا انتقل استخدام القوة إلى الطاقة بصورة أكثر مباشرة؛ فبعد سقوط مادورو في قبضة القوات الأمريكية، توسعت السيطرة الأمريكية على قطاع النفط، وأعلن ترامب لاحقًا اتفاقًا يمنح الولايات المتحدة نفوذًا واسعًا على جزء هائل من الاحتياطيات الفنزويلية. وليس هذا منفصلًا عن عالم تهتز فيه أسواق الطاقة بفعل حرب إيران وإغلاق هرمز؛ فالطاقة أصبحت جزءًا من الأمن القومي ومن القدرة الأمريكية على إدارة تداعيات الحرب نفسها.
إذن، لسنا أمام سياسة أمريكية تتحرك في ملف واحد، بل أمام شبكة من الضغوط والمساومات تمتد من موسكو وبكين إلى أوروبا والشرق الأوسط، وتستخدم فيها واشنطن الجيش والعقوبات والتجارة والطاقة والتحالفات معًا.
وهنا نصل إلى القضية الكوردية.
إذا كانت دول الناتو نفسها تُحسب عليها قواعدها ومجالاتها الجوية ومقدار تعاونها مع واشنطن، وإذا كانت روسيا تناقش دعمها لإيران مع الاستخبارات الأمريكية، والصين تفاوض أكبر اقتصاد في العالم على التعرفة والأسواق والطاقة، فمن أي منطق نطلب من قوة كوردية صغيرة، محاصرة جغرافيًا وتعتمد أصلًا على السلاح والغطاء الجوي والسياسي الأمريكي، أن ترفض قرار الولايات المتحدة عندما تغير واشنطن استراتيجيتها في سوريا؟
هذه هي النقطة التي يغيب عنها كثير من النقد الكوردي الحالي.
فالولايات المتحدة لم تطلب من قسد رأيها في شكل النظام الدولي الجديد، بل أخبرتها عمليًا أن المرحلة التي قامت فيها الحاجة إلى قوة عسكرية مستقلة قد انتهت، وأن الأولوية أصبحت إعادة بناء سوريا حول سلطة دمشق وإدماج المؤسسات العسكرية والإدارية القائمة فيها.
والوقائع الأخيرة شديدة الوضوح: رفعت واشنطن في 24 آب/أغسطس 2026 اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفي اليوم التالي أعلنت قسد حل نفسها والاندماج في الدولة، ثم عيّن أحمد الشرع مظلوم عبدي مستشارًا رئاسيًا، فيما كانت تركيا من أوائل المرحبين بحل قسد.
هذه ليست مصادفات زمنية.
إنها انتقال أمريكي واضح من مرحلة استخدام قسد كشريك عسكري مستقل نسبيًا إلى مرحلة استخدام الدولة السورية الجديدة كشريك مركزي.
ويمكن أن نسمي ذلك تخليًا أمريكيًا عن الكورد، أو تبدلًا في المصالح، أو خيانة لحليف قاتل داعش؛ فالأسماء لا تغير النتيجة. السؤال الذي يهم الحراك الكوردي هو: هل كان مظلوم عبدي يستطيع أن يقول «لا»؟
لو قالها، فمن كان سيحمي السماء؟ ومن كان سيمنع تركيا؟ ومن كان سيزوده بالسلاح بعد توقف الدعم الأمريكي؟ ومن كان سيمنع دمشق من استخدام القوة؟
روسيا؟ الصين؟ أوروبا؟ أم الدول العربية؟
إن مطالبة قوة كوردية محدودة برفض ما تضطر أمامه دول كبرى إلى المساومة والتكيّف ليست بطولة سياسية؛ إنها مطالبة لها بالانتحار لإرضاء خطاب قومي غاضب.
وهنا يجب الفصل بين أمرين كثيرًا ما يخلط بينهما الكورد اليوم، قبول ما لا تستطيع منعه، والتنازل عما تؤمن بأنه حقك.
قد يُفرض على قسد أن تنحل. وقد تُفرض دولة مركزية في المرحلة الحالية. وقد يُفرض على الكورد الاكتفاء بحقوق أقل كثيرًا مما كانوا ينتظرونه.
لكن لا أحد يستطيع أن يفرض على الحراك الكوردي أن يحول هذه التسوية المؤقتة إلى عقيدة سياسية، أو أن يتنازل عن حقه في المطالبة مستقبلًا بنظام اتحادي لامركزي واعتراف دستوري بالشعب الكوردي وجغرافيته وحقوقه.
وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الحراك الكوردي، لا مسؤولية مظلوم عبدي وحده.

ملاحظة: المقالة القادمة ستكون مخصصة لبحث انعكاسات هذه التحولات على غربي كوردستان، وحدود ما فُرض على الكورد، وما ينبغي أن يفعله الحراك الكوردي لمنع النكسة من التحول إلى هزيمة داخلية.

قد يعجبك ايضا