عكيد آغا
هناك من يحاول إقناع العراقيين بأن مشكلة العراق تكمن في البيشمركة، وأن استقرار البلاد لا يتحقق إلا بإضعاف إقليم كوردستان أو حل قواته. لكن السؤال الحقيقي هو: هل كانت البيشمركة سببًا في الفساد، ونهب المال العام، وانتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة، والصراعات الطائفية والسياسية التي أنهكت العراق؟
إن تحميل البيشمركة مسؤولية أزمات العراق ليس سوى هروب من الأسباب الحقيقية للمشكلة، وقلب للحقائق التاريخية والسياسية.
فالبيشمركة ليست قوة ظهرت بعد عام 2003، بل هي امتداد لتاريخ طويل من المقاومة والدفاع عن الشعب والأرض. فمنذ حركات الشيخ عبدالسلام البارزاني، وثورة الشيخ أحمد البارزاني، وثورة الشيخ محمود الحفيد، وثورة بارزان عام 1943، مرورًا بثورة أيلول بقيادة الملا مصطفى البارزاني، ثم ثورة گولان، وصولًا إلى جرائم الأنفال والقصف الكيميائي وجريمة حلبجة، ظل الشعب الكوردي متمسكًا بحقه في الحياة والحرية.
وقد أثبت التاريخ أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لم تستطع إنهاء إرادة شعب. فقد استخدمت ضد الكورد الجيوش والأسلحة الثقيلة والطائرات والأسلحة الكيميائية، ووقعت عمليات الأنفال والتهجير والقتل الجماعي، ومع ذلك بقي الشعب الكوردي وبقيت قضيته، حتى أصبحت كوردستان العراق جزءًا دستوريًا من الدولة العراقية الاتحادية بموجب دستور عام 2005.
البيشمركة… من المقاومة إلى مواجهة الإرهاب
بعد عام 2003، تحولت كوردستان إلى واحدة من أكثر مناطق العراق استقرارًا، وعندما اجتاح تنظيم داعش مناطق واسعة من البلاد عام 2014، كانت قوات البيشمركة في مقدمة القوات التي واجهته، وقدمت تضحيات كبيرة في الدفاع عن العراق وكوردستان.
وفي الوقت نفسه، فتح إقليم كوردستان أبوابه أمام أعداد كبيرة من النازحين العراقيين واللاجئين السوريين، في وقت كانت فيه مدن عراقية عديدة تعيش تحت وطأة الحرب والدمار.
فهل من الإنصاف، بعد كل ذلك، أن تُقدَّم البيشمركة باعتبارها المشكلة؟
إن قوة العراق لا تحتاج إلى إضعاف كوردستان، كما أن قوة كوردستان لا تحتاج إلى إضعاف العراق. العراق القوي يحتاج إلى إقليم قوي، والإقليم الآمن يحتاج إلى عراق مستقر.
الدستور هو الحل… وليس السلاح
أما المناطق المتنازع عليها، ومنها المناطق المشمولة بالمادة 140 من الدستور، فلا ينبغي أن تتحول إلى غنائم سياسية أو أن تُحسم بقوة السلاح. إن الحل يجب أن يكون دستوريًا وسياسيًا، بعيدًا عن فرض الأمر الواقع، لأن القوة قد تؤجل المشكلة لكنها لا تستطيع إنهاءها.
وكذلك فإن مواجهة النفوذ الخارجي والفساد لا تكون باستهداف مكوّن عراقي أو مؤسسة عسكرية، وإنما ببناء دولة المؤسسات والقانون، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز القرار الوطني المستقل.
فالكورد ليسوا أعداء العراق، وكوردستان ليست عدوة بغداد.
المطلوب إصلاح البيشمركة لا إلغاؤها
قد تختلف الأحزاب الكوردية في مواقفها وبرامجها، وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية، لكن البيشمركة قضية تتجاوز الخلافات الحزبية.
المطلوب هو العمل على بناء مؤسسة عسكرية كوردستانية مهنية وموحدة، خاضعة للقانون، ومنسجمة مع الدستور، وقادرة على حماية الإقليم ومواطنيه والتنسيق مع القوات الاتحادية في مواجهة الإرهاب والتهديدات المشتركة.
فالدولة القوية لا تخشى المؤسسات النظامية، بل تنظمها وتضعها تحت القانون.
لا تجعلوا كوردستان شماعة لفشلكم
لقد عانى العراق ما يكفي من الحروب والإرهاب والفساد والدمار، وليس من مصلحة أحد تحويل كوردستان إلى ساحة صراع جديدة.
فالفساد لم تصنعه كوردستان، والسلاح المنفلت لم تصنعه كوردستان، ونهب المال العام لم تصنعه كوردستان، والدمار الذي أصاب المدن العراقية لم تصنعه كوردستان.
بل إن كوردستان كانت، في مراحل عديدة، ملاذًا آمنًا للعراقيين من مختلف القوميات والمذاهب، كما كانت شريكًا في مواجهة الإرهاب والدفاع عن أمن العراق.
لذلك، فإن من يريد عراقًا قويًا وموحدًا، عليه أن يحترم الدستور، ويبني دولة القانون، ويحقق العدالة في توزيع الثروات، ويحارب الفساد، ويمنع التدخلات الخارجية، بدلًا من البحث عن شماعة جديدة لتعليق أخطاء الماضي عليها.
لقد جُرّبت القوة ضد الشعب الكوردي لعقود، ولم تستطع إنهاء إرادته.
واليوم، آن الأوان لأن يكون الحوار والدستور والشراكة أقوى من السلاح.
كوردستان تريد عراقًا قويًا… والعراق القوي لا يُبنى على أنقاض كوردستان.